العنوان الخاسر والرابح في أزمة وزير التربية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1986
مشاهدات 68
نشر في العدد 769
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 27-مايو-1986
هل يريد البعض أن تكون استقالة الوزير قابلة للتكرار بحيث يجد رئيس الحكومة نفسه مرغمًا على اتخاذ قراراته على أساس الضغوط والمساومات؟
تصرفات وزير التربية المتراجع عن استقالته ستكون عرضة تحت الأضواء المسلطة لنقاش سريع من قبل الفئات السياسية المختلفة.
استقالة الدكتور حسن وزير التربية التي صنع منها البعض أزمة جاءت لتبرز التوتر الشديد الذي تعاني منه بعض الفئات السياسية العلمانية في موقفها من الإسلاميين. فقد أصبحت مهاجمة التيار الإسلامي والنيل منه هدفًا مرة أخرى لتلك الفئات.. ومن ورائها فعاليات سياسية.
وهذا الهجوم المتكرر على التيار الإسلامي يعود لتنامي الصحوة الإسلامية في الكويت واكتسابها في كل يوم ثقلًا سياسيًّا واجتماعيًّا أكبر، وهذه حقيقة واضحة تظهر بشكل جلي في الاستفتاءات النقابية المختلفة سواء على صعيد الاتحادات الطلابية أو جمعيات النفع العام أو نقابات العمال. رغم أن بعض الصحف اليومية وبعض المتصدين للحديث عن السياسة المحلية يحاولون الادعاء بغير ذلك.
وقد جاءت استقالة الدكتور حسن بأسلوبها المفاجئ والمثير لكي تدعم المفهوم السائد شعبيًّا بقوة التيار الإسلامي وقدرته على التأثير في صناعة القرار السياسي، وفي الحقيقة فإن المعارضة الإسلامية للوزير– على شدتها– لم تكن سببًا نهائيًّا في قرار الاستقالة بل جاءت هذه لأسباب أخرى كثيرة منها فشل الوزير في تحقيق جزء من مآربه في الوزارة، واصطدامه المتكرر مع مجلس الأمة ثم الاستياء الشعبي منه بسبب بعض قراراته ووجود أطراف قوية داخل مجلس الوزراء لا تتحمس للدكتور حسن. رغم ذلك فقد ساد شعور قوي بأن سقوط الدكتور حسن هو «نصر للإسلاميين» أو هو نتيجة لضغوطهم، وهذا الأمر يعزز سمعة التيار الإسلامي ويعلي من هيبته، ويخلق انطباعًا شعبيًّا بقدرة الإسلاميين على التدخل في صناعة القرار السياسي- كما سلف- وهو أمر لا ترغب بعض الفعاليات السياسية في البلد بحصوله.
ولأن هذه الفعاليات تملك ناصية بعض الصحف المحلية، فقد انطلقت هذه الأخيرة لتنهال بالشتائم والسباب على الإسلاميين وتحاول تحريض القيادة السياسية ضدهم. والطريف أن هذه الصحف تناولت خبر الاستقالة في اليومين الأوليين بصورة عادية جدًّا ولكن بعد اجتماع رؤساء تحريرها مع إحدى الفعاليات السياسية انطلقت هذه الصحف في حملة صاخبة جديدة ضد التيار الإسلامي.
ومما أثار سخرية الناس والديوانيات هذا المديح البالغ الذي صاغته الصحف للوزير إلى درجة الردح والتهويش، ولجأت بعض الأقلام إلى تحريف تصريحات المسؤولين– خاصة سمو ولي العهد– لجعلها مدحًا وإشادة بالوزير، ثم التباكي على مصير التعليم في الكويت والتبشير بعودة «الظلام والجهل» إلى الكويت إذا ما قبلت استقالة الدكتور حسن.
والغاية من ذلك كله الحط من شأن الإسلاميين والمتدينين عمومًا في الكويت والدعاية لمناهج التربية العلمانية التي يريدها الدكتور سياسة دائمة لوزارته، ثم محاولة الضغط على الحكومة وسمو رئيس مجلس الوزراء لمنعه من قبول الاستقالة وإخراج الوزير المستقيل بصورة المنتصر لمبادئه والمتمسك بها.
وقد انخرطت سائر الفئات السياسية اللادينية في الحملة تدعمها تلك الفعاليات الكبيرة وخرجت استقالة الدكتور حسن من حالة الاستقالة الطبيعية للوزير لتصبح معركة بحد ذاتها ومسألة تحد سياسي بين أطراف سياسية مؤثرة في البلد.
وقد وضعت الحرب أوزارها أخيرًا وعاد الوزير المستقيل بخفي حنين إلى وزارته، وتبين الآن أن الأطراف الداخلة في الصراع قد خرجت منه بخسائر متباينة ولم يكن هناك ثمة منتصر.
الخاسر الأول: وهو النظام السياسي في البلد وكانت خسارته الأولى تسجيل سابقة خطيرة تتمثل في أن وزيرًا استقال من الحكومة فثارت من أجله حملة إعلامية كبيرة وضغطت فئات مهنية خاضعة له مهددة بالاستقالة إذا لم يعد وذلك دون أن يكترث أحد منهم في صلاحية الحكومة وحدها في قبول أو عدم قبول الاستقالة.
