; دراسات: الحملة على الإسلام.. والسياسة الخارجية الأمريكية (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان دراسات: الحملة على الإسلام.. والسياسة الخارجية الأمريكية (1 من 2)

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996

مشاهدات 78

نشر في العدد 1199

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 14-مايو-1996

 

  • العدو الذي يخافونه ويحترمونه الآن هو الإسلام.. وإطلاق وصف الشيطان على المسلمين أصبح جزءًا من الاستراتيجية الدعائية ضده.
  • المنطق يحتم على الولايات المتحدة إقامة علاقات صداقة مع المسلمين لأنهم يشكلون خمس سكان العالم.. لكن العكس يحدث!!
  • أوهام إسرائيل عن رفض الإسلام للتعايش مع النظام العالمي الجديد يتبناها كتاب وباحثون وأكاديميون يروجون لها على أوسع نطاق.

بقلم: آرثر ل. لوري (*)

(*) أستاذ الدراسات الدولية المساعد بجامعة جنوب فلوريدا.. والدراسة منشورة في مجلة «سياسة الشرق الأوسط» «Middle East Policy» مجلد 4، سبتمبر 1995م، العددان 1، 2.

غيّر انتهاء الحرب الباردة طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية، فأصبح لنا نحن القوة العظمى الوحيدة حرية أن نتدخل حيثما ووقتما نقرر ولا يحكمنا إلا الاعتبارات الداخلية، ولقد صعدت القوى العالمية الجديدة إلى قمة اهتمامات صناع السياسة، حلفاؤنا الأوروبيون الذين لم يعودوا في حاجة إلى مظلة نووية، لا يتبعون القيادة الأمريكية كما كانوا من قبل، وأصبحت التجارة الآن أمرًا حاسمًا لدى السفراء الأمريكان كما كانت لدى حلفائنا لسنوات عديدة، ومن هذه التغييرات تبدل الموقف الأمريكي من الإسلام إلى النقيض.

خلال معظم فترة الحرب الباردة كان الإسلام حليفنا، وكانت الأنظمة الإسلامية بوضوح هي أعداء «الشيوعية الكافرة»، وقد استغلتها الولايات المتحدة بشكل ملحوظ في أفغانستان، حيث تلقى المجاهدون ثلاثة بلايين دولار من وكالة المخابرات المركزية في معركة طرد الروس (1)، هؤلاء «المقاتلون في سبيل الحرية»، صاروا كذلك أبطالًا في الإعلام الأمريكي، بل إن هذا التحالف غير الرسمي مع المجاهدين استمر رغم مشاعر العداء لإيران التي نتجت عن إسقاط الشاه، واحتجاز الرهائن الأمريكيين، فكيف حدث الآن أن صار الإعلام يصور الإسلام متعصبًا ومعاديًا للديمقراطية وعدوًا للغرب؟

يفرض المنطق أنه كان على الأمريكيين أن يرغبوا في إقامة علاقات صداقة مع الأقطار الإسلامية من إندونيسيا إلى المغرب، لأن المسلمين يشكلون خمس العالم، بدلًا من ذلك نرى حملة ضد حركات الانبعاث الإسلامية في كل الشرق الأوسط ونرى معظم المعلقين يتجاهلون الفروق بين الجماعات الإسلامية الكثيرة، زاعمين أن الصراع بين الإسلام والغرب حتمي، وأنه نبوءة تحمل في ذاتها تحققها.

إن هناك مؤسسات فرض عليها القانون أن تتعامل مع العنف ضد الأبرياء على أنه أفعال إجرامية، وهذا ما تقوم به، وليس هناك أي أساس سليم لإقحام دين من يقومون بهذه الأعمال في القضية، فلم تصبح النصرانية ككل هي القضية في كارثة «واكو» WHACO النارية في تكساس، ولا في تفجير مدينة أوكلاهوما، كما لم تصبح اليهودية قضية حين قتل برنارد جولدشتاین 29 فلسطينيًا أثناء الصلاة في مسجد الخليل، فالإسلام يجب ألا يكون هو القضية حين يرتكب مسلمون أعمال عنف طبعًا في كل الحالات يمكن أن تكون المعتقدات الشخصية ذات علاقة حين تؤخذ كدوافع.

حين اختفت الحرب الباردة تغيرت نظرة بعض جنود الحرب الباردة تجاه الإسلام، فصموئيل هنتنجتون من جامعة هارفارد وافق -في مقالته الشهيرة صراع الحضارات- على أننا في الغرب «سيكون علينا أن نتكيف مع» الحضارات «التي تكون قيمها ومصالحها مختلفة اختلافًا كبيرًا» عما لدينا، لكن «تكيفه» هو أن يستعد للصراع بالمحافظة على «التفوق العسكري الأمريكي، خاصة في الشرق وجنوب شرق آسيا» «وهي قلب البلاد الإسلامية» (2).

إن نظرة هنتنجتون العالمية تتناقض بوضوح مع أحد كبار مفكري الإسلام حسن الترابي الذي قال في ذلك الوقت تقريبًا أولئك الذين يتمتعون بمزايا في ظل النظام العالمي الحاضر، في العلاقات الاقتصادية، وفي الأمم المتحدة، وفي التقنية، وفي التسليح، سيرون أن الإسلام يشكل تحديًا لهم لأنه يسعى إلى العدالة... فالمسلمون لن يسمحوا أن يصب العالم في قالب واحد، شكل واحد من الديمقراطية أو شكل واحد من النظام الاقتصادي، إن علينا من أجل مصلحة البشرية أن نسمح بمزيد من التعددية والحرية والتنوع، وأن نسعى عبر الحوار والتفاعل إلى أعلى ما يمكن من التماسك والتعايش» (3).

• جذور الحملة المعادية للإسلام:

إن أولئك الزعماء في الشرق الأوسط الذين يحسون بأنهم مهددون من قبل الحركات الإسلامية المحلية، خاصة في الجزائر وتونس، ومصر وإسرائيل، ويدفعون بقوة ذلك الاهتمام الغربي الجديد به التهديد الإسلامي، فالحكومة في الجزائر تواجه أشد التهديد لأنها الغت أول انتخابات حرة في البلاد عام 1992م، لمنع جبهة الإنقاذ الإسلامية من الوصول إلى السلطة، وقد وافقت الديمقراطيات الغربية بشكل ضمني على هذا الفعل المعادي للديمقراطية بشكل صارخ وكانت النتيجة أكثر الحروب الأهلية دموية في تاريخ العرب الحديث سقط فيها ثلاثون ألفًا حتى مايو 1995م، والخوف من الحركات الإسلامية الأصولية أدى إلى تعاون بين الدول لم يحدث من قبل، ففي يناير 1995م، التقى وزراء الداخلية من 18 دولة عضو في الجامعة العربية واتفقوا، نتيجة حث من مصر -ومع تأييد قوي من الجزائر وتونس- على وضع «مدونة سلوك من أجل مقاومة الإرهاب».

أما زعماء إسرائيل الذين يشعرون بالخوف من أعمال العنف من «حزب الله»، و«حماس»، و«الجهاد الإسلامي»، فقد عملوا على تجنيد الولايات المتحدة وأوروبا في المعركة ضد الأصولية الإسلامية بوجه عام، كتب حاييم بارام من القدس واصفًا وضع الزعماء الإسرائيليين أواخر 1994م كما يلي:

«العدو الذي يخافونه ويحترمونه الآن هو الإسلام، وإطلاق وصف الشيطان على المسلمين أصبح جزءًا من الاستراتيجية الدعائية ذاتها التي كانت حتى وقت قريب توجه فقط إلى القومية الفلسطينية، يقوم زعيم الليكود «بنيامين نتانياهو» بجولة في أرجاء الأرض لنشر الإنجيل الجديد، ويرى نتانياهو أن عرفات أصبح لا أهمية له على الإطلاق، حيث إنه عاجز عن إيقاف المد الأصولي الإسلامي الذي تنتهجه إيران، وهذا تكتيك مضحك، إذ كان زعيم الليكود نفسه يصف عرفات حتى وقت قريب بأنه التهديد الرئيسي لا لإسرائيل وحدها، بل للعالم الغربي كله.

وجد نتانياهو طريقة جديدة لتبرير موقفه الرفضي السابق، عرفات لا يهم، لأن الإسلاميين سوف يستلمون منه ويحكمون الشعب الفلسطيني ومن هنا فإن أية تنازلات إقليمية تعتبر حماقة تامة، ومن المفارقات أن إيران تصور على أنها الشيطان الأكبر، القادر على تهديد الغرب بالقنابل النووية، وسوف تخضع لبنان، وحتى سورية، لثورة إسلامية قريبًا جِدًّا، وسوف تنتهي مغازلتها الخائفة مع الأمريكان، وستستعيد إسرائيل مكانتها كموقع استراتيجي مهم للغرب من هنا فإن الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات إقليمية سوف يتوقف أيضًا إن عدد الإسرائيليين المستعدين لابتلاع هذا الهراء لا يصدق.... ومن سوء الحظ أن رابين نفسه قد تبنى خطًا مماثلًا من التفكير، خاصة في زياراته المتكررة لواشنطن «الخطر الإسلامي» «Islamic Peril» هو أكثر موضوعات رابين إملالًا، والهدف من حملته واضح، لقد كان طيلة شبابه وخلال الحرب الباردة عدوًا صلبًا للشيوعية، وهو يأمل أن يقنع الأمريكيين بأن إيران تمثل الخطر نفسه كما كانت موسكو في الفترة السابقة الجيدة (4).

• الحملة في أمريكا:

يشير زخم الحملة المعادية للإسلام في الولايات المتحدة إلى أن أوهام الزعماء الإسرائيليين أصبح يتبناها المؤيدون والمعارضون بالتدريج، ويبدو أن الحملة موجهة إلى كل من الرأي العام وصناع السياسة.

رئيس تحرير «U.S. News & World Repont» مورتايمر زوكرمان، قد تبنى الموضوع الرئيسي بحماس: «التشدد النضالي للإسلام على وشك أن يحل محل الشيوعية ليكون المناوئ الأساسي للديمقراطية الليبرالية الغربية والقيم التي يقدمها» (5)، وفيرجوس بوردوتش في مقال مثير في «المختار» «Reader's Digest» بعنوان: «حرب مقدسة تواجه مسارنا»، يستخدم التجاوزات العنيفة من المتطرفين المسلمين في حرب الجزائر الأهلية قضية ضد الأصولية الإسلامية، وهو في عمله هذا يعتمد على اثنين من أكثر الأمريكيين تأييدًا لإسرائيل: «روبرت ساتلوف»، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، «ودانيال بايبس» المدير السابق لمعهد دراسات السياسة الخارجية في فيلادلفيا، لقد نقل عن بايبس قوله:

«الأصوليون ليسوا بأي معنى مجرد مسلمين «تقليديين» - والمتطرفون ليسوا مجرد «مجرمين» إنهم حملة عقيدة متحمسون، وحين يسمع المتشددون أنهم مقبولون ما داموا لا يرتكبون العنف، فإنهم سوف ينشقون بسهولة عن أجنحتهم السياسية والعسكرية، وبهذه الطريقة سيتبرءون من المسؤولية عن العنف الذي ترتكبه قواتهم السرية» (6).

«أموس بير لمتر» «Amos Perlmtter»، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية، ومحرر مجلة الدراسات الاستراتيجية - كتب عام 1995م:

«لم ترتق فترة ما بعد الحرب الباردة إلى مستوى نظام عالمي جديد، بل إلى عالم مليء بالأصوليين والقوميين والانفصاليين، فمذهبيتا الفاشية والنازية في الثلاثينيات لهما ما يقابلهما في بعض الأماكن من أصولية إسلامية وشمولية وحركة شعبية ضد الغرب لديها أمل أن تعلم «الصليبيين» النصارى الجدد دروسًا في الغلو العنفي، وليس صدفة أن مناطق أزمات العنف الرئيسية والمستديمة يثيرها في عالم اليوم الأصوليون والمتشددون ودعاة القومية والجامعة الإسلامية... والعالم الغربي لا يمكن أن يسمح باستبدال شكل من الشمولية بآخر، أو النموذج السوفييتي بالإسلامي» (7).

«ستيفن إمرسون» كاتب مشهور بآرائه المؤازرة لإسرائيل، أنتج برنامج «جهاد في أمريكا» لمحطة PBS، وعرض في 21/11/1994م، وكان محوره تفجير مبنى التجارة الدولية، وأن أهميته - في رأي «وولتر جودمان»، الناقد التليفزيوني للنيويورك تايمز، هي أن المنظمات الإسلامية التي تبدو محترمة ذات ارتباطات مع المناضلين الذين ينشرون العنف» (8)، بينما ذهبت الاستنكارات إلى أن المتطرفين الإسلاميين أقلية صغيرة من المسلمين، ولقد احتج المسلمون وغيرهم في أنحاء القطر على هذا التصوير للإسلام، ورفعت قضايا ضد البرنامج، وفي فضيحة بشعة، استخدم إمرسون إجابة قدمها أحد المستضافين «د. سامي العريان» من فلوريدا، تامبا» على أحد الأسئلة ليجيب بها على سؤال آخر، وبذلك غير معناها لتتمشى مع الموضوع المعادي للإسلام (9)، كان لدى إمرسون موضوعان أحدهما أن ثمة عالمية إسلامية، وأنها تقود حملة إرهاب ضد الغرب كما توجد شبكة من الخلايا الإرهابية الإسلامية في أنحاء الولايات المتحدة، ولقد أخفق في تقديم أي دليل واقعي على أي من الادعائين، وذكر «فيليب س، ولكوكس الابن»، منسق الدولة المواجهة الإرهاب عام 1995م. أنه «بينما توجد اتصالات غير رسمية بين الإسلاميين -خاصة في الخارج، حيث يجد زعماؤهم غالبًا ملاذًا أمنًا وفرصًا لجمع التبرعات- فإنه لا يوجد دليل واقعي على وجود شبكة دولية منظمة أو جهاز قيادة وسيطرة بين هذه المجموعات (10)، كذلك فإن وكالات فرض القانون المحلية لم تعلن شيئًا يصدق ادعاءات إمرسون حول الشبكة الإرهابية الإسلامية في الولايات المتحدة.

كرر إمرسون بشكل مضجر، في مقالة طويلة The New Republic(12/6/1995م)، في ادعاءاته بأن الجماعات الإسلامية الأصولية «قد أقامت في الولايات المتحدة قاعدة أساسية محكمة سياسيًا وماليًا وتنفيذيًا في بعض الأحيان»، وأن «مركز التحقيقات الفيدرالي F.B.I قد أعطى تلك الشبكة أولوية قصوى»، لكن معتمده كان على مصادر «إسرائيلية» وعلى مسؤولين «سابقين» أو مجهولين، ولم ينقل عن أي مسؤول نشط في حكومة الولايات المتحدة الفيدرالية أو في الولايات المتحدة شيئًا يثبت اتهاماته.

كشف إمرسون عن تصميمه على نشر ادعاءاته فورًا في أعقاب مأساة التفجير في مدينة أوكلاهوما يوم 19/4/1995م، فقد تكرر ظهوره على شاشة محطة قومية يومي 2019 أبريل ملمحًا إلى أن الإرهابيين الإسلاميين هم الفاعلون من خلال عبارات مثل: 

«إن تفجير أوكلاهوما تشبه تمامًا تفجير بيونس إيرس أو مركز التجارة العالمي، فهو سيارة مفخخة مصممة لقتل أكبر عدد ممكن من الناس، وذلك لون من النشاط لم تعرفه أمريكا على أرضها قبل عصر النشاط الإرهابي الإسلامي الحقيقة أن مجموعات إسلامية معينة تحاول التخفي تحت اللافتة الصحيحة سياسيًا وهي أنهم كانوا بشكل ما يقادون إلى معسكرات اعتقال (11).

إن تصريحات غير مسؤولة كهذه تسميها دورية «التقدمي» «The Progressire» «ترويج الإشاعات الخبيثة المتعصبة»، قد أسهمت بالتأكيد في سلسلة حوادث الإزعاج التي تعرض لها الأمريكيون المسلمون في الأيام التالية (12).

وعلى مستوى أرفع كتب «ليزلي جيلب» «Leslie Gelb» في «النيويورك تايمز» متبنيًا آراء شريكيه الإسرائيليين في الحديث «الحاخام ديفيد هارتمان» و«يا هوشافات ماركابي»، أن «الإسلام لا يعترف بالتعايش كمبدأ، فالتعايش يتعارض مع فهم الإسلام للنظام العالمي» (13)، وهناك كتاب آخرون يبدو أنهم يعتمدون جوهريًا على حكومات شرق أوسطية، يجمعون على تتبع إيران والسودان «ستيفن أ. هولمز» كتب من واشنطن عن كيف أن «الأصولية تغير ميزان القوى» في الشرق الأوسط، مكررًا ادعاءات عن قواعد تدريب في السودان وعن العلاقات العسكرية الإيرانية السودانية الوثيقة، والروابط الاقتصادية، لكنه لم يقدم دليلًا محددًا ولا سببًا يبين لماذا يجب الا تقوم علاقات بين دولتين إسلاميتين متقاربتين في التفكير (14).

