العنوان الحياة السرية لبنيامين نتنياهو
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
بالمقاييس المتعارف عليها كان واضحًا للجميع أن مجلس العلاقات الخارجية (CFR) التابع للإدارة الأمريكية ومقره نيويورك، كان يعمل على إعداد بنيامين نتنياهو لتولي دور قيادي في إسرائيل، وقد شهد عام ۱۹۷۹م قيام الشاب نتنياهو البالغ من العمر آنذاك ٢٧ سنة بالدعوة إلى عقد مؤتمر حول الإرهاب، وبادرت النخبة ذات النفوذ داخل المجلس المذكور بتلبية دعوته بمن فيهم جورج بوش، وجورج شولتز وكبار الشخصيات في وزارة الخارجية الأمريكية، ويكفي طرح سؤال واحد في هذا الصدد ألا وهو: لماذا لبت شخصيات بهذه المكانة العالية دعوة هذا الشاب المغمور ؟
ولا غرو أيضًا في أن يوني نتنياهو «شقيق بنيامين» والذي يعتبر شهيدًا في إسرائيل -رغم أنه ليس المستشهد الوحيد- هناك لم يكن بمثابة الرمز القوي الذي تستدعي وفاته إرسال وفد عالي المستوى ضم جورج بوش الذي كان يشغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الـ (CIA) آنذاك، وذلك لتقديم واجب العزاء لأخيه بنيامين نتنياهو.
كما أنه لم يكن هناك تغيير مقنع عندما قرر نتنياهو ترك وظيفته المغرية في بوسطن بعد مرور شهرين فقط على استلامه العمل مفضلًا العودة إلى إسرائيل ليعمل كبائع أثاث، وما إن استقر في إسرائيل حتى قرر تنظيم مؤتمر حول مكافحة الإرهاب، ووجه دعوات إلى أكثر الشخصيات نفوذًا في واشنطن لحضور ذلك المؤتمر مما يشكك في أن نتنياهو قد يكون قد تلقى أمرًا بالاستقالة من وظيفته في بوسطن والعودة إلى إسرائيل لتنظيم هذا المؤتمر والقيام بأي أعمال أخرى يكلف بها وربما يكون لعقد هذا المؤتمر صلة بالمبادرة التي اتخذها الوزير جورج شولتز في السنة اللاحقة عندما أعلن أن موضوع مكافحة الإرهاب يمثل أولى أولويات إدارة الرئيس رونالد ريجان، وقد يكون له صلة أيضًا بتعيين نائب الرئيس جورج بوش على رأس فريق عمل شكل للتصدي للنشاطات السرية غير الشرعية سُمي بفريق العمل لمكافحة الإرهاب.
كما أن قيام السفير موشي أرينز بعرض منصب نائب لسفير إسرائيل في أمريكا على تاجر الأثاث نتنياهو لم يكن له أي مغزى سياسي.
فمن المعروف أن مساعدي ونواب السفراء الإسرائيليين يتسلقون ببطء سلم الوظائف البيروقراطية داخل وزارة الخارجية الإسرائيلية ومع ذلك لا يجرؤ أحد منهم على التطلع إلى تبوؤ ثاني أعلى منصب لدى سفارة إسرائيل في العالم، ولذلك فإنه من غير المستبعد أن يكون السفير أرينز قد عين نتنياهو في هذا المنصب بإيعاز من أشخاص في إدارة الرئيس ريجان بعد حضورهم المؤتمر الذي نظمه نتنياهو قبل ثلاث سنوات.
وما إن وصل نتنياهو إلى نيويورك للعمل في وظيفته الجديدة عام ١٩٨٤م حتى بدأت وسائل الإعلام التي تربطها علاقات وثيقة بمجلس العلاقات الخارجية مثل شبكة (C.N.N) و صحيفتي «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» ومجلة «نيوزويك» بالعمل على تحويل نتنياهو إلى شخصية سياسية بارزة ،كما عمل أعضاء بارزون في المجلس على تحقيق هذا الهدف، ولم يلبث جورج شولتز أيضًا أن تحول إلى صديق حميم لنتنياهو، والسؤال المحير الذي يطرح نفسه هو لم كل هذا الاهتمام بهذا الشخص فلماذا كلف جورج شولتز نفسه عناء زيارة سفير إسرائيل في الأمم المتحدة في كل زياراته لمدينة نيويورك؟ لماذا ترأس شولتز مؤتمرا آخر نظمه نتنياهو في واشنطن عام ١٩٨٥م حول الإرهاب؟ وكان للتغطية الإعلامية الكبيرة لانعقاد هذا المؤتمر تأثير كبير على صعود نجم نتنياهو على الصعيد السياسي بسرعة هائلة نتيجة الشهرة والمكانة اللتين اكتسبها من خلال تنظيمه للمؤتمر، ومن الواضح أن وزير الخارجية جورج شولتز ومدير إدارة الاستخبارات (CIA) كان لهما دور كبير في رسم المستقبل السياسي لنتنياهو آنذاك.
وتبقى هناك تساؤلات محيرة في حياة نتنياهو السرية، فقد تقدم نتنياهو عام ١٩٨٧م بطلب قرض لدى أحد البنوك الأمريكية، حيث استخدم رقم الضمان الأمريكي (٠٢٠٣٦٤٥٣٧) وقد استخدم هذا الرقم تحت اسم مستعار هو جون سوليفان الذي سجل له عنوان وهمي في شمال كاليفورنيا.
وقد استخدم نتنياهو اسم جون سوليفان خلال الفترة ما بين عامي ۱۹۸۷م، و۱۹۸۸م لطلب قروض بنكية، والواقع أنه لا يوجد شخص باسم جون سوليفان كما لم يعثر على ملف نتنياهو الخاص بهذه القروض.
بل توصل بعض الصحفيين الإسرائيليين والأمريكيين الذين حاولوا التقصي في ماضي نتنياهو عن طريق استخدام رقم ضمانه الاجتماعي إلى اكتشاف حقيقة أن نتنياهو استخدم اسمين مستعارين بطلب قروض خلال الفترة ما بين عامي ۱۹۸۷م، و۱۹۸۸م و ذهلوا عندما اكتشفوا اختفاء كافة سجلاته الخاصة بتلك القروض، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بتخويل من مسؤول على مستوى عالٍ في الحكومة الأمريكية.
والشيء المؤكد هو أنه عندما كان نتنياهو سفيرًا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة كان يختلس أموال إحدى شركات التسليف أو كان يؤدي مهمة تطلبت أموالا كثيرة، مما اضطره إلى تغيير هويته ثلاث مرات.
كما أن وجود علاقة حميمة تربط بين نتنياهو وعضو الكونجرس بيل غيلمان -رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس- أمر يدعو للريبة أيضًا، لأن غيلمان شريك مقرب جدًا لشابتاي كالمونوفيتش، بل كانا شريكين في صفقات تجارية أبرماها في إفريقيا، ولم تمض فترة طويلة على ذلك حتى تم اعتقال كالمونوفيتش في السجن بتهمة التجسس لصالح الـ(K.G.B)
وإن كان هذا لا يعني بالضرورة أن نتنياهو كان متورطًا في عمليات تجسس لمجرد أن أقرب حليف له في الكونجرس كانت تربطه علاقات استخباراتية قوية وغربية مع إسرائيل.
ثم ماذا عن موضوع العقارات التي يملكها نتنياهو؟ فحتى قبل تعيين نتنياهو زعيمًا لحزب الليكود تبرع اثنان من رجال الأعمال غير الإسرائيليين وهما جاك مانديل الأسترالي، وصندي إيسنستاد الأمريكي بمبلغ ١,٥ مليون دولار أمريكي لشراء شقتين فاخرتين لنتنياهو واحدة في تل أبيب والأخرى في القدس.
ولم يعرف حتى الآن ما الذي يدفع هذين الرجلين إلى أن يتبرع كل منهما بمبلغ ٧٥٠ ألف دولار لشراء شقة لهذا الرجل؟ وتفيد بعض التكهنات بأن الذي دفع إيسنستاد إلى القيام بذلك لامتلاكه أسهمًا في شركة إسرائيلية للتنقيب عن النفط بنشاطات سرية مشبوهة أخرى فضحتها وسائل الإعلام الإسرائيلية.
لقاءات سرية
ويحاول نتنياهو أن يحيط نفسه بسرية شديدة للأسف لا يجيد ذلك، فقد أصبح من المعروف لدى وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه قد سبق له أن عقد عدة لقاءات سرية مع أفراد العائلة الملكية الأردنية في لندن وعمان قبل توليه منصب رئيس الوزراء حتى أن صحيفة جروساليم بوبست، ذكرت في منتصف شهر يونيو الماضي بأنه قد تمت ستة لقاءات سرية بين الطرفين خلال السنتين الماضيتين.
ولعل أكثر الاتصالات سرية تلك التي تمت بين نتنياهو ومسؤول شركة systematics الإسرائيلية للخدمات التكنولوجية المتطورة.
وقد ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» كيف تمكن نتنياهو من خداع أحد أقطاب حزب الليكود لكي يحضر اجتماعًا له مع رئيس تلك الشركة، وهو أوديد ليفينتال الذي كان مرشحًا لتولي حقيبة وزارة المالية في الحكومة الجديدة، والمعروف أن هذه الشركة متهمة بالتورط في عمليات اختلاس واسعة، وقد سلمت وكالة الأمن القومي إلى هذه الشركة برامج كمبيوتر تسمى Promis تكشف المعاملات المصرفية السرية لنتنياهو في العالم وأكدت أنه سحب أكثر من ٣,٥ بلايين دولار أمريكي من حسابات ۲۵۰ شخصية أمريكية «معظمهم من السياسيين» كانوا قد فتحوها في بنوك أجنبية بطرق غير مشروعة، ويقال بأن كولن باول قد انسحب من حلبة المنافسة على كرسي الرئاسة قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية إثر اكتشافه بأن حسابه الإلكتروني في الخارج قد اختفى من الوجود، وكان من بين الشخصيات البارزة التي تعرضت لمثل هذه التجربة أيضًا جورج بوش وكاسبر واينبرجر -وزير الدفاع الأمريكي الأسبق- محاميتان من ولاية أركانسو هما فينس فوستر وهيلاري كلينتون، وكانا يعملان الحساب رجل الأعمال جاكسون ستيفنز، وقد لقيت المحامية فوستو حتفها فيما بعد على يد مجهول ، وتوصل المحققون إلى أنها كانت تعرف الكثير عن تلك العملية.
وقد كتب كبير المحققين في تلك العملية شیرمان سکولنيك قائلًا: «ربما تكون شركة sys tematics واجهة لوكالة الأمن القومي (N.S.A) National Security Agency وتقوم بالتجسس على البنوك خارج إسرائيل، فهل تجرؤ شركة Systematics أن تنفي قيامها بالتجسس لصالح الوكالة أو أنها تقوم بذلك عن طريق بعض الوسطاء؟ ورغم نفي الناطق باسم الشركة بشدة أن الشركة قد قدمت أي مساعدة للمحامية فوستر لتمكينها من التجسس على بنوك أجنبية، إلا أنها التزمت الصمت إزاء الاتهامات التي وجهت لها حول قيام هيلاري كلينتون بمساعدة الشركة في بعض نشاطاتها الدنيئة».
كما يتساءل البعض لماذا قامت الشركة المذكورة بتخصيص قطعة أرض لكي يقيم نتنياهو مكتبا فيها؟ أم أن لهذه الهبة صلة بالشركة القائمة بينهما؟
شبهات بعد رئاسته للوزراء
ومنذ أن تبوأ نتنياهو منصبه الجديد تزايدت المخاوف من أن تتحكم في نشاطاته أطراف خارجية، وقد استغرب الكثيرون داخل إسرائيل رفضه إعطاء أريل شارون أي منصب حساس في حكومته، وربما يكون أحد مبررات ذلك هو علاقة شارون وصلته الوطيدة بالأوساط الاستخباراتية الأمريكية.
وعلاوة على ذلك، فقد أثار نتنياهو حفيظة كل الذين كانوا يأملون في أن يبعد نفسه وحكومته عن كل ما له صلة بفضيحة اري ديري المتهم بالقيام بغسيل الأموال، وربما ارتكاب جريمة القتل، غير أن نتنياهو تعمد تعيين المحامي ياكوف نيمان وزيرا للعدل رغم أن السلطات البريطانية قدمته للمحكمة بتهديد أحد الشهود في قضية ديري أثناء محاكمته في لندن.
والأدهى من ذلك تعيين نتنياهو لياكوف فرينكيل لإدارة الاقتصاد الإسرائيلي وحده حيث عينه مديرًا لبنك إسرائيل رغم غيابه عن إسرائيل لمدة ١٩ عامًا خلال الفترة من عام ١٩٧١م حتى عام ۱۹۹۰م، ولاشك أن السياسات التي سيتبعها فرينكيل صورة طبق الأصل لسياسة الإفقار التي يتبعها البنك الدولي والتي تتمثل في رفع سعر الفائدة إلى مستوى لا يحتمله الشعب ولا الصناعات الإسرائيلية التي لن تستطيع التكيف مع آثاره، مما سيدفع الحكومة الإسرائيلية إلى الاقتراض من البنوك الأمريكية لكسب رضا الشعب، وهذا سيساهم في تراكم الديون الخارجية، وبعدها يأتي صندوق النقد الدولي ليضع خططًا اقتصادية تزيد في إفقار الفقراء ويعد فرينكيل ممن يشجعون اقتراض إسرائيل من أمريكا قروضًا ائتمانية بضمانة الحكومة الأمريكية في حدود ۱۰ مليارات دولار أمريكي، كما أنه ممن يشجعون رفع سعر الفائدة، متجاهلًا اعتراضات وزير المالية الأسبق أفرام شوهات الذي اتهمه آنذاك بأنه سيقوم بلعبة سياسية في بنك إسرائيل.
أما نتنياهو الذي كانت مؤسسة INSIDE ISRAEL تأمل فيه الخير لكي ينقذ إسرائيل من قبضة النظام العالمي الجديد، فقد حاول تعيين فرينكيل وزيرًا للمالية، ولكن الاعتراضات التي أثارها ذلك التعيين داخل حزب الليكود حالت دون توليه المنصب، وقد عين دان ميريدور بديلا عنه غير أن صحيفة معاريف ذكرت أنه سوف يتم فصل ميريدور وسيعود فرينكيل، وهذا ما حدث فعلًا.
ويبدو أن هناك شيئًا مريبًا يجري خلف كواليس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (C.F.R) ففي الوقت الذي يبدو فيه وزير الداخلية وارين كريستوفر غير موافق على سياسات الليكود لكي لا يغضب العرب، نراه يلعب لعبة مزدوجة مع نتنياهو.
الملك حسين توصل إلى تفاهم مع نتنياهو قبل الانتخابات بزمن طويل ولم يساند بيريز، ذلك لأن وجود دولة فلسطينية مجاورة له ولها السيطرة على الأراضي المقدسة، وهو ما كان يدعو له بيريز هو آخر شيء يتمناه الملك حسين، والزمن وحده كفيل لإيضاح فحوى الاتفاق بين الملك حسين ونتنياهو، ولكن مما لاشك فيه هو منح الأردن السيطرة على قبة الصخرة.
رغم وجود تغيير في الأحوال الداخلية لإسرائيل، فمما لاشك فيه أن الC.F.E الأمريكي مازال هو المحرك لرئيس الوزراء الجديد وهو أمر يدعو إلى التخوف العميق لمستقبل إسرائيل.