العنوان الحوار الأمريكي والحوار الإسرائيلي
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 927
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 08-أغسطس-1989
يحاول اليهود -بخبث- الإيحاء بأنهم يمكن أن يعطوا خصمهم شيئًا لاستدراجه لمزيد من التنازلات.
حتى لو قبل الفلسطينيون خطة شامير فلن
يحصلوا على شيء، ويصدق عليهم المثل: رضينا بالهم...».
نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مؤخرًا
حديثًا لزعيم فلسطيني يعيش في المناطق المحتلة، وصفته بأنه على علاقة بمنظمة
التحرير، أعتقد أخي القارئ أنه من المفيد الإشارة إلى بعض ما ورد في ذلك الحديث،
والذي يمكن أن يكون مؤشرًا على المدى الذي ذهب إليه الطرف الفلسطيني من أجل إقناع
الأطراف الأخرى أنه بات طرفًا مقبولًا في عملية السلام، فمما ورد على لسانه: «إن
مبدأ الانتخابات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة جميل، إنما يجب أن تكون
هناك صفقة شاملة تؤدي إلى تقرير المصير، نحن نقبل بدولة إسرائيل، ونفهم أن
الإسرائيليين يخافون من دولة فلسطين، لذلك نحن على استعداد للتحدث عن نزع السلاح
والسلام والأمن». وعندما طرح عليه السؤال التالي: ما رأيك في أنور السادات،
ومعاهدة كامب ديفيد التي أبرمها مع إسرائيل عام ۱۹۷۷؟! أجاب: «كانت رحلة السادات إلى إسرائيل في عام ۱۹۷۷ «رائعة وشجاعة» رغم إن السادات لم يساوم جيدًا وبما فيه الكفاية لصالح
الفلسطينيين في كامب ديفيد، ومع ذلك سيكون التاريخ أكثر لطفًا معه رغم سمعته
الحالية» ولكن مع كل ذلك هل تغير الموقف «الإسرائيلي» أو «تزحزح» عن مكانه؟!
الحقيقة أن الموقف الإسرائيلي استمر على حاله بالتشدد رغم بعض البوادر والإشارات
التي تعمد الكيان اليهودي إرسالها لتكون بمثابة إشارات تطمينية من جهة، وتشجيعية
من جهة ثانية للاستمرار في خط «السلام» و«المرونة» و«الاعتدال».
إثبات فلسطيني:
ولعل المتتبع لمجريات الأحداث على ساحة
القضية الفلسطينية في الآونة الأخيرة يلحظ ذلك الحيز الهائل الذي أخذته أنباء
الاتصالات الفلسطينية- «الإسرائيلية» بين شد وجذب، ونفي وإثبات لوجود ووقوع
هذه الاتصالات، فقد شنت منظمة التحرير حملة إعلامية واسعة لإقناع العالم بأن رئيس
وزراء العدو إسحق شامير يجري محادثات معها، وفي هذا السياق جاء تأكيد السيد عرفات
لصحيفة المساجيرو الإيطالية بأن زعماء المنظمة التقوا في «فيينا» بعضو بارز في حزب
الليكود، وأن شامير نفسه أجرى اتصالًا غير مباشر مع المنظمة وطوال الفترة الماضية
قام مسؤولون فلسطينيون بتسريب تقارير مماثلة حول اتصالات بين الطرفين نشرت أجهزة
الإعلام العديد منها. كما أكد الناطق باسم المنظمة أحمد عبد الرحمن في حديث لوكالة
فرانس برس أن شامير يخدع نفسه عندما ينفي علاقة شخصيات يلتقي بها مع منظمة
التحرير. وأضاف أن شامير هو أول من يعرف أن هذه الشخصيات تعمل بصفتها ممثلة عن
المنظمة وأن لها صلات مع القيادة الفلسطينية؛ وذلك في إشارة إلى المحادثات السرية
التي أجراها شامير مع أربع شخصيات مؤيدة للمنظمة من أجل تعزيز اقتراحه بإجراء
انتخابات في الأراضي المحتلة، والفلسطينيون الأربعة هم: جميل الطريفي، وعز الدين
العريان، ومنصور الشوا، ومحمود أبو الزلف.
نفي «إسرائيلي»:
ومن جانبها فقد حرصت دولة العدو على نفي أي
اتصال مع منظمة التحرير، فقد قال يوسي اهيمتير مدير مكتب شامير إنه على الرغم من
أن العرب الذين اجتمعوا مع رئيس الوزراء ربما ينقلون ما لديهم من معلومات لمنظمة
التحرير، فإن ذلك لا يعني أن اتصالًا مباشرًا قد تم بين «إسرائيل» والمنظمة. كما
نفى آفي بازنر المستشار الصحفي لشامير كذلك إجراء أي اتصالات مع المنظمة سواء في
فيينا أو باريس أو أي مكان آخر، كما نفى تصريحات عرفات لصحيفة المساجيرو.
أهداف الاتصالات:
لكن رغم محاولات النفي الإسرائيلي تلك، إلا
أن هذه الاتصالات تطورت بشكل لا يمكن إنكارها ، فإلامَ تهدف هذه الاتصالات وفي هذا
الوقت بالذات؟!
على الجانب الإسرائيلي فإن شامير بعد أن
طرح خطته للانتخابات كان يبحث عن شريك فلسطيني بعيدًا عن إطار المنظمة، وبذلت
حكومة العدو جهودًا حثيثة من أجل إيجاد وتلميع شخصيات فلسطينية لتقوم بالتفاوض
والتفاهم مع «إسرائيل»؛ لتنفيذ خطة الانتخابات التي تهدف وبشكل أساسي إلى وقف
الانتفاضة المباركة المستمرة منذ أكثر من عشرين شهرًا، ولما لم تُجدِ هذه
المحاولات نفعًا باتت الدوائر الصهيونية مقتنعة بأنها لن تستطيع «توظيب» هذا
الشريك الفلسطيني إلا إذا وافقت عليه المنظمة أو أذنت له، خاصة إن مفاوضة المنظمة
مباشرة وصراحة أمر ما زال حتى الآن -على الأقل- مرفوضًا عند هذه الدوائر، فإنها
ومن أجل إنجاح خطتها وجدت أنه لا مفر من التغاضي عن شروطها السابقة بأن لا تكون
الشخصيات التي تفاوضها من منظمة التحرير؛ لهذا فهي تفتح مجال الحوار مع شخصيات
مؤيدة للمنظمة. ومن جانب آخر لعل الطرف الفلسطيني وجد في مثل هذه الاتصالات مدخلًا
أو منفذًا يمكن أن يؤدي إلى تجاوز حالة الرفض «الإسرائيلي» للتعامل مع المنظمة أو
اعتبارها شريكًا صالحًا في عملية السلام في المنطقة، حيث يمكن لهذه الاتصالات أن
تكون التمهيد الطبيعي لإجراء حوار «فلسطيني- إسرائيلي» في المستقبل، حيث كانت
المنظمة قد اقترحت مثل هذا الحوار المباشر، لكن هذا الاقتراح قوبل برفض الإدارة
الأمريكية. وهكذا فإن كل طرف يحاول أن يحقق أهدافه من وراء هذه الاتصالات، فمن
سيكون الرابح ومن سيكون الخاسر أخيرًا؟!
