العنوان الحكومة تصعد إجراءاتها لإحكام السيطرة على المساجد ومنع بنائها
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997
مشاهدات 226
نشر في العدد 1237
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-فبراير-1997
موضوع الغلاف
مخطط يهدف إلى تجفيف منابع التدين
القاهرة: عبد الحي محمد وبدر محمد بدر
- وزير الأوقاف يدافع عن إجراءاته بمنع الاعتكاف ومنع تشكيل جمعيات أو لجان زكاة بالمساجد.
- علماء الدعوة والأزهر يردون على الوزير ويرفضون تقييد الدعوة الإسلامية.
بينما كان أبناء الشعب المصري، المتدين بفطرته، يتهيؤون لاستقبال شهر رمضان المبارك، يلتمسون التزود بالإيمان والتقوى والعلم النافع، ويهرعون إلى المساجد فيملؤون جنباتها، ركعًا سجدًا، يقرؤون القرآن ويذكرون الله كثيرًا، كانت مساجد مصر المحروسة تعيش حالة من الهم والحزن والكآبة، تشكو إلى الله ظلم العباد، وقسوة الواقع، وقلة الرجال!، والسبب أن أجهزة مباحث أمن الدولة «عفوًا وزارة الأوقاف» اتخذت خطوة جديدة وشاذة تهدف إلى إحكام القبضة على منابر الدعوة إلى الله، والعصف باستقلال المساجد وخنق كل صوت يذكر بالحق والرشاد، فقد قررت سجن وتغريم من يفكر في إلقاء درس أو موعظة، أو يلقي خطبة في أي مسجد من مساجد مصر «أكثر من 120 ألف مسجد، عدا الزوايا والمساجد الصغيرة»، ونص العقوبة كما أقرها مجلس الشعب - المطعون في شرعية انتخاب أكثر من نصف أعضائه - على أن تصبح سارية بدءًا من 21 من يناير الماضي «يعاقب كل من يمارس - إلقاء الخطب أو الدروس الدينية بالمساجد دون الحصول على ترخيص من وزارة الأوقاف لممارسة ذلك - بالحبس مدة لا تتجاوز شهرًا، وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تتجاوز ثلاثمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، ولوزير العدل بالاتفاق مع وزير الأوقاف منح صفة الضبطية القضائية لمفتشي المساجد، فيما يقع من مخالفات لأحكام هذا القانون»..!.
القانون الأخير هو جزء من مخطط أمني معروف باسم «تجفيف المنابع» يهدف إلى إحكام القبضة على منابر الدعوة الإسلامية، وتقليم أظافر المتصدين لها، وجعلها بوقًا يردد توجيهات السلطة وسياسة الحكومة، ويصبح بالتالي طبيعيًّا أن يتعرض للسجن والغرامة كل من يتحدث في المساجد في غير أحكام الطهارة والوضوء، وضرورة الأدب وحسن الخلق والرضا بالواقع، وإذا أراد أن يتحدث في السياسة، فليحدث الناس في أهمية تنظيم الأسرة وتحديد النسل، فمنذ عدة أشهر أصدر وزير الأوقاف تعليمات إلى مساجد الأوقاف في مصر، تقضي بعدم مهاجمة اليهود وتناول العلاقات مع إسرائيل من فوق المنابر، وحذر من تطبيق العقوبات على من يخالف ذلك، وبالفعل تم منع الدكتور عبد الصبور شاهين - خطيب مسجد عمرو بن العاص «أقدم وأكبر مساجد مصر» - من إلقاء خطبة الجمعة المعتادة، لأنه هاجم اليهود ومؤتمر شرم الشيخ، وقيل في تفسير إبعاده إنه «أخذ فرصته»! أما الشيخ أحمد المحلاوي - خطيب الإسكندرية المعروف - فقد تم منعه من الخطابة لنفس السبب وهو مهاجمة اليهود وفضح مخططاتهم، وقيل إنه أحيل إلى المعاش.
حظر بناء المساجد
وقد حاول وزير الأوقاف السابق توحيد خطبة الجمعة على مستوى الجمهورية لكنه وجد معارضة شديدة باعتبارها سابقة لم تحدث في التاريخ الإسلامي كله، أما وزير الأوقاف الحالي فقد أصدر قرارًا منذ عدة أشهر يحظر فيه على المواطنين في مصر «بناء مساجد جديدة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من وزارة الإدارة المحلية، على أن يتم التوقيع على إقرار بالالتزام بالنماذج المعمارية التي أعدتها وزارة الأوقاف لبناء المساجد الجديدة»، وهما شرطان يجعلان من الصعوبة بمكان استمرار الأهالي في بناء المساجد، لأن الترخيص يصدر بناء على «توصية» من أجهزة المباحث، كما أن نموذج الوزارة مرتفع التكلفة بشكل كبير.
كما منعت تعليمات وزير الأوقاف الحالي المواطنين من تشكيل لجان في المساجد «تابعة لبنك ناصر الاجتماعي الحكومي» لجمع الزكاة وتوزيعها على فقراء المنطقة، وكذلك منعت التعليمات تشكيل جمعيات خيرية داخل المساجد أو أن تكون المساجد هي نطاق عملها ابتداءً من هذا العام 1997 م، أما الجمعيات الخيرية الموجودة حاليًّا بالمساجد فقد تقرر منع الكهرباء والمياه عنها تمهيدًا لإغلاقها، لينتهي بذلك واحد من أكبر مجالات العمل الخيري والديني في مصر، كما أصدر الوزير قبل أيام تعليماته بمنع اعتكاف المواطنين في المساجد دون الحصول على ترخيص بذلك من مديرية الأوقاف التابع لها المساجد!.
وتبذل وزارة الأوقاف جهودًا ضخمة في سبيل الاستيلاء على المساجد الأهلية الفاعلة في أوساط المواطنين وعلى رأسها مساجد الجمعيات التي يديرها الإخوان المسلمون، وأيضًا المساجد المؤثرة للجمعيات الشرعية وأنصار السنة وغيرها، فمنذ عدة سنوات لم تكن وزارة الأوقاف تدير أكثر من 1 % من مساجد مصر «حوالي ألف مسجد فقط تم بناؤها بمعرفة الحكومة وأجهزة الإدارة»، أما الآن فقد بسطت الوزارة سلطانها على عدة آلاف، وتتحرك من خلال خطة تتيح لها إحكام القبضة على نحو 30 ألف مسجد حتى نهاية عام 2000 م، بمعدل ستة آلاف مسجد سنويًا، ولأن القرار سياسي والخطة أمنية، فإن الأوقاف تعاني حاليًا من نقص ضخم في الدعاة والأئمة وخدم المساجد، ويقدر العدد - حسب تصريح وزير الأوقاف نفسه - بحوالي 50 ألف شخص في الوقت الحالي.
أما أهم واجبات الإمام والخطيب وخادم المسجد الذين تعينهم أجهزة أمن الدولة «على أوراق وزارة الأوقاف» فهو منع أي دروس أو جلسات تلاوة، أو أي أنشطة تتم في المسجد «المؤمم»، والالتزام الصارم بفتح المسجد قبيل الصلاة المفروضة مباشرة وإغلاقه عقب انتهاء الفريضة، وعندما يتأخر المصلي قليلًا لأداء النافلة، أو لتجديد الوضوء فلا حرج من أن يجد من يربت على كتفه قائلًا: «خلصنا يا أستاذ.. أنا عندي عيال» ورغم المكافآت الزهيدة التي تصرفها الوزارة لهؤلاء، إلا أن الضغط الأمني كفيل بإقناعهم بتنفيذ «التوجيهات» بكل دقة وصرامة!!والمساجد الأهلية - التي تستولي عليها الحكومة - تشكل محورًا أساسيًا من محاور العمل الخيري والخدمي في مصر، خصوصًا في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لقطاعات واسعة من الشعب، فمعظم المساجد تلحق بها مستوصفات طبية، ودور للمناسبات، وفصول للخدمات التعليمية، وتحفيظ القرآن الكريم، ومشاغل للفتيات أو دور للمسنين، أو ملاجئ للأيتام، أو لجان للزكاة... إلخ، أو بعض هذه الخدمات، وطبيعي أن تتوقف هذه الأنشطة عند «تأميم» المسجد.
تصريحات وزير الأوقاف
«المجتمع» التقت الدكتور محمود حمدي زقزوق - وزير الأوقاف المصري - لتسأله عن خلفيات الإجراءات التي تتخذها الحكومة بخصوص المساجد، وننشر هنا أقوال الوزير بدون تعليق، يقول الوزير:«أنا لا أضع قيودًا على الدعوة الإسلامية، ولا أجبر الأهالي على تأميم مساجدهم، أنا لست وزير تأميم الدعوة كما قال بعض العلماء المعارضين لي، ولكني أنظم العمل الدعوي، فالدعوة إلى الله مهنة مثل بقية المهن الأخرى، ولا بد لمن يمارسها من رخصة تمنحها الوزارة بصفتها صاحبة الحق في الإشراف على المساجد، وأقول: إن قانون تنظيم الخطابة استند إلى نصوص وأسس شرعية وقانونية، فمذهب الإمام أبي حنيفة النعمان الذي تسير عليه مصر منذ مئات السنين يقول: لا تقام صلاة الجمعة إلا بوجود السلطان ونائبه، والسلطان اليوم هو الرئيس مبارك، ونائبه: وزير الأوقاف، وبالتالي يجب أن تخضع كل المساجد لإشراف الوزارة، وهناك قانونان صدرا سابقًا يؤكدان أن خضوع المساجد للوزارة هما القانون رقم 157 لسنة 1960 م، والذي كان يهدف إلى ضم جميع المساجد المصرية للوزارة خلال عشر سنوات، والقانون رقم 89 لسنة 1964 م الذي خول وزير الأوقاف أن يصدر قرارًا بالشروط الواجب توافرها فيمن يتصدى للخطابة في المساجد ومن يخالف هذه الشروط يعاقب بالغرامة خمسة جنيهات، والقانون الأخير كان تطويرًا للقانون رقم 89 لسنة 1964 م».
وأضاف وزير الأوقاف: «لا توجد دولة في العالم العربي تسمح لأي إنسان أن يصعد إلى المنبر دون تصريح عدا مصر، التي لم يكن يوجد فيها من قبل نظام التراخيص، وهدفي من القانون الأخير هو تأمين المنبر من المتطرفين، وتأمين المنبر ليس تأمين المباني فقط، ولكن تأمين كل ما يقال فيه، وليس بيني وبين أي إنسان يريد أن يصعد المنبر إلا آيتين هما، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (سورة التوبة: 122)، و ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل: 125)، ولا يخاف من هذا القانون إلا كل من يريد استغلال المنبر لأهداف سياسية لا صلة لها بالدين.
وقال الدكتور محمود حمدي زقزوق لــ «المجتمع»: «لوزارة الأوقاف كل الحق في الإشراف على المساجد فهي تصرف الرواتب للعلماء، وتؤثث المساجد، وهي - بالقانون الجديد - تريد أن تتأكد من أهلية من يتصدى لأمر الدعوة، لأن الدعوة إلى الله مسألة خطيرة جدًا، فالناس تسمع للخطيب بآذان صاغية، ولا بد أن يكون كل من يتصدى للدعوة أهلًا لها، ونحن الجهة الوحيدة التي تتأكد من ذلك، أما موضوع الاعتكاف داخل المساجد، فالسبب وراء طلب الحصول على ترخيص من مديرية الأوقاف التابع لها المسجد، هو المحافظة على العهد والمنقولات التي تتواجد بالمساجد من الدخلاء واللصوص، أما حظر تشكيل لجان الزكاة داخل المساجد فسببه الحفاظ على قدسية المساجد من «الشوشرة» التي تحدث أثناء جمع الزكاة (!) أما القيود التي وضعت على إنشاء المساجد فلم نضع قيودًا، بل طالبنا كل من يريد بناء مسجد أهلي أن يتقدم لوزارة الإدارة المحلية للحصول على ترخيص البناء، والتوقيع على بيان يؤكد الالتزام بالرسم المعماري الذي أعدته الوزارة للمساجد الجديدة، للمحافظة على روعة وجمال المساجد ورونقها» (!).
وأكد الوزير في تصريحاته أن «وزارة الأوقاف وليس الأزهر هي صاحبة الولاية على المساجد، وأي عالم أزهري يريد الخطابة أو إلقاء الدروس الدينية عليه أن يتقدم لنا بطلب للحصول على ترخيص، فإذا أعطيناه الترخيص خطب، وإلا فلا حق له في صعود المنبر أو إلقاء الدروس الدينية» (!).
ولأن الإجراءات الأخيرة، ومنها القانون الأخير، أثارت انتقادات واسعة في صفوف العلماء ورجال الدعوة الإسلامية، استطلعت المجتمع آراء عدد من العلماء والخبراء في هذا الموضوع.
مجمع البحوث هو المختص
الشيخ السيد عسكر - الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية لشؤون الثقافة الإسلامية - يتعجب في رده على سؤال لــ المجتمع من عدم عرض مشروع القانون الأخير على مجمع البحوث الإسلامية، ويقول: «القانون المصري ينص على أن مجمع البحوث هو صاحب السلطة العليا في كل أمور الدعوة الإسلامية بمصر، فلماذا لم يعرض عليه قانون «تأميم المساجد» وتم تمريره خلسة إلى مجلس الشعب ؟!.. إن الأزهر الشريف هو صاحب الحق في الإشراف على الدعوة الإسلامية، وهو مستقل مخلص لوجه الله، وأقول إن القانون الجديد سوف يثير مشاكل جمة بين وزارة الأوقاف وبين علماء الوعظ بالأزهر، والذين يصل عددهم لأكثر من ألفي عالم، إن علماء الوعظ مهمتهم أن يفاجئوا المساجد ليلًا أو نهارًا، لإلقاء الخطب والدروس، وإرشاد الناس، فأعمالهم لا تحدد بموعد معين ولا يوم معين، وبالتالي فإن كل خطيب يريد أن ينتقل من قرية إلى أخرى أو من محافظة إلى أخرى عليه أن يطلب ترخيصًا، الأمر الذي سيثير مشكلات بين علماء الوعظ وإدارة الأزهر من ناحية وبين خطباء وزارة الأوقاف والوزارة من ناحية أخرى».
الدكتور يحيى إسماعيل - أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، والأمين العام لجبهة علماء الأزهر - يؤكد أن كل «الإجراءات التي اتخذها وزير الأوقاف مؤخرًا هدفها تكميم وتأميم وإلغاء الدعوة الإسلامية، والأصل في الدعوة الأزهر وليس الأوقاف، فالأزهر بعلمائه ومؤسساته هو الذي تكفل بحفظ الدين في مصر والعالم الإسلامي على مدى أكثر من ألف عام، وجاهد علماؤه أيما جهاد في سبيل نشر الدعوة، وتحملوا العنت والاضطهاد، فكيف بهؤلاء العلماء إذا أرادوا أن يمارسوا حقهم في الدعوة أن يحصلوا على ترخيص من وزير في وزارة حزبية هدفها خدمة الحاكم لا خدمة الدين ؟».
ويضيف الدكتور يحيى إسماعيل قائلًا: «الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم تفقه في الدين وعلم بأحكامه وتعاليمه، وما لم يدع العالم إلى الله فهو آثم لا محالة، وتاريخنا الإسلامي كله يؤكد أن الدعوة إلى الله كانت حرة، ولم تقيدها السلطات بتراخيص، ولا يحق لوزارة الأوقاف التأكد من أهلية الداعي، فإذا كان لا بد من تعيين جهة للإشراف على الدعاة ومراقبتهم فليكن الأزهر الشريف بما له من استقلالية وإخلاص للدين وتاريخ في الدعوة».
ويقرر الدكتور يحيى: أنه لا يحق شرعًا ولا قانونًا أن تقيد الحكومة إنشاء المساجد بتراخيص، لأن أرض مصر في أرض إسلام، لا تقبل ولا يقبل لها أن تعامل المساجد على أرضها معاملة دور اللهو وبيوت اللعب، بتقييد أمر إقامتها على إذن صادر من وزير وموافقته، كما لا يجوز أن تقيد إقامة الشعائر التعبدية مثل الاعتكاف بترخيص، فالعبادات لا ترخص إطلاقًا، كما لا يحق أن تعلق المساجد فور كل صلاة.. إن هذه القرارات والتعليمات هدفها منع نشر الخير ونشر الشر، وتكبيل العلماء والخطباء بقيود صارمة، وهي كلها تصادر حقوقًا شرعية وتشريعية كفلها الشرع والقانون المصري الوضعي للمواطن المسلم.
لا يجوز إقامة الشعائر بترخيص
ويؤكد الدكتور محمد سليم العوا - المفكر الإسلامي المعروف - أنه لا يجوز تنظيم الدعوة الإسلامية بعقوبات الحبس والغرامة، ولا يجوز إقامة الشعائر التعبدية بترخيص أو إذن، فالدعوة الإسلامية هي فرع من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان على كل مسلم قادر عالم بما يأمر به وينهى عنه، وقانون تأميم الخطابة هو محاولة حكومية سافرة لفرض هيمنة الدولة على المساجد وبيوت العبادة بقوة القانون الجنائي... والمساجد في مصر والعالم الإسلامي كله أصلها من إنشاء المسلمين من حر مالهم تقربًا إلى الله تعالى، ودور وزارة الأوقاف في المساجد وسائر الأموال الموقوفة هو دور الناظر الذي يجب عليه شرعًا التقيد بشروط الواقف، ولا شأن لها أصلًا بتنظيم الدعوة الإسلامية أو تحديد من يباشرها أو يمنع من مباشرتها العلماء.
ويوضح الدكتور العوا أن احتجاج وزير الأوقاف بالمذهب الحنفي للسيطرة الحكومية على المساجد، ومنع العلماء المخلصين من الخطابة والإمامة، احتجاج غير موفق، ويحتاج إلى إعادة نظر، لأن الشروط التي يتطلبها المذهب الحنفي في السلطان غير متوافرة في حكام زماننا، ولا يجوز أن نأخذ بعض أحكام المذهب ونترك بعضه، فإذا قيل إن من حق السلطان تنظيم صلاة الجمع بالمساجد وتعيين الأئمة بها باعتبارهم نوابًا عنه، فإن هذا السلطان هو الذي يحكم بالشريعة الإسلامية ويقيم الحدود وينفذ جميع الأحكام الشرعية، على وفق ما قرره علماء المذهب الحنفي، وإذا كان سلطان هذا الزمان لا يقوم بالواجبات الشرعية فلا تكون له الحقوق التي ذكرها علماء المذهب، لأن كل حق يقابله واجب، ومن أسقط عن نفسه الواجبات أو أهمل في أدائها تسقط عنه الحقوق ضمنًا».
ويشير الدكتور العوا إلى أنه ليس صحيحًا أن كل الدول العربية عدا مصر تمنح رخصة لمن يخطب في الناس بالمساجد، والصحيح أن كل بلدان العالم العربي والإسلامي عدا المغرب وتونس لا تعرف تلك الرخصة، فالدعوة الإسلامية منذ جاءت، دعوة حرة لا تحتاج إلى إشراف وزارة أو حكومة، بل إن المسلمين هم الذين يمنحون الشرعية للإمام أو الخطيب الذي يستحق، وإلا هل حصل الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل على رخص كي يخطبوا في الناس وينشئوا مذاهبهم؟! الإجابة لا... بل إن الإمام «أبو جعفر الصادق» كان معارضًا أشد المعارضة للحكومات التي عاصرها، ولم تجرؤ أية حكومة على منعه من الخطابة أو الدعوة، وإن قانون تأميم الخطابة، وحظر الاعتكاف، وحظر تشكيل لجان الزكاة بالمساجد يؤكد أن الدولة تقف ضد الدين والتدين لا ضد الغلو والتطرف.
ضربة قاصمة للدعوة
ويرى الدكتور سيد رزق الطويل - رئيس جمعية دعوة الحق، والأستاذ بجامعة الأزهر - أن قانون تنظيم الخطابة هو ضربة قاصمة للدعوة الإسلامية التي تعد مصر رائدة فيها، والقانون الجديد يقضي على العاطفة الدينية في نفوس أبناء مصر التي تدفعهم إلى بناء المساجد وتعميرها، والدعوة الإسلامية هي نوع من التطوع يقوم بها من هو موهوب في العلم والخطابة، وبالتالي فإن قصر الدعوة على بعض الأئمة سيؤدي إلى الإخلال بواجبات الدعوة، كما سيؤدي إلى التخاذل من جانب من هو موهوب ومؤهل للقيام بهذا الواجب.
أما الدكتور فؤاد مخيمر - الأمين العام للجمعية الشرعية التي تشرف على أكثر من خمسة آلاف مسجد في مصر - فيرى أن قانون وإجراءات وزير الأوقاف أصابت كل الجمعيات الإسلامية بخيبة أمل وحسرة، وهي إجراءات تعوق الدعوة وتقيدها بقيود حديدية، وتؤممها لصالح الحكم لا لصالح الدين الخاص، ويقول الدكتور مخيمر: إن أعضاء الجمعية الشرعية التقوا بالوزير وأكدوا له أن «هناك عشرات الآلاف من المساجد تحتاج إلى الأئمة والوعاظ، والوزارة لا تستطيع الوصول إليها، وما عليك إلا أن تدعم عملنا لا أن تحاربه»! إن القرى والنجوع امتلأت بالشباب الجامعي المتعلم الذي يبحث في الدين، وإذا شعر هؤلاء الشباب أن هناك إمامًا يخطئ في خطبه، فإنهم يوصون بإبعاده عن الخطابة، ويؤكد على خطأ ما يقال من إن الدعاة غير المعينين بوزارة الأوقاف ليسوا أكفاء علميًا، فهؤلاء العلماء والدعاة أكفاء وبحور في العلم والإخلاص، وإذا كان لا بد من جهة تشرف على الخطباء فلابد أن تكون الرقابة للأزهر الشريف وليس للأوقاف، فالأزهر هو الأصل ولا يجوز أن يهمش ويلغى دوره.
وبعد.. فقد عاشت مساجد مصر طوال تاريخها، حتى في أصعب سنوات الاحتلال الأجنبي منارة للعلم والمعرفة والرأي الحر الجريء، وقلعة من قلاع التصدي للفتن والفساد والانحلال والانحراف، وقادت الحركة الوطنية الصادقة، فهابها الحكام والمسؤولون، واحتمى بها الضعفاء والمحزونون، وما يجري اليوم هو وصمة في تاريخها وعصف بكل مفاخر وقيم وتراث حياتها.. بل هو ضد حركة التاريخ.