; الحيل السياسية لن تحل مشكلة أفغانستان | مجلة المجتمع

العنوان الحيل السياسية لن تحل مشكلة أفغانستان

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

مشاهدات 62

نشر في العدد 833

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

يرى المراقبون للشؤون الأفغانية أن الروس قد كشفوا نشاطاتهم السياسية المتعلقة بأفغانستان ويظهرون اهتمامًا بالغًا في هذا الجانب أكثر من ذي قبل.

هذا الأمر جعل بعض الناس يظنونهم أنهم يريدون سحب قواتهم من أفغانستان لكن الحقائق الموجودة في الساحة تنفي هذا الظن على الأقل في الفترة الحالية.

يبدو أن الاتحاد السوفيتي بعدما وجد أنه من الصعب الانتصار على المجاهدين الأفغان في الجانب العسكري، وضع إستراتيجية جديدة هدفها هزيمة الشعب الأفغاني المسلم عن طريق الوسائل السياسية وهذا ما تثبته ملاحظة سريعة لخطوات الكرملين السياسية في أفغانستان في الآونة الأخيرة.

أولًا: الانسحاب الجزئي:

في ضجيج من الدعايات الإعلامية الواسعة وخلال عملية استعراضية سحب الروس في العام الماضي ستة ألوية من قواتهم المتواجدة في أفغانستان، والتي كانت مكونة من وحدات الدفاع الجوي والأسلحة المضادة للدبابات ونظرًا لأن المجاهدين لا يملكون الطائرات والدبابات. فالقوات المسحوبة، كانت تستخدم في الحرب. ولذلك لم يكن لانسحابها أي أثر على وضع القتال الدائر في أفغانستان. وتقول التقارير الحاصلة من المصادر الدبلوماسية في کابل وإسلام آباد أن روسيا أرسلت قوات جديدة إلى أفغانستان بعد عملية الانسحاب الجزئي.

ثانيًا: إعلان وقف إطلاق النار

أعلن وقف إطلاق النار في بداية العام الحالي ولكن لم تلتزم به القوات الروسية ولا الحكومية بل شوهدت شدة في هجمات الروس على المناطق الآمنة بعد إعلان وقف إطلاق النار

رفض المجاهدون بالإجماع اقتراح الهدنة ووقف إطلاق النار، لأنه لم يكن جزءًا من العملية التي تعيد الأمن والسلام إلى أفغانستان وتضمن انسحاب الجيش الأحمر منها.

الروس كانوا يريدون بهذا الإعلان أن يظهروا أمام العالم بأنهم طلاب الأمن والسلام وأن المجاهدين هم الذين لا يريدون السلام ويرفضون إيقاف الحرب ونزيف الدماء ومن غير المعقول وقف إطلاق النار مع من يحتل البيت، ومن هذا المنطلق جاء رفض المجاهدين لهذا الاقتراح حيث أفشلوا بذلك المخطط الروسي في داخل البلاد وخارجها.

ثالثًا: المصالحة الوطنية:

هذا المصطلح ليس له معنى حقيقي في قاموس القتال الدائر في أفغانستان، لأن الحرب والصراع ليسا بين فريقين من أبناء شعب واحد بل هناك حرب بين شعب يدافع عن وطنه وبين قوة خارجية احتلت بلاده، فالروس المحتلون في طرف والشعب الأفغاني المجاهد في الطرف الآخر.

روسيا تريد فرض رأيها على العالم بأن الشيوعيين جزء من الشعب الأفغاني لكن السنوات السبع الماضية من الاحتلال عجزت عن إعطاء هذه الصبغة لهؤلاء الشيوعيين وأثبتت أنه لا يمكن اعتبار هذه الحفنة جزءًا من الشعب الذي أعلن رفضه لهم ورفع راية الجهاد ضدهم. المحاولات التي قام بها الروس والحكومة تحت غطاء المصالحة الوطنية لم تسفر عن أي نتيجة مفيدة لهم، لكن رغم ذلك فإن الإعلام الروسي في كابل وموسكو يدعي ليلًا ونهارًا بأن عددًا كبيرًا من المهاجرين قد عادوا إلى البلاد ومجموعة كثيرة من المجاهدين وضعوا الأسلحة وانضموا إلى النظام الحاكم! والواقع غير ذلك.

 وعد نظام كابل بتقديم المساعدات والتسهيلات للمهاجرين في حالة العودة إلى البلاد لكن المهاجرين رفضوا كل ذلك.

رابعًا: الحكومة الائتلافية والملك ظاهر شاه

الحكومة صرحت والروس بصورة غير مباشرة أعلنوا عن استعدادهم لتقاسم النفوذ مع المجاهدين وتشكيل حكومة ائتلافية وقالوا إن الملك المخلوع ظاهر شاه يستطيع أن يلعب دورًا في هذا المجال.

هذه التصريحات والإشارات أوجدت جوًا من التفاؤل لدى بعض الأوساط وظنوا أن الحل السياسي لمشكلة أفغانستان أصبح قاب قوسين أو أدنى!!

رفض المجاهدون تشكيل الحكومة الائتلافية مع الشيوعيين، لأن الشعب رفض النظام الشيوعي وأن الإسلام والشيوعية لا يجتمعان معًا.