ولبيان خطورة ذلك لنفترض أن وزيرًا للدفاع في إحدى الدول استقال من منصبه فتقدم رؤساء الأركان وكبار الضباط باستقالاتهم مهددين بها إذا لم يرجع الوزير، فيبقى الجيش دون قادة! ولنفترض أن وزيرًا للكهرباء في دولة أخرى قدم استقالته فثار من أجله المهندسون وفنيو الكهرباء في محطات التوليد مهددين بالاستقالة إذا لم يرجع هذا الوزير، فتبقى تلك الدولة دون كهرباء! فكيف يكون إذًا موقف النظام السياسي في مثل هذه الحالة، وهل يريد البعض أن تكون استقالة الدكتور حسن سابقة قابلة للتكرار بحيث إن رئيس الحكومة يجد نفسه مرغمًا على اتخاذ قراراته على أساس الضغوط والمساومات.
والخسارة الثانية للنظام تمثلت في تعرضها للإحراج بسبب الأسلوب غير اللائق الذي تصرف الوزير على نحوه، فقد تجاوز هذا أعراف النظام وبروتوكولاته وهدد هيبة النظام عندما غادر البلاد من غير استئذان مرسلًا استقالته مع السائق!! وأصبحت الصورة الماثلة الآن أن الحكومة قد تجرعت إهانات الوزير واستماتت على بقائه.
وقد سجل رئيس الحكومة نقطة لصالح النظام السياسي عندما اشترط لعودة الوزير أن يقدم هذا كتابًا خطيًّا بالاعتذار وأن يتعهد بعدم تكرار تصرفاته غير اللائقة، ومما لم تنشره الصحف أن رئيس مجلس الوزراء قد عنف الوزير المستقيل على سلوكه وأن الوزير ناشد رئيس الحكومة بقبول عودته وقام بتقديم كتاب الاعتذار الخطي مضطرًا وعاد لوزارته.
الخاسر الثاني: وهو الوزير المستقيل، فلقد غامر هذا بفكرة الاستقالة عله يرغم الحكومة على الاستجابة لـ «شروطه» ومطالبه الخاصة، وأحب الدكتور حسن أن يثبت بهذه المغامرة أنه صاحب قضية ورجل مبدأ صلب، ولكن أسلوبه المثير وغير اللائق، أحرج النظام السياسي وأزعجه. فقامت الحكومة بإهمال الدكتور حسن فأيقن هذا أن فرصته للعودة تتضاءل بمرور الوقت فهرع عائدًا للكويت متوسلًا سحب استقالته ومعتذرًا.
والدكتور حسن الآن في وضع لا يحسد عليه، فالأضواء مسلطة تجاهه وكل صغيرة وكبيرة في تصرفاته القادمة ستكون محل نقاش سريع من قبل الفئات السياسية المختلفة، مما سيؤثر كثيرًا على قدرته على التحرك مستقبلًا ويفقده الحرية في إصدار القرارات.
وقد أظهر الدكتور حسن نفسه كفرد مخطئ في أسرة الحكومة وأصبح لمدة أسبوعين لقمة في الأفواه، ولا شك أن منتقديه كانوا أكثر من مادحيه، وأن من لا يعلم تاريخ الدكتور وهويته أصبح الآن يعلم وأن شعبيته التي حاولت بعض الصحف بناءها وترويجها قد ضربت بهذه الاستقالة. وأخيرًا فإن الورقة التي كان يهدد بها وهي تقديم الاستقالة قد احترقت وأثبتت عدم نفعها وإذا ما حاول تكرار ذلك فإن فرصته في الاستمرار مشكوك فيها.
الخاسر الثالث: وهي الفئات والقوى اللادينية التي تبنت الوزير وخاضت معركة الدفاع عنه مع الخائضين، ودافعت عن كل خطواته وتصرفاته، فهي الآن عاجزة عن التراجع عنه حتى لا تفقد مصداقيتها، وسترى هذه الفئات نفسها في المستقبل القريب محرجة إزاء كل قرار سيئ جديد للوزير لا سيما وأن هذا الأخير له توجهات مضادة للحريات وأن قراراته تصب في خانة الرفض الشعبي له.
وقد كانت هذه الفئات قد دافعت عن الوزير في البداية ثم أحرجها هذا بقراراته السيئة فارتدت عليه وهاجمته بقوة، ولكن عندما تحركت بعض القيادات السياسية لدعم الوزير رأت هذه الفئات- وفقًا للعبة السياسية الراهنة- أنها مضطرة للانجذاب وراء هذه الفعاليات والتحالف معها في معركة وزير التربية.
فهي بتحالفها مع تلك الفعاليات في مثل هذا الموقف قد أعطت انطباعًا لدى الرأي الشعبي بأنها بإمكانها أن تتحالف مرة أخرى مع تلك الفعاليات متى ما اقتضت مصالحها الحزبية ذلك وبغض النظر عن المصلحة العامة أو الرغبة الشعبية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل