; الخلافات الشيعية من إيران إلى لبنان الحلقة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان الخلافات الشيعية من إيران إلى لبنان الحلقة الثانية

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 741

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 12-نوفمبر-1985

الحلقة الثانية

قلنا في الحلقة الأولى من الخلافات الشيعية أن استقرار الطبقة السطحية لمياه البحر لا يعني عدم وجود تيارات في الأعماق تنتظر فرصتها لتتحرك نحو السطح، وقلنا: إن هذا المثل يعبر عن حقيقة الخلافات القائمة في الحركة الشيعية من إيران إلى لبنان، وتحدثنا في تلك الحلقة عن النموذج الإيراني والخلافات العديدة الدائرة في محيط الحركة الشيعية في إيران.

ونستعرض اليوم بعضًا من مظاهر هذه الخلافات الدائرة في محيط الحركة الشيعية في العراق.

ثانيًا: النموذج العراقي:

إن طبيعة التحرك السري الذي تنتهجه الحركة الشيعية في العراق تضع الدارس في موقف صعب؛ نظرًا لقلة المعلومات التي يمكن الحصول عليها بسبب ظروف العمل السري، إضافة إلى أن الحركة الشيعية في العراق هي حركة معارضة للنظام السياسي القائم في العراق، وبالتالي فإن فرصة الظهور على سطح الأحداث تبقى فرصة نادرة لا تسمح بتتبعها بخلاف الحركة الشيعية في إيران، التي تمكنت من إقامة دولتها وتحكيم منهجها وظهور قادتها ورجالها على سطح الأحداث.

ومع ذلك فإن التصاق معظم أطراف الحركة الشيعية في العراق بالثورة الإيرانية يسر لها مجالات إعلامية تنقل من خلاله أفكارها وأطروحاتها وممارساتها على الساحة العراقية،، إلخ.

ومن هنا فإن متابعتنا لأطراف الحركة الشيعية العراقية من خلال تصريحات قادتها ومحتويات صحفها ونشراتها وكتيباتها، التي تطبع وتوزع بمعرفة أجهزة الإعلام الإيرانية والسفارات الإيرانية في الخارج، تمكننا من الاستدلال على وجود خلافات عديدة وعميقة داخل جسم الحركة الشيعية العراقية.

دلالات الخلاف:

إن تأكيدنا على وجود خلافات عديدة وعميقة داخل جسم الحركة الشيعية العراقية يستند على عدة دلالات نبينها فيما يلي:

١- التعددية التنظيمية:

تعيش الحركة الشيعية في العراق التعددية التنظيمية بكامل أبعادها وصورها، وهذه التعددية تعبر عن حقيقة الخلاف، الذي تعيشه الحركة وخاصة أن هذه الحركة تخوض صراعًا مع النظام السياسي القائم في العراق؛ مما يستدعي أن تشكل الحركة جسمًا واحدًا تتمكن من خلاله تحمل أعباء هذا الصراع، ولكن رغم مرور هذه السنوات، فإن التعددية التنظيمية ما زالت هي السائدة على الساحة الشيعية في العراق، وهذا يدل على مدى تمكن الخلاف في جسم الحركة.

وباستعراض الأطراف التي يتكون منها جسم الحركة نرى أنها تتشكل من:

-        حزب الدعوة الإسلامية.

-        منظمة العمل الإسلامي.

-        المجلس الأعلى للثورة الإسلامية.

-        حركة المجاهدين العراقية.

-        جمعية العلماء المستقلين.

وهناك العديد من التنظيمات العديدة العاملة على الساحة الشيعية العراقية لا مجال لذكرها لكون التنظيمات التي ذكرناها تشكل العمود الفقري للحركة الشيعية العراقية، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه التنظيمات تتفق في الأهداف الاساسية كالارتباط بإيران، والصراع مع النظام السياسي القائم في العراق، ومحاولة إقامة جمهورية على النمط والمنهج والولاءات الشخصية والحزبية، أدت إلى وجود هذه التعددية بل، وإلى استمرارها، وبالتالي إلى فشل الحركة الشيعية العراقية في تحقيق أهدافها.

٢- الصراعات داخل الحركة:

إن وجود التعددية التنظيمية في الحركة واستمراره لعدة سنوات يؤكد على وجود صراعات مستحكمة بين أطراف الحركة الشيعية في العراق، ورغم محاولات احتواء هذه التنظيمات في هيكل تنظيمي واحد إلا أن هذه المحاولات باءت جميعها بالفشل، وحتى ما سمي بالمجلس الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية لم ينجح في احتواء هذه التنظيمات «ربما لسيطرة حزب الدعوة على المجلس»، وهذا بالتالي يؤكد على عمق الصراعات القائمة بين هذه التنظيمات الشيعية رغم إعلانها عن أهداف متماثلة.

 وتؤكد النشرات الصادرة عن هذه التنظيمات على وجود هذه الصراعات فيما تكتبه من مقالات وبيانات تعبر عن وجهة نظرها الرافضة لاتجاهات وأساليب التنظيمات الأخرى، وعلى سبيل المثال: فقد ذكرت إحدى هذه النشرات في مقال لها ما يلي:

«إن ساحة الجهاد يجب أن تترفع عن الإدعائية، والتعالي، وعلينا أن نسد الثغرة التي توجد عادة في الأحزاب العلمانية المعارضة، تلك هي ثغرة التنافس والتطاحن والاحتكاك بين التنظيمات الإسلامية المختلفة، وأن جمعها هدف مشترك».

وفي هذه المقالة تؤكد النشرة «وهي نشرة الرافدين الناطقة باسم حركة المجاهدين العراقيين» على أنه رغم الإعلان عن الأهداف المشتركة إلا أن التنافس والتطاحن وحتى الاحتكاك ما زال مهيمنًا على أسلوب عمل هذه التنظيمات.

وتتساءل النشرة في معرض نقدها لأسلوب عمل التنظيمات المختلفة: لماذا يعمد البعض إلى الغمز واللمز بالمجلس الإسلامي الأعلى؟.

وفي مقال لإحدى هذه النشرات يقول كاتبه: «إننا ندعو جميع العاملين في المعارضة الإسلامية إلى تحمل المسؤولية، وأن يترفعوا عن التشكيك والتوهين لبعضهم البعض، وبعيدًا عن الانقياد وراء الأمزجة الشخصية والطموحات الذاتية»، وما جاء في هذا المقال يدل على مدى تفاقم الصراعات بين التنظيمات وتبادل الاتهام على أن الأمزجة الشخصية والطموحات الذاتية هي سبب الخلاف.

ولم يسلم علماء الشيعة من هذه الصراعات؛ حيث تهاجم نشرة إحدى التنظيمات موقف بعض العلماء، فتقول: «إننا نجد بعض ما يسمى بعلماء الشيعة من كربلاء والنجف يعملون إلى جانب السلطات العراقية من أمثال «علي كاشف النطاء» و«علي الموسوي» و«عدنان البكاء» و«هاشم نصر الله» و«محمد حسين الصغير» و«عبد الحسين الدرامي»، وغيرهم».

ويقول المقال في معرض تحدثه عن الانفصال الواقع بين علماء الشيعة وبين جماهيرها: «إن بعض التنظيمات لا تزال محدودة النشاط؛ نظرًا للالتزامات الحزبية الضيقة، إننا لا نشجب التنظيم، لكننا نحذر من الحزبية الضيقة؛ لأن المطلوب أن تنضوي الجماهير تحت راية علماء الدين الثوريين!!!، ولكن للأسف فحتى الآن لم تبرز في الساحة العراقية قيادة العلماء التي تنال تأييد المسلمين العراقيين وخاصة بعد فقدان آية الله باقر الصدر».

 وقد ردت جمعية علماء الشيعة المستقلين على هجوم بعض التنظيمات الشيعية محيلة أسباب الفشل في تفجير الوضع في العراق إلى العناصر الدخيلة على المعارضة الإسلامية من التنظيمات، التي وضعت مصلحة الحزب «في إشارة لحزب الدعوة» فوق مصلحة الثورة.

وفي هذا يقول أحد بيانات جمعية العلماء المستقلين: «إن أسباب فشل الثورة الإسلامية في العراق في تحقيق أهدافها يعود إلى ضمها لعناصر دخيلة معروفة بتاريخها غير الشريف، ولا يمكن لأي مسلم أن يقبل قيادتهم».

ويتهم تجمع علماء الشيعة المستقلين حزب الدعوة بأنه يعمل على القضاء على كيان العلماء ببث التفرقة بينهم، وضرب بعضهم مع بعض، وسجب قيادة الشيعة من العلماء إلى الحزب، وهذا كله يؤكد على مدى احتدام الصراعات داخل جسم الحركة الشيعية العراقية، والتي تعتقد أنها العامل الأساسي في فشل هذه الحركة من تحقيق أهدافها على الساحة العراقية.

٣- التباين المنهجي:

إن الخلاف والصراع بين أطراف الحركة الشيعية لم يقتصر على أسلوب العمل، ولكن امتد إلى القضايا الفكرية؛ حيث أصبح التباين المنهجي بين هذه الأطراف سمة أساسية في دائرة الصراع بين أطراف الحركة الشيعية العراقية، وسوف تقتصر هنا على استعراض بعض ما ورد في أطروحات هذه الأطراف للدلالة على وجود هذا التباين.

تقول إحدى النشرات الصادرة عن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق:

«إن حركة الثورة الإسلامية في العراق لا يمكن لها أن تستمر إلا بالانضواء تحت قيادة ومرجعية الإمام العظيم الخميني، وولاية الفقيه التي هي تجسيد موضوعي لحركة الأنبياء في المجتمع البشري».

وما جاء في نشرة المجلس الأعلى تشير إلى وجود أطراف رافضة لمبدأ ولاية الفقيه، وبالتالي فإنها ترفض مرجعية الإمام الخميني، ولهذا فإن إحدى النشرات الصادرة عن أحد هذه الأطراف تقول في ردها على المجلس الأعلى: «المطلوب من القوى المجاهدة على اختلاف مناهجها أن تلتحم مع بعضها في صيغة عمل أوسع وأمتن من نطاق المجلس الإسلامي الأعلى»، وتقول: إن المطلوب من التنظيمات الشيعية أن تنبذ أولئك المزايدين والنفعيين، والحذر من مزايداتهم في طرح الشعارات الحماسية»، وذلك في إشارة لحماس المجلس الأعلى إلى مرجعية الخميني وولاية الفقيه.

وتقول إحدى النشرات الصادرة عن المجلس الأعلى: «إن بعض حركات المعارضة الإسلامية في العراق تحاول القفز على السنن التاريخية والأطروحات الأصيلة؛ لتقع في شباك النفعيين والمنافقين، إن هذه الحركات مطالبة بطاعة الفقيه الولي في كل شيء دون التقيد بولاءات شخصية زائلة أو ولاءات حزبية ضيقة».

هذه بعض الأطروحات التي تشير إلى أن التباين المنهجي بين أطراف الحركة الشيعية العراقية هو أحد العوامل الأساسية في الخلافات والصراعات الدائرة داخل الحركة.

 ولو أضفنا هذا العامل إلى العوامل الأخرى كالصراعات الداخلية التنظيمية والتعددية الحزبية؛ لتبين لنا أن هذه العوامل تؤدي حتمًا إلى فشل الحركة الشيعية العراقية في تحقيق أهدافها على الساحة العراقية.

الرابط المختصر :