الكرملين كان يعرف ذلك حينما أمر النظام الحاكم في كابل بدعوة المجاهدين للمشاركة في الحكم، لكن قيادة الروس فعلت ذلك لتحدث انقسامات في صفوف المجاهدين وكذلك ليجعلوهم في موقف سياسي صعب لرفضهم اقتراحًا جديدًا للسلام والأمن. أما بالنسبة للملك ظاهر شاه فالشعب والأحزاب الجهادية يرفضان عودته إلى أفغانستان ولا شك أن هناك عددًا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من المحسوبين على الجهاد يؤيد ظاهر شاه ولكن هؤلاء لا وزن لهم على ساحة الأحداث الحقيقية

يرى الشعب الأفغاني وأبناؤه المجاهدون أن دور ظاهر شاه كزعيم قد مضى لأنه قد ارتكب خلال حكمه الطويل جرائم شنيعة في حق الإسلام والشعب وفتح أبواب البلاد بمصراعيه أمام النفوذ والتغلغل الشيوعي حيث أدى إلى الكارثة الموجودة.

ظاهر شاه خلال عهده المظلم كان يعتمد على النظام القبلي ويستغل رؤساء القبائل لصالحه، أما الآن وبعد مرور تسع سنوات على الجهاد الإسلامي المسلح ضعف النظام القبلي إلى حد الانقراض وظهرت قيادات شابة على الساحة ومن وسط الجماهير، الأمر الذي يضعف إلى حد بعيد إمكانية إعادة الملك المخلوع أو شخصية مماثلة له.

الذين رأوا ظاهر شاه أخيرًا يقولون: إنه يجهل الوضع الموجود في أفغانستان ولا يستطيع تحمل المشاكل والصعوبات التي ستواجهه عند العودة، ومع ذلك فهو ينتظر دعوة دولية ليذهب إلى أفغانستان ويظن أن الشعب سيطيعه! في الحقيقة الجنرال عبد الولي صهر الملك هو الفنان الحقيقي الذي يلعب دورًا بارزًا في مسرحية عودة ظاهر شاه ويستغل اسمه لصالحه.

خامسًا: تغيير اسم النظام ونظام الأحزاب المختلطة:

في ضوء قرار من موسكو أعلن نجيب الله قبل أيام عن تغيير اسم النظام وحذف كلمة «الديمقراطية» منه ليصبح بعد ذلك جمهورية أفغانستان –كما كان في عهد داود- بدلًا من جمهورية أفغانستان الديمقراطية!!

 الشيخ يونس خالص المتحدث الرسمي الحالي باسم تحالف المجاهدين «الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان» كان مصيبًا في تعليقه على الموضوع، حيث قال: «إن تغيير السرج لا يغير طبيعة الحمار»!!

أما فكرة نظام الأحزاب المختلطة والتي دعا إليها رأس النظام في كابل فهي سخرية محضة وإلا كيف يمكن تطبيقها في بلد مثل أفغانستان والتي احتلت من قبل قوة استعمارية عالمية والشعب بكامله وقف ضد العدوان ويستمر في الجهاد لأجل الحرية؟!

والأكثر سخرية أن نجيب اشترط في هذا المجال أن تكون الأحزاب المشاركة في الحكم وفية للروس، فلو كان الشعب الأفغاني المجاهد وفيًا للاستعمار الأحمر لما قاتله هذه السنوات الطويلة وقدم أكثر من مليون ونصف المليون شهيد في سبيل الله؟!!

سادسًا: مفاوضات جنيف

مدينة جنيف هي المكان الذي تلتقي فيه باكستان مع نظام كابل بصورة غير مباشرة تحت إشراف مندوب الأمم المتحدة للبحث عن حل سياسي لمشكلة أفغانستان وقد تم من هذه المفاوضات حتى الآن ثمان حلقات دون تقدم ملحوظ نحو الهدف.

يستبعد المراقبون الوصول إلى حل سياسي مقبول لدى الشعب الأفغاني عن طريق هذه المفاوضات في شكلها الموجود لأنها لا تشمل الطرفين الحقيقيين في المشكلة وهما المجاهدون الأفغان والاتحاد السوفيتي، كما أنها لا تمس القضية الأساسية لأي حل محتمل وهي حق تقرير المصير للشعب الأفغاني.

قادة الكرملين يريدون استمرار هذه المفاوضات لأنها تكمل إستراتيجية الروس العسكرية في ضرب الجهاد الأفغاني وتعتبر دعاية سياسية جيدة لتغطية الموضوع في أفغانستان وإعطاء صيغة شرعية لنظام كابل.

سابعًا: الحملات الدبلوماسية الأخيرة:

في إطار محاولات روسية مكثفة في المجال الدبلوماسي الدولي، تمكن الروس من تحسين علاقاتهم السياسية مع الدول الغربية، ونجحوا في رفع القيود التي وضعتها هذه الدول في علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي حيث عادت العلاقات التجارية والدبلوماسية إلى وضعها العادي.