من يربح ومن يخسر:
الحقيقة أن تجربتنا الطويلة مع العدو
اليهودي كانت تؤكد باستمرار جميع الأخلاقيات الشائنة التي اتصف بها اليهود على مر
العصور والأزمان من مكر وخداع وحيلة وكذب ولف ودوران، ومهما حاول خصمهم أن يكون
ذكيًّا في تعامله مع دهائهم ومكرهم بدون ركائز وثوابت ومبادئ، فإنه عادة ما يجد
نفسه أنه الطرف الخاسر على طول الخط! فاليهود يحاولون -بخبث- الإيحاء بأنهم يمكن
أن يعطوا شيئًا ما حتى يستدرجوا خصمهم لمزيد من التنازلات، وفي اللحظة المناسبة،
وبعد أن يكونوا قد حققوا ما يريدون وابتزوا الطرف الآخر، فإنهم يقلبون الطاولة
ويخلطون الأوراق دون أن يحصل الآخرون على شيء غير عض الأصابع.
مجرد تهديد؟!
ولعل الزوبعة التي أثيرت على خطة
شامير للانتخابات والتي غدت خطة للحكومة الإسرائيلية بعد إقرارها في
الكنيست «الإسرائيلي»، لعل هذه الزوبعة والتي أثارها تكتل الليكود نفسه تأتي في
نفس سياق الدهاء والحيلة والمكر اليهودي العارف لأصول اللعبة القذرة!!
فخطة شامير المقرة «إسرائيليًّا» تعني في حال قبولها أن يتسلخ
الفلسطينيون حتى من جلدهم ليقبلوا بالشروط اليهودية المذلة وبمجموعة «اللاءات»
التي تشتمل عليها هذه الخطة، وكان من الصعب على الطرف الفلسطيني القبول بهذه الخطة
خاصة أنها تشترط إنهاء الانتفاضة المباركة وتجريد الشعب الفلسطيني من وسيلة الضغط
الوحيدة التي يملكها في الوقت الراهن، الأمر الذي يعني أخيرًا إبقاء الفلسطينيين
تحت رحمة الاحتلال اليهودي، ورغم استحالة القبول الفلسطيني بالخطة كما هي، فإن
الطرف اليهودي لجأ عبر مؤتمر حزب الليكود إلى إضافة شروطه الأربعة المتشددة!!
يقول مصدر فلسطيني مسؤول اطلع على تقارير
قدمها ثلاثة من الفلسطينيين الذين اشتركوا في المحادثات مع شامير أن هذا الأخير
وصف الشروط المتشددة التي أقرها حزب الليكود لإجراء انتخابات في الأراضي المحتلة
بأنها «مجرد تهديد»، والحقيقة أن هذا قد يكون صحيحًا بشكل كبير، فحكومة العدو
أرادت أن توحي أنها رفضت التشدد وأن رئيس وزراء العدو زعيم الليكود قد قدم تنازلات
من أجل ما يسمى بالسلام، لتصبح المبادرة بشكلها السابق والذي تم تثبيته هي الخيار
المقبول حتى من الطرف الفلسطيني.
الهم ما رضي فينا!
ويبقى السؤال الدائم: ماذا سيحقق
الفلسطينيون من وراء ذلك؟! وهل سيحصلون على دولة إذا وافقوا على خطة شامير أو
تعاطوا معها؟! الحقيقة أنه يصدق عليهم ذلك المثل الشعبي الفلسطيني الذي يقول:
«رضينا بالهم، والهم ما رضي فينا». فالواضح أنه حتى لو قبل الطرف الفلسطيني هذه
الخطة، فإن حكومة العدو ستستمر برفضها إقامة دولة فلسطينية مستقلة، مع استعدادها
لعرض صورة محسنة من الحكم الذاتي «إياه» لا أكثر ولا أقل، باعتبار أن رفض إقامة
الدولة الفلسطينية مسألة باتت من ثوابت سياسة العدو وفي هذا السياق نسبت ثلاث
شخصيات اجتمعت مع شامير إليه قوله: إن بإمكان الفلسطينيين تحقيق معظم آمالهم في
تقرير المصير من خلال خطته، على الرغم من أنه استبعد إقامة دولة فلسطينية في الوقت
الحاضر، وكان شامير كذلك قد صرح أنه مستعد أن يعطي الفلسطينيين أكثر من ٩٠٪ من
حقوقهم، لكنه و «ببساطة» يؤكد أنه لن يكون لهم يومًا «علم ونشيد»، أي أنه لن تكون
لهم دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة في يوم من الأيام برضا وقبول حكومة العدو.
حوارات لن تثمر:
ونحن الإسلاميين نعتقد أن المراهنة على
الحوار مع الطرف الإسرائيلي أو حتى الأمريكي هي مراهنة خاسرة على طول الخط وعرضه؛
لأن إسرائيل كما أمريكا تهدفان إلى ترويض الطرف الفلسطيني وانتزاع كل أشكال الرفض
لديه وقتل الغضب في نفوسه تمهيدًا لتجاوزه وتثبيت الأمر الواقع، أو في أحسن
الأحوال إلهائه ببعض الأعطيات الشكلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تتناسب
«بالمرة» مع حجم تضحياته ومعاناته وآماله.
وضمن ذلك نفهم قصة الحوار مع الولايات المتحدة الذي لم يثمر عن شيء
حتى الآن كما كان يتوقع البعض، ولعل الطرف الفلسطيني بدأ يكتشف مراوغة الطرف
الأمريكي ومحاولته كسب الوقت وممارسة الضغوط لصالح «إسرائيل» ودون مقابل، وهذا ما
يفسر خيبة الأمل التي أصيب بها السيد عرفات إزاء نتائج المحادثات مع أمريكا حيث
قال: لقد أصبنا بالدهشة في الآونة الأخيرة لأن الولايات المتحدة قبلت المقترحات
الإسرائيلية وأيدتها.
وكان مجلس الشيوخ الأمريكي قد وافق في وقت
سابق على مشروع قانون يقيد الاتصالات مع المنظمة، بينما يؤكد رئيس الدائرة
السياسية في المنظمة فاروق قدومي أن المنظمة لن توقف الحوار مع أمريكا، وأن وجود
علاقة مع أمريكا وإن كانت «غير مثمرة» حتى الآن أمر ضروري ومطلوب. وهكذا فإنه حتى
الحوار مع أمريكا الذي اعتبره البعض انتصارًا دبلوماسيًّا كبيرًا لم يحقق شيئًا،
رغم محاولة الولايات المتحدة الإيحاء بأنها رفعت مستوى الحوار عندما سمحت أن يشمل
الحوار أبي أباد. وكما هو ملاحظ فإن رفع مستوى الحوار كان من طرف واحد، بينما بقي
على نفس المستوى من جانب أمريكا. وكانت الولايات المتحدة في جولة الحوار الثالثة
مع المنظمة قد وضعت هذه الأخيرة أمام أحد خيارين: إما قبول خطة شامير مع وعود
-كبقية الوعود الأمريكية طبعًا- بإجراء تعديلات عليها أو إيقاف الحوار مع
المنظمة وتستمر الولايات المتحدة بالضغط على الطرف الفلسطيني، حيث كان آخر أشكال
ذلك كما أوردت جريدة السياسة الكويتية نقلًا عن مصادر خاصة: الضغط من أجل عقد
المؤتمر الخامس لحركة فتح من أجل إقرار قرارات المجلس الوطني الفلسطيني
«نوفمبر ۱۹۸۸»، والبيان
السياسي الذي صدر عنه، حيث تصر الولايات المتحدة على إقرار حركة فتح لهذه
القرارات لعاملين رئيسيين:
۱ - لأنه حدث أحيانًا أن تنصّلت بعض الفصائل الفلسطينية لقرارات المجلس
الوطني و مارست سياسات مغايرة أو معارضة لها.
2- إن عددًا من ممثلي فتح في المجلس الوطني صوتوا ضد القرارات والبيان
السياسي، وهؤلاء -على قلَّتهم- يمثلون من وجهة نظر الولايات المتحدة نواة رفض
فعالة وتبعث على القلق.
تلك هي «إسرائيل»، وهذه هي «أمریکا»، ولكن
يا ليت قومي يعلمون!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل