; الخلافة في تونس منافسة على غيب | مجلة المجتمع

العنوان الخلافة في تونس منافسة على غيب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1983

مشاهدات 64

نشر في العدد 615

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 05-أبريل-1983

  • الإسلاميون هم المستثنون من التعددية الفكرية السياسية هناك.
  • الاتجاه الإسلامي يقتحم أرض اليسار التي لا تخترق.
  • مسألة الخلافة تملأ فراغًا عريضًا في الساحة التونسية.

     تدور في المجتمع التونسي -ومنذ فترة ليست بالقصيرة- أحاديث عن الخلافة ومشكلتها القائمة هناك، والحق أن إثارة هذه المشكلة لیست جديدة، فقد بدأت منذ عام ١٩٧٠ م حينما أصيب بورقيبة بجلطة دموية، وتعطل عن أداء مهامه لفترة ستة أشهر، فمنذ ذلك التاريخ بدأ الهمس يزداد، ويعلو حول خلافته ومن هو ذو الكفة الراجحة من ذلك

     والحق أن الأسماء التي تدوولت للخلافة منذ ذلك التاريخ ليست بالقليلة، وهم دائمًا أولئك الذين يكونون في منصب الوزير الأول رئيس الوزراء، وكلما علا نجم أحدهم غاب فجأة، وعزل عن الحياة السياسية، أو أبعد عنها بصورة ما، وقد استمرأ الناس منذ ذلك التاريخ سنة ۱۹۷۰م لعبة تسمية «الخليفة» هذه، ولعلها تملأ فراغًا عريضًا في الحياة هناك، بل إن بعض المحللين يذهب إلى أن المسألة في نفسها مختلقة، وهي بمثابة الحدث المفتعل الموظف لخدمة النظام، فالوجه الحقيقي للموضوع هو أن يظل الصراع بعيدًا عن شخص الرئيس، وأمر خلافته في النهاية هو منافسة على «غيب» وليس على «حضور»، وطالما أن الحضور في مأمن فلينقطع المتشاكسون في المجهول ما شاءوا.

انتهاء المهمة:

     إن بورقيبة قد بلغ التاسعة والسبعين من العمر، وهو على سدة الحكم لوقت يقرب من ثلاثين عامًا، وعمره السياسي أكثر من خمسين عامًا، ومنذ عودته من فرنسا في العقد الرابع من هذا القرن وبورقيبة هو بورقيبة لم يتغير قيد أنملة، تبنيه للأنموذج الغربي الفرنسي، وحرصه على تسويد القيم التي تشبع بها إبان دراسته في فرنسا، وما إليه من هذه الأمور.

      ولو تأملنا في مشروعات بورقيبة خططه السياسية التي طرحها على ساحة تونس منذ مناداته بالحزب الدستوري الجديد، والذي تحول إلى الحزب الاشتراكي الدستوري سنة ١٩٣٤ م، فإن الرجل قد نجح حقًا في إنجاز مهمته التي انتدب نفسه لها، والمخلصة في صبغ تونس وتشبيعها بالمنهاج الغربي للحياة، والتنمية، والتوجيه.

     وحينما نقول بورقيبة فإننا نعني جيله ورفاقه من الذين آمنوا بها أمس، والتزموا نهجه وسبيله، وحرصوا على تطبيق كل مسلماتهم بتفاصيلها وحيثياتها.

     ووفقًا لهذه المهمة والدور فإن بورقيبة قد أنجز ما انتدب نفسه له، والحق أنه قد فرغ من ذلك منذ زمان طويل.

     ولن يغير بقاؤه أو رحيله من الأمر شيئًا، وبالتالي فإن مسألة الخلافة مسألة شكلية بحتة وفقًا لهذا المعيار، ولا قيمة لها ولا رصيد، واقتلاع تونس من واقعها الحالي أمر يحتاج إلى زمان ليس بالقليل، وإلى جيل جديد مباين في مفاهيمه وتصوراته لكل الماثل والمعتد الآن على ساحة تونس.

الإرث الماثل:

     حينما زار أحد الصحفيين العرب تونس، ونزل عاصمتها لفت نظره تلك المقاهي الكبيرة الممتدة على جانبي الطرقات، وذلك العدد الكبير من عمارها، والذين يشكل الشباب غالبيتهم العظمى، وحكى ذلك الصحفي ملاحظاته حول هذا الشباب الذي يدخن بشراهة شديدة، ويعب «البيرة» في جوفه عبًا، انظر الوطن العربي 27/1/1983 م، وهذا تجسيد للإرث والنتاج البورقيبي المتمثل في هذا الشباب، كما يمثل من ناحية أخرى التصورات الحاكمة والفلسفة السياسية الحكيمة بالنسبة لتونس بورقيبة، فهل فلسفة تأبى أن ينازعها الناس سلطتها المدعاة.

     وتحجز عليهم حقًا في التعبير العلمي الجاد على أنها تزعم أنها أعطت الحرية للناس، وتركتهم وشأنهم في مسلكهم، وملبسهم، ومشربهم، ولا عليها إن حرق الشباب جوفه بالخمر، أو دمر نفسه بغير ذلك، فليست تلك مهمتها «ويكفيه» أنها تركته «حرًا» في هذه المجالات، يصنع ما بدا له، على أن لا يطال عمله حمى «المجاهد الأكبر» والسلطة التي تمثله.

     وهذه إحدى تجسيدات البورقيبية، هذا الفهم للحرية الجزئية، والتي يمكن أن تكون تدميرًا للقيم، أو دفنًا للذات، أو أي شيء آخر، أما أن تكون الحرية تعبيرًا عن آمال أمة أو مناداة بقيم السماء فتلك ممارسة تضع صاحبها تحت طائلة القانون والملاحقة الأمنية.

والديمقراطية كيف حالها؟

     مع الكم القولي المهول عن الممارسات الديمقراطية هناك إلا أن الواقع لا ينهض بتصديق ذلك إلا في حدود ضئيلة جِدّا، ولعله لولا انفجارات يناير ۱۹۷۸م، والتي سقط فيها العشرات من القتلى؛ لما تسامح النظام، وتنازل عن تمسكه المطلق بالحكم. فبعد تلك الأحداث العصيبة، وما تلاها من انفجارات قصفته، والتي أدت إلى تدخل بعض الفصائل من القوات الفرنسية المسلحة اضطرت السلطة أن تفتح غطاء «الغلاية» قليلًا قبل أن يطير من تلقاء نفسه، وسمحت بشيء من التعددية الحزبية المحدودة، ولكن المنافسة الانتخابية لم تبتعد عن أيادي السلطة؛ بحيث جاء البرلمان في غالبيته منتميًا للحزب الحاكم، وقد حضر جمع من المراقبين تلك الانتخابات، وأبدوا تشككهم في نزاهتها جملة وتفصيلًا.

ما لا يتسع لتسامح النظام:

     على أن مسامحة النظام وتنازله عن القبض على السلطة له استثناء لازم وهو المجموعة الإسلامية، فوفقًا لتصريحات المسؤولين: ليس مسموحًا لهذه الفئة بالمشاركة السياسية؛ وذلك لسبب واضح في ذهن النظام هو أنه لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين -على حد ما كان يردد السادات من قبل- وإذ إن الأمر هكذا فلا مكان للإسلاميين للتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم، وهم إن صرحوا بذلك فإنهم يخونون المبادئ البورقيبية، وسيجرمون مثلما جرم إخوانهم في تركيا بجريرة مماثلة لهذه خيانة المبادئ الأتاتوركية، وجزاء هؤلاء الخونة معلوم حيث يستودعون السجون الآن.

الصراع الداخلي أين بلغ؟

     إن الساحة التونسية تكاد لا تخلو من تمثيل لأي فكرة سياسية نعق بها ناعق، بدءًا من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار. فالليبراليون بأشكالهم وهرطقاتهم، واليساريون بمختلف مدارسهم وامتداداتهم، والعقائديون المعتنقون للقومية العربية، وغيرها- لكل من هؤلاء نصيبه المحفوظ في الساحة السياسية والفكرية، وهذه الاصطراعات الفكرية السياسية بدأت تتخذ طابعًا عنيفًا منذ أحداث قفصة، التي اتهمت ليبيا بتحريكها، ونهاية بأحداث الطلبة الجامعيين والتي استخدمت فيها وسائل عنف عديدة، ولم تقتصر حوادث العنف على جانب الذكور فقط؛ فإحدى الطالبات في الجامعة صفعت أستاذها على وجهه.

     والعبرة ليست بهذا التعدد الكثير للتوجهات المتناقضة والمتضاربة من خلال مجتمع واحد، وإن كان ذلك أمرًا غير هين، ولكن تونس لم تنفرد به، وإنما العبرة في مثول هذه الأشياء وتفجرها المتلاحق بعد أن مكنت البورقيبية عمرًا يساوي جيلًا من الناس، فبعد أن سيطر بورقيبة على مقاليد السلطة والحزب يصرفها كيف يشاء، ويضحي له بكل من لا يروق له من مناهضيه في التفاصيل لا الأساسيات، وبعد السيادة المطلقة والاحتكار الإعلامي الكامل، والصياغة الخاصة للمناهج والمقررات السياسية- بعد كل هذا الجهد المبذول تتفجر الساحة التونسية بهذه الصراعات والاتجاهات، والتي تكاد كلها تجمع على شيء واحد: مناهضة الحزب الحاكم

والاتجاه الإسلامي:

     وهذا الاتجاه يشكل نموه وظهوره من خلال هذا الصراع المحتدم غريبة من الغرائب، وظاهرة شاذة، وبحق، فليس غريبًا أن تزدهر المبادئ اليسارية أو اليمينية بمختلف صورها وأشكالها؛ فهي إفراز طبيعي للتوجه اللاديني، ونتيجة منطقية للنهج المتين في عمومه.

      ولكن ظهور الاتجاه الإسلامي -والذي أتى في فترة متأخرة لا تتجاوز العقد الفائت من هذا القرن الميلادي- يحتاج إلى تفسير وتأويل، وجدير بالذكر أن حرب هذا الاتجاه ليست قاصرة على أجهزة السلطة القمعية فقط، بل حربه مشتركة بين جميع الفصائل المتناقضة السلطوية منها، وغير السلطوية.

     والعجيبة الثانية أنه برز أول ما برز في قلعة العلمانية اللادينية -المؤسسة الجامعية- وهذا ما جعل أحد البحاثة التونسيين -عبدالقادر زغال- مجلة الواقع، عدد 4 سنة ١٩٨١م، يحار من دخول هذا الاتجاه الجامعة «أرض اليسار التي لا تخترق»، كما سماها، وعن انتشاره السريع والمتنامي في أوساط الشبيبة في المراحل الثانوية على العموم، والأعجب من هذا سرعة نموه وانتشاره التي تجعل المراقبين والمحللين يتضاربون في تفسيرها، فمن ناسبٍ ذلك إلى جهات خارجية؟ ومن فسر ذلك بأسباب اقتصادية مادية؟ وما إليه من هذه المقولات التي لا تشفي غليلًا.

     وهو في الحقيقة ومع تجسيده لتطلعات الأمة وانبثاقه من ضميرها بلا ريب، فالغرابة بعيدة عنه بكل تأكيد، إلا أنه يأتي في الحقيقة قمة التجسيد لآمال الأمة ورؤيتها لغدها من خلاله، وانتشار مدة في الأوساط الشابة، يعني أنه مذخور للغد مهما كان هذا الغد بعيدًا في تصورات البعض.

وجهة تونس الحالية:

     إن المعاناة في تونس ليس قاصرة على المجال الفكري بتجسد التوجهات الفكرية المتضاربة فيه، ولكنها متعددة الوجود في الاقتصاد والتنمية، وفي حياة المجتمع العامة، وفي الفروقات المهولة بين فئات المجتمع التي تدعم المدرسة اليسارية بمادة ضخمة للتنظيم الماركسي، وصور الانفجارات المتلاحقة خلال السنوات الخمس الأخيرة تكاد تشير إلى تسارع السعي لسبيل جديد.

     وربما لم يكن اليوم يوم الإسلاميين تمامًا، ولكنهم في النهاية يظلون الكنز المذخور لتونس الغد بعد أن يستسلم الجميع، ويعلنوا إفلاسهم التام.

     وعليه فليس الوقت وقت جدل حول من يخلف بورقيبة، وإنما هو «ما» الذي يخلف بورقيبة؟

الرابط المختصر :