العنوان الخطر الرسمي على المقاومة الفلسطينية
الكاتب حازم غراب
تاريخ النشر السبت 29-يونيو-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1507
نشر في الصفحة 37
السبت 29-يونيو-2002
تشكل انتفاضة الفلسطينيين المستمرة منذ سبتمبر ۲۰۰۰م تعبيرًا قويًا عن إحساس متزايد بفقدان الأمل في قدرات النظام العربي أو القوى الفلسطينية المرتبطة به، ومن ثم يمكن القول إن الشعب الفلسطيني قرر منذ انتفاضة الأقصى أن يأخذ قضيته بيديه، وألا يسمح بمزيد من التلاعب بمصيره، سواء من بعض النظم أو بعض الفصائل الفلسطينية التي ولدت وتربت وفسدت في أحضانها.
ولا يماري أحد أن مقاومة الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية المستقلة خلال الأعوام القليلة الماضية أوجعت العدو، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الوجع آخذ في التأثير المتزايد على فلسفة المشروع الاستيطاني الصهيوني، حيث تنتفي لأفراده الآن الحكمة من القدوم إلى أرض فلسطين أو دولة إسرائيل باعتبارها الوطن الذي يضمن لهم عيشاً رغداً آمناً. هذه حقيقة يعترف بها عقلاء اليهود من غير الصهاينة الموظفين استعماريًا عند الغرب، وغير المستفيدين بشخوصهم من وجود دولة لليهود على أرض فلسطين.
التقيت قبل أيام أحد هؤلاء وهو المحامي ستانلي كوهين الذي زار الدوحة مؤخرًا، وظهر على قناة الجزيرة، وسألته سؤالًا مباشرًا: ألا ترى أن اليهود كانوا يعيشون في أمن وأمان بيننا في البلاد العربية حتى ولو داخل الجيتو، وكان منهم وزراء وتجار كبار ومثقفون، بينما هؤلاء أنفسهم وأولئك الذين جاؤوا من أوروبا لفلسطين يعيشون الآن في جيتو كبير وسط الوطن العربي مع فارق ضخم هو الافتقار إلى الأمن والقبول.
وبكل شفافية وصدق وجدت ذلك اليهودي الذي لا يزال يعيش وعائلته في نيويورك يقر بأن أوضاع اليهود طيلة القرون التي عاشوا فيها في البلاد العربية كانت أفضل، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار التأثير المتنامي للصحوة الإسلامية والوطنية الفلسطينية والعربية التي تصر على المقاومة الذاتية للمشروع الصهيوني، من دون التعويل على حسابات النظم أو الخوف منها على العمل الجهادي المباشر.
إن إدراك الطرف اليهودي لتزايد افتقار الاحتلال إلى الأمن، بفعل تصميم واستمرار المقاومة الفلسطينية المدعومة بصدق واضطراد من الشعوب العربية والإسلامية أخذ يدفع اليهود المخدوعين في المشروع الاستيطاني الصهيوني للهجرة العكسية أو للتفكير فيها .
وقد أجري استطلاع للرأي حول دوافع الهجرة لدى القادمين الجدد إلى فلسطين المحتلة، فتبين أن منهم من هاجروا لدوافع اقتصادية ولهذا فعندما يتعرض الاقتصاد الإسرائيلي، لهزة تتزايد الهجرة العكسية، وقد بلغ الأمر أشده خلال انتفاضة الأقصى، حيث توقفت الهجرة تقريبًا، وزادت الهجرة العكسية بدليل إقبال الإسرائيليين على طلب الحصول على البطاقة الخضراء الأمريكية، حتى إن حفيدة رئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيجن هاجرت إلى الولايات المتحدة قائلة: أنا لا استطيع الاستمرار بالعيش هنا، كما زادت أعداد المهاجرين إلى كندا، وتنتشر الآن ظاهرة هجرة أبناء النخب.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما مصير مبدأ الحاجة لأرض إسرائيل إذا ما استمرت انتفاضة الاستقلال المسلحة واشتدت ضربات المقاومة.
إن ثلثي يهود العالم لا يزالون يعيشون خارج فلسطين بالرغم من مرور ٥٤ عامًا على الاحتلال، ففي الولايات المتحدة وحدها يعيش أكثر من 7 ملايين يهودي، أي ما يوازي عدد اليهود في فلسطين، وفي كل بلاد الأصل التي هاجروا منها ما زالت الطوائف اليهودية تعيش حتى الآن وكثير منهم يعادون الفكرة الصهيونية.
الغرب منزعج من الانتفاضة
ولعل هذا التحول الخطير هو أهم ما يطيح بصواب الغرب المنشئ والداعم والمحتاج للكيان الغاصب استراتيجيًا كأداة للحفاظ على مصالحه بالمنطقة، وهو ما يدفع معظم الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة حاليًا لمحاولة وقف المقاومة الشعبية الباسلة، سواء باستخدام نفوذ بعض النظم العربية أو القيادات الفلسطينية قصيرة النظر المتطلعة للحفاظ على مكاسبها وطموحاتها الشخصية، وهذا في رأينا أكثر خطورة على استراتيجية المقاومة الشعبية الإسلامية والوطنية الفلسطينية مما يفعله الاحتلال لوقفها.
استمرار الاستنفار الشعبي
من الضروري للنخب والحركات الإسلامية والوطنية والشارع السياسي العربي أن ينتبهوا أشد الانتباه إلى المخاطر التي يمكن أن تحيق بالمقاومة الفلسطينية على اختلاف فصائلها من جانب بعض النظم العربية ولن يتم ذلك في رأينا إلا باستمرار حالة الاستنفار الشعبي والحركي والإعلامي المستقل.
الدماء الفلسطينية لا تذهب سدى ولا داعي للتذرع بالإشفاق على الشعب الفلسطيني من الآلة العسكرية الصهيونية، فالجسد الصهيوني يتألم إلى درجة الإعداد للرحيل كما نرى بينما يحاول البعض أن يضخ فيه الدماء.
إن استقراء تاريخ القضية الفلسطينية يثبت هذه الحقيقة، لم تجلب النظم العربية التي تصدت للقضية إلا الخسران تلو الخسران، كما أن ارتماء منظمة التحرير الفلسطينية بعيد نشأتها بين أحضان بعض النظم لم يسفر إلا عن كيان سرعان ما انتقلت إليه أمراض تلك النظم من فساد وشخصانية وترهل حركي وفكري وافتقاد للشرعية.
فمنذ بدأ اليهود اقتطاع فلسطين قضمة قضمة في زمن الانتداب البريطاني، ومنذ إعلان كيانهم الصهيوني في عام ١٩٤٨م وهزيمة الجيوش العربية لم تفلح تلك النظم في تحقيق أي وقف لتمدد المشروع الصهيوني، وعلى العكس فقد أدى النزق والإهمال والطغيان الذي مارسه قادة سياسيون وعسكريون إلى اقتطاع سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة عام ١٩٦٧م.
ولم نكد نفرح بالانتصار في حرب أكتوبر ۱۹۷۳م أو نجني ثمارها حتى عاجلنا السادات بما سمي مبادرة السلام في نوفمبر عام ١٩٧٧م، وإذا بمصر الرسمية منذ مارس ۱۹۷۹م تتحول بحكم معاهدة كامب ديفيد إلى حارس للصهاينة عند الحدود الفلسطينية الجنوبية، ويطمئن الصهاينة إلى إخراجها عسكرياً من القضية، فيولون وجههم فوراً للاستفراد بلبنان واحتلال جنوبه.
وتنضم الأردن رسمياً في أوائل التسعينيات إلى التسوية ومن ثم إلى طاقم حراسة الحدود الغربية والشمالية، مثلها مثل سوريا التي ظلت منذ هزيمتها في ١٩٦٧م تحافظ على عدم استفزاز الصهاينة باعتبار توازن القوى المختل.
ولا يكتفي اليهود وأعوانهم بالجيوش العربية لحراسة الحدود بل ينجحون إلى حد كبير في إغواء وإغراء منظمة التحرير لتصبح شرطيا داخلياً ضد أولئك الذين يصرون على المقاومة واستعادة كل فلسطين.
ولا يفي اليهود كعهدهم بدفع الثمن البخس الذي قبلت به قيادات منظمة التحرير في مدريد وأوسلو، فلا سيادة ولا عاصمة للدويلة التي منت بها السلطة الفلسطينية نفسها، ولا عودة للاجئين لأراضيهم، وذلك بالرغم من قيام أجهزة أمن السلطة بملاحقة وسجن العديد من عناصر المقاومة الإسلامية بل وقتل بعضهم.
وتفاجأ السلطة في عام ۲۰۰۰م بأن الصهاينة ينتخبون لقيادتهم جزارًا أشد دموية وحقداً هو شارون كي يلحس وعود من سبقوه ، ويشرع في وضع حجر أساس الهيكل المزعوم في المسجد الأقصى، ثم يدمر ويسحب اختصاصات وصلاحيات السلطة فيما سمي بمناطق الحكم الذاتي لعدم قدرتها على أداء دور الشرطي.
إن تراكم هذه التطورات أو بالأحرى التدهورات في واقع القضية الفلسطينية منذ بدأت أثبت للشعب الفلسطيني ولشعوب الأمة العربية والإسلامية أن التعويل على النظم السياسية أو القوى الفلسطينية المرتبطة بها لم يثمر إلا المزيد من المكاسب للعدو
لا أمل لدينا في الحقيقة أن يثمر أي تصد رسمي عربي لحل القضية الفلسطينية قبل أن تتحرر إرادة الشعوب العربية وتستطيع أن تفرز نظمًا لا تدين بولائها إلا لله.. ثم للشعوب.