كثير من الصحفيين يتبنون دون تمحيص النظرة الرسمية للولايات المتحدة القائلة إن «الدول الشريرة» «صنف جديد من الدول» «تصدر الثورة» «لم تحدد أبدًا» وغالبًا ما يتجاهلون لماذا تثير الحكومة الإسرائيلية وأنظمة عربية أخرى مثل هذا السخط الشعبي الواسع الانتشار، أضف إلى ذلك أنه من النادر أن يجروا أحاديث مع زعماء الحركات الإسلامية، ومعظمهم يسهل الاتصال به وغالبًا ممن درسوا في الغرب، والاستثناء الواضح من ذلك هو الكاتبة «روبين رايت» من لوس أنجلوس تايمز التي سافرت كثيرًا، وأجرت أحاديث مع كثيرين من الزعماء المسلمين، وكتاباتها تشهد على نقيض آرائهم «يقصد آراء المتحيزين للرؤى الأمريكية والإسرائيلية ونحوها».

و«جوديث ميللر» من «النيويورك تايمز» وفي فترة تغيب، أجرت أحاديث مع حسن الترابي وآخرين، ومع ذلك فقد كتبت في مجلة «الشؤون الخارجية»، أشد التعميمات «.... الحق أن كل الإسلاميين النضاليين يعارضون الأمرين معًا الديمقراطية والتعددية»، وهم -ومن المتوقع أن يظلوا- أعداء الغربيين والأمريكيين والإسرائيليين».

أما أستاذ الإسلاميات هـر ديكمجيان، فقد وصف وصنف ما يزيد على 175 جماعة «إسلامية» في العالم العربي ما بين عملية تدرجية وشيعية ثورية وسنية انتظارية - متزمتة وثورية (15)، كتبت الآنسة ميللر، بلغة ملؤها الاستعلاء الثقافي في أشد صوره غرورًا: «إن الدولة الإسلامية، كما يؤمن بها معظم أنصارها، لا تتوافق مع القيم والحقائق البدهية لدى الأمريكيين ومعظم الغربيين»، ثم تنتهي إلى أن الحوار الأمريكي مع قوى إسلامية من المؤسسات الفكرية البارزة والمشاركة في كهذه إضاعة للوقت (16).

من المؤسسات الفكرية البارزة والمشاركة في الحوار حول التهديد الإسلامي «مؤسسة التراث» «‏Heritage Foun» المحافظة في واشنطن، والتي ناقشت في 21/8/1994م «التهديد الإسلامي لشمال إفريقيا»، كان من بين المتحدثين خالد ديوران، زميل لـ «دانيال بايبس»، و«ستيفن إمرسون» «الذي ساعده خالد في برنامج «جهاد في أمريكا»»، قدم «بايبس» -الذي عارض الحوار مع الأصوليين «طيبين» أو «سيئين»- أربع توصيات السياسة الولايات المتحدة المواجهة الخطر الأحمر الجديد»:

أ - مواجهة الأصوليين.

ب - الضغط على إيران والسودان لانتهاج سياسة معتدلة.

جـ - مساعدة أولئك المسلمين الذين يقفون في وجه الأصوليين. 

د - دعم حكومات المنطقة التي تتصدى للأصولية مثل الجزائر.

كما عقد «بايبس» مقارنة بين الكفاح والحرب الباردة، قائلًا لقد كان اليمين الأمريكي هو الذي انتصر في الحرب الباردة بتصديه للاتحاد السوفييتي، وأنه يمكنه أن يفعل الشيء نفسه مع الإسلام (17)، واضح أن «بايبس»، لم يوضح كيف يتساوى النظام السوفييتي الشمولي مع الحركات الإسلامية التي تعارض الأنظمة الدكتاتورية، وعلى كل، فإن موقفه لا يتميز عن موقف «مارتن شیرمان» أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي الذي كتب عن «المعركة العالمية بين الثقافات والقائمة بين الإسلام والليبرالية الغربية، وهي صراع قوي كالذي كان ضد الشيوعية والنازية» (18).

ثمة تطابقات تربط بعض هؤلاء الأفراد والجماعات ببعض، فقد ذكر «إمرسون» لـ «الواشنطن بوست» أنه قد تلقى مساهمة بمبلغ 325,000 دولار لتمويل برنامج جهاد في أمريكا من مؤسسة برادلي، في ميلووكي (19).

كما أن «روبرت د قبلان» مؤلف «المستعربون» «Arabists»، وهو تقرير موال لإسرائيل عن الاختصاصيين في الشرق الأوسط في وزارة الدولة، قد أشار في مقدمته إلى أن «الكتاب لم يكن ليكتب لولا المساعدة المالية من مؤسسة «لندي وهاري برادلي» في ميلووكي التي يدير ميزانيتها معهد بحوث السياسة الخارجية لـ «دانيال بايبس»» (20).

وتوزع القنصليات الإسرائيلية في الولايات المتحدة مجانًا دورية «دانيال بايبس» الجديدة، «فصلية الشرق الأوسط»، كما لو كان المطلوب إضفاء صفة رسمية على العلاقة بين رسالة الزعماء الإسرائيليين المعادية للإسلام ورسالة أصدقائهم الأمريكيين.

إن أقوى الأصوات المقنعة والمعارضة للتعميمات والتبسيطات المخلة بشأن الحركات الإسلامية الحديثة تأتي من الأكاديميين الذين هم أنفسهم انتقدوا نواح كثيرة من الإسلام عبر السنوات... منهم الأستاذ الفرنسي الدكتور «فرانسوا بورجا» الذي قال: «ليس الإسلاميون سوی بشر يربطون الإسلام بالحوار السياسي: ومن ثم يضمون تشكيلًا كاملًا من أقصى الفاشية الجديدة إلى ما فوق الليبرالية»، أما الأساتذة الأمريكيون الذين كتبوا وتحدثوا كثيرًا عن الموضوع فيشملون جون قول «جامعة نیوها مبشاير»، و«جون أسبوزيتو» «جامعة جورج تاون»، و«جيمس بيل» «جامعة وليم وماري» و«جون انتليس» «جامعة فوردهام»، و«ريتشارد بولييت» «جامعة كولومبيا»، و«تشارلز بتروورث» «جامعة ماري لاند»، و«أغوسطوس ريتشارد» «جامعة بوسطن»، هؤلاء يؤكدون على أن الإخفاق في إدراك الفروق بين الحركات الإسلامية الكثيرة ووصم المسلمين بشكل نمطي بأنهم نزاعون إلى العنف سوف يقوي المتطرفين على حساب الأغلبية الساحقة من المسلمين المعتدلين والمقدرين للمسؤولية، بل إن التشويهات والتحريفات للطبيعة الحقيقية للحركات الإسلامية لتعقد الأمر أمام قدرة الدولة على القيام بسياسة خارجية بناءة وقد برهنت على ذلك التصريحات الأخيرة للزعماء البارزين مثل نيوت جنجرتش، «ممثل جورجيا»، والمتحدث باسم مجلس الشيوخ، والذي حث الولايات المتحدة على أن تتبنى استراتيجية متماسكة في محاربة الدكتاتورية الإسلامية (21)، والأمين العام السابق للناتو «ويلي كلاس» الذي زعم أن «الأصولية الإسلامية تشكل الآن تهديدًا للغرب كما فعلت الشيوعية من قبل» (22).

البقية في الأسبوع القادم.

--------------------------------

الهوامش

 - 1Mary Anne Weaver, »Children of the Ji- had«, the New Yorker, June, 1995.

 - 2Samuel P.Huntington, »The Clash of Civ- ilizations«, Foreign Affairs, Vol. 73 No. 3, 1993.

 - 3Islam, Democracy, the State and the West: A Round Table with Dr. Hassan Turabi, ed. Arthur L.Lowrie Tampa, World & Islam Studies Enterprise, 1993.

 - 4M. E. International, Dec. 2, 1994.

 - 5U.S. News & World Report, March 22, 1993.

 - 6Reader's Digest, January, 1995.

 - 7Washington, Time, January 17. 1995.

- 8The New York Times, November 21, 1994.

9 - مقابلة المؤلف مع د. العريان في 8 إبريل ١٩٩٥م.

 - 10The Los Angeles Times, February 7, 1995.

 - 11CNN Crossfire, Transcript # 1335, Air date: April 20, 1995.

 - 12The Progressive, June 1995, P.8.

 - 13NYT, June 22, 1992.

 - 14NYT, August 22, 1993.

 - 15Islam in Revolution: Fundamentalism in the Arab world. H. R. Dekmejian. New York, 1995.

 - 16Jdith Miller, »The Challenge of Radical Islam«, Foreign Affairs, Spring 1993, Vol. 72, No.2.

 - 17Washington Report on M.E. Affairs, Sept./Oct. 1994.

 - 18The Jerusalem Post, Jan. 11, 1995.

 - 19W.P. Nov. 11, 1994.

 - 20Robert D. Kaplan, The Arabists. New York: Free Press: 1993.

 - 21Inter Press Service, Washington DC, Feb. 21, 1995.

 - 22The Scotsman, Feb 27, 1995.

الرابط المختصر :