يتمتع الاتحاد السوفيتي في حركة عدم الانحياز بموقف جيد لأن ثلاثة من رؤساء هذه الحركة على التوالي وهي كوبا والهند وزيمبابوي دول صديقة للروس ولها علاقات قوية جدًا مع الكرملين، لذلك لا يتخذون موقفًا من المأساة على أفغانستان التي كانت من المؤسسين الأوائل الحركة دول عدم الانحياز.

الهند هي أكبر طرف في التجارة مع نظام كابل خارج المعسكر الشيوعي والرفيق فيدل کاسترو يعتبر عمًا للرفيق نجيب ويؤيد الروس ماديًا وسياسيًا في احتلالهم العسكري لأفغانستان المسلمة.

هذا الوضع وكذلك وجود نظام كابل في داخل المنظمة ومحاولات الروس المستمرة لتغيير سياسات ومواقف بعض الدول الأعضاء من قضية تحرير أفغانستان إلى حماية نظام كابل يجعل المجاهدين في وضع سياسي صعب.

 الهدف الرئيسي للنفوذ الروسي حاليًا، هو منظمة المؤتمر الإسلامي حيث يوجد فيها دول صديقة للكرملين ويريد الروس كسب مزيد من الأصدقاء فيها عن طريق الوضع المتدهور في الخليج وقضية إيران جيت.

موقف مؤتمر القمة الأخير في الكويت تجاه القضية الأفغانية كان ضعيفًا جدًا وقد كان للرسالة التي بعثها غورباتشوف قبيل انعقاد المؤتمر إلى المؤتمرين تأثيرًا بالغًا في تضعيف لحن قرار المؤتمر حول أفغانستان، كما أن الكويت - الرئيسة الحالية – للمنظمة – لا تريد إثارة مشاكل مع الروس خاصًة وأن الروس قد أبدوا استعدادهم لحماية ناقلات البترول الكويتية في الخليج.

ثامنًا: الضغط على باكستان

باكستان لكونها مضيفة لعدد كبير من المهاجرين الأفغان ولحمايتها النشيطة لجهاد الشعب الأفغاني المسلم أصبحت هدفًا واضحًا لنشاطات عملاء المخابرات الروسية «كي. جي بي» الذين يقومون بنشاط في المدن الباكستانية المختلفة.

هناك تنسيق ثلاثي مشترك بين روسيا والهند والحكومة الأفغانية لزعزعة الأمن والاستقرار في باكستان وتستخدم العناصر الشيوعية والمجموعات الانفصالية لنشر الدعايات المضادة وأعمال الإرهاب والتخريب.

 مؤيدو الروس في باكستان يحاولون أن يلوموا المهاجرين الأفغان في كل عمل تخريبي يحدث في هذا البلد دون أن يتعبوا أنفسهم في إقامة دليل أو برهان وهدفهم الرئيسي هو إثارة النزاع والخلافات بين الشعب الباكستاني «الأنصار» والمهاجرين.

 لكن الله سبحانه وتعالى قد رد كيد هؤلاء العملاء إلى نحورهم وأفشل –حتى الآن– جميع مخططاتهم ضد الجهاد والمهاجرين بسبب حب الشعب الباكستاني المسلم للجهاد الأفغاني وتأييدهم الأخوي للمجاهدين والمهاجرين.

الخلاصة:

لا شك أن الأفغان يريدون الأمن والسلام وهم بحاجة إليه حتى يتمكنوا من العودة إلى بلادهم ويبدأوا حياتهم العادية ويعيشوا في ظل حكومة إسلامية أصيلة. وللوصول إلى هذا الهدف المشروع لهم شرطان فقط وهما: 

أ – الانسحاب الكامل وغير المشروط للقوات الروسية من أفغانستان.

ب – إتاحة الفرصة لهم حتى يستخدموا حقهم الشرعي في تقرير المصير وإقامة حكومة ائتلافية في البلاد. 

ورغم أن تجاوب الروس لهذين الشرطين كان سلبيًا منذ البداية إلا أنه بعد مجيء غورباتشوف إلى الحكم اشتدت الحرب أكثر من السابق وازداد القتل والتشريد والتخريب في البلاد بأيدي القوات الروسية.

المخطط السياسي الروسي في المرحلة الراهنة يهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي وتقوية النظام العميل وإعطاء واجهة شرعية وشعبية له وللوصول إلى هذا الهدف يستخدمون لغة جديدة ولكنهم يكررون نفس المضمون القديم لذلك فإن الخطوات السياسية الأخيرة للروس في أفغانستان لا تؤدي إلى إنهاء المشكلة بل تجعلها أكثر تعقيدًا.

مفتاح حل مشكلة أفغانستان في أيدي السوفيت، فلو انسحبت القوات الروسية من أفغانستان اليوم أو غدًا سيعود الأمن والسلام إلى هذا البلد المظلوم وفي حالة إصرار الروس والشيوعين على البقاء فإن الجهاد سيستمر بكل شدة وقوة حتى يمن الله على جنوده بالنصر النهائي ورفع راية – لا إله إلا الله محمد رسول الله– على قصر كابل وما ذلك على الله بعزيز ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج:٤٠)

الرابط المختصر :