العنوان طريق المستقبل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973
مشاهدات 5
نشر في العدد 134
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 23-يناير-1973
المستقبل
والحتمية التاريخية
ليس هناك
قانون جبري يحكم حركة الإنسان، وإلا لما كان هناك ثواب وعقاب وحساب. وليست حركة
الكون لا ضوابط للسير، وفي داخل هذه الضوابط يستطيع الإنسان أن يجد كل حريته.. بل
إمكانات الحركة.. وفي تصوري أن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ
النَّجْدَيْنِ﴾ ينتهي الحرية في الحركة. باستطاعة الإنسان أن يتحرك في أي نجد-
يريد.. في طريق الخير أو الشر. وقوانين الله التي وضعها الله تسمح بهذه الحركة..
كم من
حضارات سقطت وهي شابة، لأن أصحابها شاءوا أن يتجهوا إلى طريق السقوط، وكم من أفراد
كانت إمكاناتهم تسمح لهم بالنمو والاستمرار والإبداع وخدمة البشرية، لكنهم شاءوا
أن ينحرفوا بطاقاتهم.. ووجهوا إمكاناتهم إلى الشر.. إلى ”نجد" السقوط
والانحدار، وسقطوا.
إن
الحتمية التاريخية هي إرادة الإنسان مضافا إليها القوانين أو الضوابط العامة التي
تحكم حركة الكون، ممثلة في قوانين الطبيعة وارتباط النتائج بأسباب.
وبعضهم
يريد أن يفهم «الحتمية التاريخية» على نحو يرضي تكاسله وخيبته وفشله. بعضهم يريد
أن يبطل إرادة الإنسان.. يبطل «وهديناه النجدين» لكي يترك القوانين تعمل كل شيء.
ونحن
نقول لهؤلاء: إن القوانين الإلهية- في هذه الحال- لن تعمل إلا على موتكم.. لأن هذه
النتيجة «حتمية تاريخية» لهذا السلوك.
رأي
فلما
كانت سنة 1393 هجرية!! عام 93 هـ (وليس 73) سيكون كالأعوام السابقة.. فسيأخذ العرب
عطلة أول أيام العيد أسوة بعطلة عيد الميلاد (وليس العكس) وسينتظرون بفارغ الصبر
أيام العطل الرسمية الأخرى.. وسوف يذهب الموظفون إلى مكاتبهم- كالعادة- وسيقومون
بكل واجباتهم (المنزلية) أثناء الدوام.. ثم يذهبون إلى منازلهم ويعودون- للتوقيع
بالدوام- في اليوم التالي.. انتظارا لعطلة الجمعة.. والمعاش آخر الشهر وعطلة نهاية
العام.
ولا تشير
الأنباء الواردة عن (إبادة العرب) و(قتل الأبرياء) و(500 مدني) و(إغلاق الجامعات)
إلى جديد.. لكن المؤكد أن حوالي مائة مليون كلمة جميلة سوف تطرح في السوق.. وسوف
يتم إعداد جميل للمعركة عبر معارض الكتب والأزياء ووزارات الإعلام والسياحة وتشجيع
هجرة اليهود الروس إلى بلادنا.. إلى فلسطيننا.
وتشير
أنباء واردة أن الحل السلمي الاستسلامي سوف يتقدم- إلى الوراء- خطوات كبيرة، وسوف
لن يسمح العرب لإسرائيل بإحراز (نصر سريع) كالذي حدث عام 1387 هجرية (1967م).
لأنهم في هذه المرة قد اكتملت لديهم وسائل القوة اللازمة لإحراز (حل سلمي) أسرع.
يا
عرب!
شيء
من... الصراحة
كان شيئا
أثلج صدور المسلمين ما قام به المسؤولون هنا تجاه مدن الملاهي.
فمما لا
شك فيه أن طاقة هائلة من إمكانات الأمة تهدر على مسرح هذه الملاهي... هذه حقيقة!
ومما لا
شك فيه أن جانبا كبيرا من رجولة الشباب وأخلاقهم تسحق وتنهار بتأثير هذه المدن!
وأيضا..
مما لا شك فيه أن مستقبل الشباب كانت تحدده هذه المدن التي تخلق الضياع وتتيح فرص
الرذيلة!
فإذا
اكتشفنا في المستقبل أن موظفا يهمل في عمله، ويسيء إلى بلده، ولا يهتم شيئا في
بديل ما أعطته أمه، وإذا وجدنا طالبا جامعيا مهمل الأفكار أُمي الثقافة، غوغائي
السلوك...
إذا
وجدنا هذا أو ذاك، امتدادًا متصلا بمدن الملاهي.. كل هذه حقائق لا مجال للشك فيها.
لكن..
الطاقة البشرية طاقة غريبة، إنها أضخم طاقة في هذا الكون. وهذه الطاقة لا تستطيع
أن تبقى سائمة إلا في ظروف غير طبيعية، بل هي في الجملة الأخيرة تحاول التسريب مثل
الطرق المباحة والمشروعة أو غير المباحة وغير المشروعة..
وليس
الأمر مجرد قرار يصدر بإغلاق دور الملاهي، بل لا بد من أن يكون قرار كهذا مدروسا
دراسة علمية وسيكولوجية، ولا بد أن يكون هناك «البديل» المعد لامتصاص الطاقة التي
عطّلت بإلغاء ملاهي الملاهي..
أنا
لا أقترح البديل.. في مكتبات أو ندوات أو مسابقات أو غير ذلك.. وإنما يقترح ذلك
متخصصون تحكمهم مبادئ الدين، وينطلقون من مصلحة الأمة.
