; الحلقة الخامسة... في رحاب القرآن | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة الخامسة... في رحاب القرآن

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1978

مشاهدات 100

نشر في العدد 389

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 07-مارس-1978

الفاتحة

توحيد وشريعة وسلوك

الحمد لله، ولا نعبد إلا إياه، ولا نستعين بأحد سواه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نلجأ إلا إليه، والصلاة والسلام على إمام العابدين، وسيد الموحدين، وقائد الخاشعين محمد بن عبد الله صلوات وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين. وبعد، موضوعنا «الفاتحة توحيد وشريعة وسلوك» نقدم فيها لقرائنا الأعزاء ما تيسر من الحديث عن: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5)، برًا بوعدنا في الحلقة السابقة، فنقول وبالله التوفيق «لا عبودية إلا لله ولا استعانة إلا بالله».

 ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾، العبادة -أيها القارئ- هي الخضوع ناشئ عن استشعار القلب عظمة المعبود وسلطته المحيطة بالوجود كله، أو بعبارة أوجز هي خضوع لا يحد لعظمة لا تحد.

 هذا هو معنى العبادة، وهذه هي العبادة التي تصل العابد بالمعبود، فتؤتي ثمرتها وتقوم الأخلاق وتهذب النفوس، وتملأ القلب بمراقبة المعبود وخشيته، فإذا خلت العبادة من هذا الشعور، فإنها تفقد روحيًا ويضعف أثرها، وتصبح صورة عباده لا عبادة «كالتمثال للإنسان: ليس إنسانًا وإنما هو صورة إنسان» وإذا كانت كذلك فإنها لا تصل العابد بالمعبود، ولا تؤتي ثمرة ولا تقوم خلقًا، ولا تهذب نفسًا، ولا تحدث في القلب مراقبة ولا خشية.. هذا: والعبادة لا تكون إلا لله وحده، فليس في الوجود معبود سواه، ولا عبودية إلا له -جل في علاه-، وكذلك الاستعانة في الأمور الخارجة عن قدرة البشر، والتي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، «كالشفاء من المرض والنصر على الأعداء، ودفع الجوائح والآفات وصنوف البلاء، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى وخاضع لسلطان قدرته وحده، ولا يقدر عليه البشر» الاستعانة في هذه الأمور ونحوها طلبًا لجلب خيرها ودفع شرها، لا تكون إلا بالله وحده لأنها شقيقة العبادة، ومن أجل هذا قدم في الآية الكريمة «إياك» ليدل على الاختصاص.. فمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ نخصك يا الله دون سواك بالعبادة، فلا نعبد أحدًا غيرك، كما نخصك بالاستعانة فلا نستعين إلا بك، وبعد: ألست ترى معي -أيها القارئ العزيز- أن ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ تعلن التحرر البشري الكامل؟ التحرر من عبودية الأشخاص، والتحرر من عبودية النظم، والتحرر من عبودية الأوضاع، والتحرر من عبودية الأساطير والخرافات والأوهام، حيث لا يعبد إلا الله ولا يستعان بأحد سواه.

 «الله وحده هو صاحب الحق في رسم صور العبادة وتشريع أحكامها». 

 نعم: ما دامت العبادة مختصة بالله وحده، فهو وحده صاحب الحق الأوحد في رسم صورها وتشريع أحكامها، فليس لأحد من العابدين -وكل ما عدا الله فهو من العابدين- أن يزيد شيئًا فيما رسم الله لعبادته، أو ينقص منه شيئًا، كذلك ليس لأحد من العابدين أن يتوجه بما رسم الله لعبادته -سبحانه- إلى أحد غيره تبارك وتعالى: فلا ركوع إلا لله ولا سجود إلا لله، ولا طواف إلا بكعبة الله، ولا نذر إلا لله، ولا حلف إلا بالله، ولا دعاء إلا لله، ولا خضوع ولا تذلل إلا لله، ولا توكل إلا على الله، ولا استغاثة إلا بالله، ولا استمداد من حول أحد وقوته إلا من حول الله وقوته، وبذلك يسلم لك دينك ويكمل لك إيمانك ويقينك، وتنجو من لوثات الشرك أكبره وأصغره، ويجتمع لك توحيد الألوهية والربوبية معًا، وفي ذلك سمو بالمؤمن عن مواطن الذلة والاحتياج لبشر مثله، لا يملكون لأنفسهم -فضلًا عن غيرهم- ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل هم محتاجون مثلك -أيها المؤمن- إلى الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ﴾، ﴿وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ﴾.

 وبهذا تعيش -أيها القارئ- في دنياك حرًا خالصًا، وسيدًا كريمًا، ومع الله عبدًا ذليلًا وخاضعًا كسيرًا ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾.

الاستعانة ثمرة التوحيد

 مما لا شك فيه أن الاستعانة بالله وحده «في الأمور التي لا تخضع إلا لقدرته تعالى» هي ثمرة توحيد الله واختصاصه تعالى بالعبادة، وذلك لأن قلب المؤمن يشعر بأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العامة وهي الحاكمة عليها، إنما هي لله وحده ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ﴾، فكل امرئ يوحد الله -تعالى- ولا يعبد غيره، لا يمكن أن يتأتى من الاستعانة بغير الله إلا فيما يملكه البشر. 

هذا: وأفضل الاستعانة ما كان على الطاعة والخير وذكر الله -تعالى- وشكره، وقد أخذ صلى الله عليه وسلم بيد معاذ بن جبل يومًا وقال: والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

الاستعانة بغير الله في الأمور المقدورة للبشر مشروعة

 أما الاستعانة «في الأمور الخاضعة لقدرة البشر» بغير الله فهي مشروعة، بل إن الله -تعالى- أوجب على عباده أن يتعاونوا فيما بينهم في حدود ما يملكون، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ (المائدة: 2)، وتوعد سبحانه كل من يمنع عونه عن إخوانه وهو قادر على إعانتهم، توعده بالويل والعذاب الشديد، فقال في سورة الماعون: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ﴾ (الماعون: 4 - 7).

 ورغب صلى الله عليه وسلم المؤمنين في التعاون هذا الترغيب الجميل في قوله: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه»... إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة، والخلاصة أن الاستعانة فيما لا يملك البشر لا تكون إلا بالله، فمن استعان فيها بغير الله فقد أشرك، أما فيما يملك البشر، فالاستعانة فيها بغير الله جائزة، والتعاون فيها بين العباد من القربات الواجبة التي يتقرب بها إلى الله، وتركه يستوجب غضب الله وعذابه.

 فلا حرج عليك أيها القارئ أن تطلب معونة أخيك، إذا احتجت إلى معونته فيما يمكله، ويجب عليه أن يعينك ما دام قادرًا على إعانتك وقضاء حاجتك.

 

الاستعانة بالموتى غير جائزة على الإطلاق

 أما هؤلاء الذين يستعينون بالموتى في قضاء حاجتهم، فإنهم يطلبون الشيء ممن لا يملكه، حتى ولو كان في دائرة الحدود البشرية، لأن الميت بانتقاله إلى الدار الآخرة، أصبح لا يملك من أمور الدنيا شيئًا، فإذا استعنت في أمر خاضع لقدرة البشر، فاستعن بإنسان من الأحياء يقدر على معونتك وقضاء حاجتك.

 

استكشاف الغيب ممن يدعي علمه حرام

 كذلك حرمت الشريعة الإسلامية استكشاف الغيب ممن يدعي علمه، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾، ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ، حتى أشرف الخلق وأحبهم إلى الله محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب، وقد أمره ربه أن يعلن على البشرية أنه لا يعلم الغيب، وأنه  لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وما مسه سوء: ﴿وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ (الأعراف: 188)، وقال صلى الله عليه وسلم ما معناه: «من ذهب إلى عراف لينبئه بغيب، فقد كفر بالذي أنزل على محمد».

اتخاذ الوسطاء إلى الله في طلب المغفرة وقضاء الحاجات حرام

 كما حرمت الشريعة أيضًا أن يتخذ العبد وسطاء بينه وبين ربه في طلب المغفرة وقضاء الحاجات، وعلى العبد أن يتجه إلى ربه مباشرة بدعائه، والله تعالى يسمعه ويراه، وهو -تعالى- قريب من عباده يجيب دعاءهم دون وساطة ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾.

 وانظر معي في هذه الآية، لم يقل الله تعالى: «وإذا سألك عبادي عني فقل إني قريب» كما هو المألوف في مثل هذا الأسلوب في القرآن الكريم، فإنك لو تصفحت القرآن كله لوجدت أن كل موضع ورد فيه مادة السؤال أو الاستفتاء، يذكر فيه كلمة «قل» ما عدا هذا الموضع، وإليك بعض الأمثلة: قال تعالى: ﴿۞يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ...﴾ (البقرة: 219)، ﴿۞يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ...﴾ (البقرة: 189)، ﴿وَيَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى...﴾ (البقرة: 222)، ﴿وَيَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي...﴾ (الإسراء: 85)، ﴿يَسۡ‍َٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ...﴾ (البقرة: 215)، ﴿يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ...﴾ (البقرة: 217)، ﴿وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ..﴾ (النساء: 127) ﴿يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ  (النساء: 176).

 وهكذا لا تجد موضعًا ورد فيه مادة السؤال أو الاستفتاء، إلا ذكر فيه لفظ «قل»، ما عدا ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ.﴾ (البقرة: 186)، فقد جاء دون توسط كلمة «قل»، وذلك مبالغة في نفي الوساطة بين العبد وربه، فما بال هؤلاء الذين يشبهون الله تعالى، بملوك الأرض الذين يحتجبون عن رعيتهم، فلا يخلص إليهم أحد من الرعية إلا بواسطة المقربين إليه، ولا تقضى له حاجة إلا بشفاعتهم، تعالى الله عن ذلك، إنه -سبحانه- قريب من عباده، يسمع منهم ويستجيب لهم، ويقبل عثراتهم، ويقضي حاجتهم، ويسمع نجواهم، ويعلم سرهم وخفاياهم، بتوبة تائبهم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، حتى تطلع الشمس من مغربها».

 وقال أيضًا: «ينزل ربنا في ثلث الليل الأخير إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من كذا، هل من كذا حتى يطلع الفجر».. وبعد أيها القارئ العزيز، فهذا هو التوحيد الخالص وهو سبيل المؤمنين، وصراط الله المستقيم، فاحرص عليه ولا تحد عنه، تفز فوزًا عظيمًا في الدنيا والآخرة. 

 وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله، لنتابع معك الحديث عن ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ.﴾.. والله هو الموفق والمعين.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

                                                  

الرابط المختصر :