; الخط الديجولي يوجّه السياسة الخارجية الفرنسية | مجلة المجتمع

العنوان الخط الديجولي يوجّه السياسة الخارجية الفرنسية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 14

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

  • تعامل فرنسا مع ملف البوسنة والهرسك والشرق الأوسط والقضايا الإفريقية يؤكد حرصها على الظهور بمظهر استقلالي

منذ تولي جاك شيراك للرئاسة، حرص المسؤولون الفرنسيون على انتهاج سياسة خارجية بنفَس جديد يقوم أساسًا على دعم الحضور الفرنسي في العالم والبروز بمظهر استقلالي، من حيث التصورات وتنزيلها على أرض الواقع.

الأيام الأخيرة أكدت هذا التوجه في قضايا مهمة مثل: العلاقات الفرنسية- الإفريقية، وملف الشرق الأوسط وملف البوسنة.

بالنسبة للملف الأول المتعلق بالعلاقات الفرنسية-الإفريقية، فقد أوضحت المواقف الرسمية الفرنسية في ثلاث مناسبات إصرار الطرف الفرنسي على الحفاظ على المبدأ التقليدي المعروف بـ«الانخراط»، أو «الالتزام»، برصد الأوضاع في «القارة السمراء»، والنـزول بكل الثقل من حيث الدعم المالي والاقتصادي والعسكري والسياسي للأطراف التي تخدم المصالح الفرنسية، وفي الوقت نفسه سعت السلطة العليا إلى إقناع الأطراف الإفريقية بأن فرنسا تنتهج سياسة خارجية فيها «تكيف» مع تطورات الواقع السياسي في البلدان الإفريقية، بما في ذلك عدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه البلدان.

وكانت الأشهر الماضية شهدت جدالًا حول التراجع الفرنسي في إفريقيا أمام تزايد المنافسة الأمريكية، وجاءت أحداث زائير ونجاح كابيلا في قلب نظام موبوتو المدعوم من قوى خارجية لتزيد الجدل اتساعًا.

لكن الرئيس الفرنسي شدد في زيارته الأخيرة إلى موريتانيا على اعتماد «شراكة جديدة» مع إفريقيا تطرح تصورًا جديدًا في العلاقات يقوم نظريًا على الندية وليس على علاقة القوي بالضعيف، وتم التأكيد في هذا الصدد على التعاون في المجالين الفلاحي والغذائي، حيث قامت فرنسا بتمويل بناء سد «تباريت» باعتبار أن «الماء يبقى هو الشاغل الرئيسي في موريتانيا»، كما صرح بذلك شيراك في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

تجدر الإشارة إلى أن موريتانيا تعيش أوضاعًا سياسية متسمة بقدر كبير من الاستقرار وتبقى بعيدة عن دائرة الصراع أو التنافس الدولي على عكس ما يحصل في بلدان إفريقية أخرى في القرن الإفريقي أو في وسط وشمال إفريقيا، وهذا الوضع الذي تعيشه موريتانيا يساعد فرنسا على البقاء على رأس الدول المانحة للمساعدات الدولية لها، وبالتالي على الاحتفاظ بعلاقات متميزة مع نواكشوط علمًا بأن هذه الأخيرة لا تقل أهمية من الناحية الإستراتيجية عن بلدان إفريقية أخرى مثل الصومال في الجبهة الشرقية للقارة السمراء، فموريتانيا هي البوابة الغربية لانتشار العربية والإسلام وفي مناطق جنوب الصحراء، وهي بذلك مركز التقاء وتماس حضاري بين الإسلام والثقافات الزنجية والإفريقية، وقد حولت النعرات العرقية هذه المنطقة إلى ميدان صراع واقتتال في مناسبات عدة، لكن الطابع السائد يبقى هو التعايش بين مختلف مكونات هذا الحزام الثقافي، بالإضافة إلى وقوع موريتانيا على الساحل الأطلسي ومجاورتها لمنطقة الصحراء الغربية وانتسابها إلى كتلة المغرب العربي وإلى دائرة الكتلة الفرانكوفونية لأسباب تاريخية على الأقل.

عدم تدويل القضية الجزائرية

وفي سياق النهج الديجولي الذي يلتزم به الرئيس الفرنسي في مجال العلاقات الخارجية، تأتي التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الفرنسي في الملف الجزائري، فقد صرح الوزير أوبير فيدرين معلقًا على الأحداث الدامية وسط العاصمة الجزائرية بأن دور فرنسا يتمثل في «الإعداد لما بعد الحرب»، واعتبر موجة العنف الأخيرة غير مندرجة فيما يسمى بـ«العنف الأعمى» وإنما هي طريقة للاعتراض على بداية حوار بدأ يؤتي ثماره بين الحكومة الجزائرية وبعض الإسلاميين المنتهجين للشريعة»، وقارن ما يجري الآن في الجزائر بالأحداث التي سبقت الاستقلال عام 1962م.

من هذا المنطلق، فإن فرنسا تعارض تدويل القضية الجزائرية سواء في إطار ندوة دولية أو في إطار الأمم المتحدة، كما يقترح أمينها العام كوفي أنان، ويبدو أن الاهتمام الفرنسي بالملف الجزائري يدفع الطرف الفرنسي إلى إثبات حضوره وانشغاله الكبير بنفس الملف الذي يعنيه لأكثر من سبب تاريخي وسياسي، ولو تطلب الأمر مساندة حذرة للنظام الجزائري باعتبار حساسـية هذا الملف بالنسبة لباريس، فالمعادلة صعبة في التوفيق بين الحضور وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والبعد الإستراتيجي من وجهة نظر ديجولية تدعو إلى مراعاة مصلحة البلدين والشعبين ونزع فتيل التوتر بين شمال وجنوب حوض البحر المتوسط.

أما فيما يتعلق بملف التمرد في جزيرة أنجوان التابعة لجزر القمر فقد وافقت فرنسا على تقديم مساعدة طبية وغذائية عاجلة وبموافقة الحكومة القمرية، وحيت الحكومة الفرنسية قرارًا للسلطات القمرية بوقف المهمة التي كُلفت بها القوات العسكرية، للتدخل بقوة لإفشال التمرد، علمًا بأن المتمردين يطالبون بعودة الوصاية الفرنسية في جزيرة أنجوان، والاستقلال عن جزر القمر، وبدون شك، فإن باريس تعمل على تأكيد حضورها في منطقة إستراتيجية في المحيط الهندي، ولعل حضور وزير التعاون الفرنسي جوسلان في مدغشقر في هذه الفترة بالذات يدخل في إطار متابعة التطورات في المنطقة والدفاع عن المصالح الفرنسية هناك واتخاذ كل الإجراءات الوقائية لتوظيف أمريكي للأحداث لصالح الولايات المتحدة المنافس الرئيس لفرنسا في القارة الإفريقية.

ويمكن الربط بين المواقف الفرنسية في معالجة وتسيير الملفات الإفريقية، وبين المواقف الفرنسية فيما يتعلق بملفي الشرق الأوسط والبوسنة.

فقد أحدثت تصريحات وزير الخارجية الفرنسي فيدرين ضد نتنياهو وسياساته زوبعة سياسية ودبلوماسية بين إسرائيل وفرنسا، حيث وصف فيدرين هذه السياسة بـ«الكارثية»، صحيح أن هذه التصريحات جاءت بمناسبة اجتماع البرلمانيين الاشتراكيين في مدينة مونبلييه جنوب فرنسا استعدادًا للدورة البرلمانية القادمة، ولكن توقيتها له علاقة أساسًا بجولة أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وفرنسا من صالحها جلب الأنظار إليها في وقت كانت كل الأنظار مركزة على الدور الأمريكي في المنطقة، وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه التصريحات ليس المقصود منها التحيز الفرنسي لفائدة الأطراف العربية على حساب إسرائيل بقدر ما هو تذكير بوجوب الحفاظ على نوع من التوازن بين إسرائيل والعرب من خلال تجنب سياسة تقويض المسار المتفق عليه في مدريد، حيث تحدث وزير خارجية فرنسا عن أصناف الإهانة التي يتعرض لها الفلسطينيون على يد الإسرائيليين، مما سيجعل عرفات في وضع حرج، واعتبر أن «خيبة الأمل ستصل إلى مستوى لا مثيل له تقوي من نهج حماس والجهاد»، ووصف عرفات بأنه «شريك لا يمكن تعويضه في مسار السلام» الحالي، فالمحور الذي يدور حوله الموقف الفرنسي يتعلق بإنقاذ المسار المهدد بالانهيار التام وبالتالي ضياع مصالح القوى الكبرى في المنطقة، والنهج الديجولي الفرنسي يقتضي اعتماد سياسة توازن بين كل الأطراف لتجنب الانفجار الذي يأتي على الأخضر واليابس، مع العلم بأن فرنسا قد حققت أشواطًا مهمة في دعم حضورها في هذه المنطقة الساخنة من العالم منذ وصول شيراك إلى رأس السلطة، وبرزت الطرف الأكثر اعتدالًا في معالجة ملف الشرق الأوسط مما أكسبها قدرًا من المصداقية في وقت فقدت فيه الولايات المتحدة كل مصداقية نتيجة تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل.

أما فيما يتعلق بالملف البوسني، فقد جاءت تصريحات شيراك للصحيفة الألمانية «فوكيس» لتؤكد رغبة باريس في الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية، حيث دعا الرئيس الفرنسي إلى ضرورة تسليم القيادات الإقليمية العسكرية إلى الأوروبيين كشرط لاندماج فرنسا من جديد في منظمة الحلف الأطلنطي «ناتو»، وشدد على قدرة فرنسا وألمانيا العسكرية على الدفاع عن نفسيهما مثل بلدان الاتحاد الأوروبي.

الرابط المختصر :