الخطر من
هنا
المشاكل
الداخلية هي البديل عن الحرب
نعم: من
حق المشكلات الداخلية في كل البلدان العربية أن تطفو على السطح الآن. وما دام
«الاستسلام» والهدوء هو المهيمن على جو العمل العربي.. فمن حق الأمراض الصغيرة أن
تظهر وتطفو.
كان
المسلمون في صدر الإسلام أذكياء.. يمتازون بالوعي التاريخي، ويستلهمون خطاهم من
دينهم، ويتحركون- بالتالي- نحو هدف إنساني نبيل.
وقد
فهموا أن «السكون» ليس من طبيعة الحياة، وأن «الطاقة» الموفرة للمجتمع إما أن
تُنفق في خير.. في كفاح شريف، وإما أن تتحول إلى انفجارات داخلية.
وكانت
حادثة الردة أول إنذار لهم.
وفي مدة
سنتين فقط حكم فيهما أبو بكر أخرس فتنة الردة، ووجه المسلمين للاشتباك مع قوة
الروم وقوة فارس. وجاء عمر فأكمل الشوط، ولما انتهت هذه الحروب الكبرى وهدأت فورة
الجهاد الأولى.. ظهرت من جديد المشاكل الداخلية- وهذه سنة الله- وتوالت الأحداث،
ما بين استقرار مرتبط بالجهاد وبتفريغ الطاقة في الخارج، وما بين فوضى وتدهور
مرتبطين بالهدوء والخلود إلى الاستسلام والراحة في الداخل.
وهل هذه
إحدى معادلات التاريخ المشهورة.. التي لم يلتفت إليها من بيدهم الأمر.
وأيضا،
ودون اجترار للكلمات.. لعل هذه المعادلة توضح لنا أن أمامنا طريقا وحيدا لكي نعيش،
ولكي نبقى كأمة، وإلا فإن المشاكل الداخلية ستكون هي البديل الوحيد للحرب.
مطلوب
مؤلف لهذا الكتاب
الذين
عاشوا.. وماتت أممهم
عاش هتلر
طول حياته بطلا، وكان هتلر ذكيا بلا شك، ومكافحا بلا شك. لكن القضية ليست قضية
الذكاء والكفاح، وإنما هي قضية الأسلوب الذي يعمل به الذكاء والغاية التي يهدف من
ورائها الكفاح. وكان هتلر يقول: «ألمانيا فوق الجميع» لكن أسلوب تعامله أثبت أنه
يريد أن يكون هو نفسه ألمانيا.. أن تتجسد ألمانيا فيه.. وبالتالي أن يكون «هو»-
باعتباره ألمانيا- فوق الجميع.
وفشلت
المعادلة وانتحر هتلر بعد حياة حافلة ومجد كبير.. ودُكت برلين.. وسقطت ألمانيا تحت
أرجل الجميع.
وضحت
بجيل من أجل أن تقف مرة ثانية على قدميها.
وفي غير
مكان في العالم، وهنا في العالم العربي آمن كثيرون بهذه النظرية.. نظرية الرجل
الذي يدخل كل الشعب تحت إبطه، ويصبح هو الأمة، هو الشعب، هو «الجميع».
ونجحوا
كثيرا في حياتهم.. وصفقت لهم الجماهير كثيرا.. ثم.. سقطوا بطريقة ما.. بعد أن سقطت
من ورائهم أممهم مضحية بأجيال كاملة من أبنائها...
وهؤلاء
الذين أرادوا بناء أنفسهم على حساب أمتهم.. هؤلاء ألا يمكن أن يكونوا موضوعا لكتاب
جديد.. جديد جدا.
هكذا
علمنا تاريخنا
جوار
الله
قصة
عثمان بن مظعون معروفة لنا، وهي تمر علينا كما تمر علينا حادثات ومواقف كثيرة من
تاريخنا، دون أن تلقى منا الاهتمام والعبرة.
لقد كان
عثمان بن مظعون يعيش في مكة آمنا في جوار الوليد بن المغيرة.. لكن عثمان لم يرض
لنفسه أن يرتع في دروب مكة آمنا لا يصيبه أذى، بينما يتلظى إخوانه المسلمون ببلاء
وأذى أهل مكة، وقد ذهب عثمان إلى الوليد بن المغيرة فرد عليه جواره، راضيا بجوار
الله وحده.
وعندما
لطم لبيد بن ربيعة عين عثمان فأصابها أذى.. عيره الوليد وقال له: إنه كان في منعة،
لكن عثمان رد على الوليد بقولته المشهورة: إن عيني الصحيحة فقيرة إلى مثل ما أصاب
أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر!
في ذلك
الوقت.. وأيضا بعد ذلك الوقت بكثير، لم يكن المسلمون قد ذابوا في التكتلات
الدولية، ولم يكونوا قد انقسمت بهم الأهواء بين شرق وغرب. ولم يكن جوار روسيا
وأمريكا أعز عندهم من جوار الله، ولم يربطوا مصيرهم بأعدائهم بحجة السلاح ولو على
حساب دينهم، طالبين العزة من غير الله..
نعم في
ذلك الوقت كان الله هو الجوار والقبلة والنصير والمعز...
أما
الذين تركوا الله فهم يتخبطون وسط الآلهة التي أذلتهم.. وسط التكتلات والاتجاهات..
وهم ينتقلون بالتالي، من ذل إلى ذل ومن نكسة إلى هزيمة.. ومن هزيمة إلى نكسة..
هكذا علمنا تاريخنا..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل