العنوان الحوار الإسلامي - المسيحي.. بين التمني والواقع
الكاتب طارق شوشاري
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
مشاهدات 79
نشر في العدد 1367
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
الغرب يمعن في استغلال الفراغ الناتج عن تقصير المسلمين ويكرس هيمنته على حساب مصالحهم الحيوية
- على الغرب أن يعترف بمسؤوليته عن معظم مظاهر التوتر والحرمان في العالم
تعقد بين الحين والآخر مؤتمرات للحوار الإسلامي- المسيحي، ويشارك فيها عدد كبير من الوفود والشخصيات لمناقشة عديد من القضايا والمسائل المتعلقة بالحوار بين الديانتين السماويتين الكبيرتين، وكالعادة في مثل هذه المؤتمرات ينتهي المؤتمرون إلى إقرار توصيات واقتراحات مختلفة تتناول أفضل السبل للتقريب بين الديانتين وتكريس جو الحوار والتفاهم بينهما بعيدًا عن أجواء الشك والتعصب والتحريض.
ومن الملاحظ أن تلك المؤتمرات قد تتابع انعقادها بعد ظهور وتفشي مواقف وتصريحات خطيرة في العالم الغربي، تبناها وعبر عنها مرارًا سياسيون ورسميون ومحللون استراتيجيون، تعتبر - وبصراحة ومن غير مواربة - أن الإسلام هو الخطر الأكبر والعدو الأول الذي ينبغي عليهم التحضير للتصدي له، وذلك بعد زوال الخطر الشيوعي ونهاية الاتحاد السوفييتي ومن كان يدور في فلكه من بلدان وأنظمة في العالم.
تطرف الغرب في معاداة الإسلام
وعندما استشعر الغربيون مدى تطرف طرحهم هذا والذي يعتبر ديانة سماوية هي الثانية على مستوى العالم عدوًا لهم، عملوا على محاولة ما أسموه تصحيحًا لمواقفهم وإزالة لما بها من سوء فهم، معتبرين أن الخطر الذي من المحتمل أن يأتيهم من العالم الإسلامي يتلخص فيما يطلقون عليه «حركة الأصولية الإسلامية المتطرفة» أو «الفكر الأصولي المتطرف» الذي يحمل كما يقولون مشروعًا معاديًا ومناقضًا لهم ولحضارتهم الغربية المهيمنة.
على أن دعوات الحوار والتفاهم تبقى معرضة للفشل والإخفاق ما دام في واقع العلاقة الراهنة بين العالمين الإسلامي والغربي ما يناقضها ويعمل على تهميشها بعيدًا عن التأثير في مجريات العلاقة الحقيقية بين الجانبين، وهي علاقة تتسم تقليديًا بإشكاليات من قبيل أنها علاقة القوي بالضعيف أو المستغل بالمستقل إلى آخر ما هنالك من تناقض وخلل واضح.
وفيما يتخلى العالم الإسلامي عن العمل على تصحيح هذه العلاقة وإيجاد نوع من التوازن فيها إما لغياب الأدوات والوسائل الضرورية لذلك أو لعدم وجود الإرادة السياسية، يمعن الآخر في استغلال الفراغ الناتج عن ذلك التقصير والإهمال مكرسًا لواقع الهيمنة والقوة التي يمارسها على حساب المسلمين ومصالحهم الحيوية، بل ويعمل عبر وسائل إعلامه ودعايته على تنفير الرأي العام لديه منهم وربط دينهم بالعنف والقتل.
فما من مرة تحدث فيها في الجزائر مثلًا مجازر وأعمال قتل جماعي وحشي بحق المدنيين حتى تسارع وسائل الإعلام الغربية المختلفة وحتى تلك غير المعروف عنها اهتمامها بالقضايا السياسية أو الخارجية، بإلصاق التهمة تلقائيًا بالجماعات الإسلامية المسلحة من غير التركيز على ما تسوقه منظمات وهيئات دولية معروفة بحيادها وصدقيتها مثل - منظمة العفو الدولية - من دلائل واقعية تبعد التهمة عن مسلحي تلك الجماعات وتقربها من خصومهم.
وفي حالات معينة يقع بعض أجزاء العالم الإسلامي تحت تأثير ونشاطات تبشيرية مسيحية مثل بنجلاديش التي يحاول المبشرون المسيحيون فيها استغلال الأوضاع الحياتية والمعيشية الطاحنة التي يرزح تحتها فقراء المسلمين هناك للتأثير عليهم، وفي أوروبا الآن هناك ما يقرب من أربع محطات إذاعية موجهة على الموجة القصيرة إلى العالم العربي، ومخصصة لبث برامج تبشيرية مسيحية وهي تبدو مهتمة بإقامة علاقات مع مستمعيها المسلمين عبر مدهم بكتب ومجلات وأشرطة تسجيل تبشيرية.
بل ذهب بعض المصادر إلى القول إن بلدًا عربيًا في شمال إفريقيا يشهد ومنذ فترات طويلة أنشطة تبشيرية سرية موجهة إلى شريحة معينة من الفقراء هناك والذين لديهم استعداد لا مشروط لتقبل الأفكار والتعاليم التي يبثها القائمون على تلك الأنشطة مقابل الحصول على مساعدات مالية وعينية مختلفة، وغني عن القول أن منطقة شمال إفريقيا ظلت على الدوام تؤرق بال المسؤولين الكنسيين في أوروبا، الذين ضاعفوا من جهودهم الرامية إلى تنصير ما أمكن من المواطنين الأفارقة في بلادهم، بحيث زار بابا الفاتيكان الحالي القارة الإفريقية عشرات المرات طوال فترة توليه منصبه الحالي، والغريب أن كل هذه الجهود والأموال الطائلة التي يقدمها الفاتيكان وبقية المنظمات الكنسية الأخرى في أوروبا وشمال أمريكا لمحاولات التنصير وحملات التبشير وتشويه معتقدات الآخرين الدينية ولا سيما المسلمون منهم ومحاولة حرفهم عنها، كل ذلك يقدم في وقت بلغ فيه عدد الذين خرجوا عن الكنيسة لفشلها في إيجاد حلول مقنعة للمشكلات الحياتية المعاصرة، حوالي مائة مليون شخص في أوروبا وحدها خلال هذا القرن ليصبحوا بلا انتماء ديني بشكل رسمي، مما يضع علامات استفهام حول مساعی الكنسيين الخارجية وجهودهم التبشيرية في وقت يقفون فيه عاجزين عن تخلي الناس العاديين عنهم في أوروبا وعاجزين أيضًا عن محاولة إعادة هؤلاء إلى حظيرة الكنيسة وتعاليمها.
في كل هذه الأجواء من التشكيك بنوايا المسلمين ومحاولات تشويه معتقداتهم والتحريض على جالياتهم المنتشرة في أوروبا وأمريكا عبر وسائل الإعلام والإصرار بشتى السبل على إبقاء الوضع العالمي الراهن على ما هو عليه، وهو وضع يجد المسلمون فيه أنفسهم - كما أشرنا - في موقع الضعيف والمغلوب على أمره على أكثر من صعيد، يجوز للمرء وللمتابع المهتم إعادة صياغة التساؤل عن جدوى وأهمية مقولة الحوار المسيحي - الإسلامي كما يراها البعض وأغلبهم سياسيون أو أكاديميون وإعلاميون غربيون يدعون لعقد مؤتمرات لها هنا وهناك، على نحو ينفذ إلى مقاصد ومرامي منظمي تلك الملتقيات وأهدافهم بعيدًا عما يطرحون من شعارات الحوار والالتقاء على أرضية مشتركة.
الجهل بالإسلام
ولا يخفي في هذا الإطار كثير من مثقفي النخب في البلدان الغربية المهتمين بعلاقة بلدانهم مع المسلمين، النقص الحاصل لديهم لناحية معرفة الآخر معرفة صحيحة وشاملة وبعيدة عن التشويه الحاصل لها عبر كتابات بعض المستشرقين وتحاليل من يطلقون على أنفسهم خبراء الشؤون الإسلامية في البلدان الغربية، وكذلك عبر ما تبثه وسائل الإعلام لديهم، لهذا فإن عقد مثل هذه اللقاءات بالنسبة لهم هو أولًا وأساسًا لمحاولة فهم الآخر عبر الاحتكاك ببعض رموزه ومحاورتها وإقامة الصلة مع بعضها الآخر أكثر منه نزعة عقلانية جادة نحو حوار عقلاني جاد، بل إن الأمر في بعض جوانبه ليس ببعيد عن حاجة العواصم أو المدن الغربية إلى افتعال مناسبات ولقاءات مهمة وذات بعد عالمي للتأكيد على أهميتها الثقافية والفكرية والسياسية... إلخ، إن الدعوة للحوار بين الثقافات والأديان هي فكرة جيدة بحد ذاتها ومطلوبة خاصة أنها تحمل في طياتها رسالة مودة واحترام متبادلة، وفي الحوار المسيحي الإسلامي وفق طبيعة العلاقة الراهنة بين الطرفين ينبغي على الطرف المسيحي في هذا الحوار ألا يمتنع - إذا أراد لهدف الحوار أن يتحقق - عن الاعتراف بمسؤولية الغرب عن معظم التوتر في العالم وحرمان كثير من بقاعه من نعمة الأمن والاستقرار بسبب فقدان التوازن بين الغرب والشرق أو بين الشمال والجنوب، ويقر بمسؤولية السياسات الغربية الاستراتيجية في العالم عن كثير من الفواجع والنكبات التي أصابت – ولا تزال - المسلمين في طول العالم وعرضه عن طريق دعمه وتستره المكشوف والمستتر على كثير من الانتهاكات الخطيرة، والمتنوعة التي يتعرضون لها، وبخاصة في بلدانهم لقاء الحفاظ على مصالحه الحيوية والاستراتيجية الآنية والبعيدة المدى على السواء.
الطريق إلى حوار بناء
ومن هذه النقطة يستطيع المشاركون في الحوار الانطلاق إلى بحث السبل التي تمكنهم بعد ذلك من محاولة الضغط على سياسيي الغرب وصناع القرار فيه، لفرملة اندفاع سياساتهم وخططهم الاستراتيجية الظالمة بحق الآخرين، ومحاولة إيجاد توازن واقعي في العلاقات بين الأديان والثقافات والشعوب المختلفة في العالم، بالتوازي مع حملة توعية منظمة تشن في المجتمعات الغربية لتنقية ما علق بوعي ومعارف هذه المجتمعات عن الإسلام والمسلمين من تشويه وافتراء استلزم أكثر من مائة عام من العلاقات غير المتكافئة.
وعدم أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار أو القفز عليها لبحث قضايا شكلية لا تقدم ولا تؤخر أو تساعد على إغناء الحوار بما يفيد ويخدم الأهداف التي انعقد لأجلها، يحكم على الحوار ومنذ بدايته بالفشل ويجعل من مؤتمرات الحوار تلك أشبه بمناسبات للسياحة والسفر والاستجمام أو للظهور الإعلامي والفكري العقيم الذي يضر بقضية الحوار المسيحي - الإسلامي ويبعدها عن مبتغاها وهدفها المعلن.
(*) صحفي مقيم في فيينا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل