العنوان الخلفيات العدوانية للتحركات الأمريكية
الكاتب نبيه عبد ربه
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1975
مشاهدات 77
نشر في العدد 235
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 04-فبراير-1975
الخلفيات العدوانية
للتحركات
الأمريكية
هناك قاعدة عامة في السياسة الأميركية الخارجية وهي «أن الصهيونية هي صاحبة السيادة الأولى في أميركا فيما يخص قضية الشرق الأوسط، وأن رئيسها هو الرئيس الفعلي للولايات المتحدة في كل ما يخص هذه القضية» هذا القول للزعيم الصهيوني «وايزمان» قاله في الخمسينات حين كانت الصهيونية تدير دفة الحكم في أميركا من وراء ستار، أما الآن وقد تصدر الزعماء الصهاينة المراكز الرئيسية والحساسة جهارًا نهارًا في أميركا فإن من المؤكد أن جميع إمكانيات أميركا الداخلية والخارجية لا بد أن تسخر لتحقيق أهداف الصهيونية وإسرائيل أولًا، والذي يتتبع مسيرة السياسة الأميركية يجد هذه الحقيقة واضحة لا تحتاج إلى برهان، وذلك أن المصلحة الأميركية تأتي بالدرجة الثانية بعد المصلحة الصهيونية، فالشعب الأميركي يتحمل الضرائب الباهظة وغلاء المعيشة ويقطع عنه البترول وفي نفس الوقت تستنفر القوات الأميركية جميعها، وتعطى إسرائيل الأسلحة التي يحتاج إليها الجيش الأميركي، وتمد إسرائيل ببلايين الدولارات تقتطع من دم الشعب الأميركي وعرق جبينه، كل هذا من أجل «سواد عيون» الصهيونية وإسرائيل، ولو كان حكام أميركا أميركيين حقًّا أو على الأقل يعملون لمصلحة أميركا لانحازوا بالسياسة الأميركية إلى جانب الحق والعدل إذ إن إسرائيل هي المعتدية والعرب هم المعتدى عليهم، فالمصالح الأميركية في البلاد العربية عظيمة جدًّا إذ إن أميركا استطاعت أن تحصل في مدة وجيزة من بترول العرب- بغير حرب- أضعاف تكاليف الحملات العسكرية الاستعمارية التي شنها الأقدمون على البلاد العربية منذ أكثر من ألفي عام، وبإمكانها أن تحصل على أكثر من ذلك إذا هي عملت على إحقاق العدل وإيقاف المعتدي عند حده.
ولكن الحقيقة التي لا خلاف فيها أن أميركا بعيدة كل البعد عن الحق والعدل وهي تعيش في عالم تحكمه شريعة الغاب، لأن السياسة الأميركية اليوم توجه من قبل الصهيونية لتحقيق كل ما فيه مصلحة لإسرائيل، ولا يتهم الصهاينة بعد ذلك أن تتحقق المصلحة القومية الأميركية أم لا، ولما كانت الصهيونية مصرة على تحقيق أهداف إسرائيل التوسعية، وأن حرب رمضان أثبتت لها استحالة تحقيق هذه الأهداف بالجهد الإسرائيلي لوحده، وأن السبيل الوحيد لذلك هو زج الولايات المتحدة إلى جانبها في حرب خامسة ضد العرب واجهتها تحقيق المصالح الأميركية بالاستيلاء على منابع النفط، وحقيقتها تحقيق الأهداف التوسعية الصهيونية، ومما يؤكد نية اليهود التوسعية هذه- حتى ولو وقع العرب معهم عشرين صلحًا- ما صرح به «إسحاق رابين» رئيس وزراء العدو لجريدة «هاآرتس» الإسرائيلية فقال: يجب على إسرائيل أن تضيع الوقت حتى تمر السنين السبع العجاف القادمة فيتخلص الغرب من اعتماده على بترول العرب باستنباط مصادر جديدة للطاقة، فتضرب إسرائيل الجبهة السورية ضربة مفاجئة بادعاء أن سوريا خالفت شروط فك الارتباط بوضع عدد أكبر مما تسمح به الاتفاقات من الدبابات وبطاريات المدافع الثقيلة في منطقة القوات المحدودة، مع خلق موقف معين يمنع المصريين من دخول الحرب خلال الأيام الحيوية الأولى إلى جانب سوريا» (١).
وأعتقد أن الصهيونية قد استطاعت أن تزج بالولايات المتحدة في حرب غير معلنة- وقد تعلن قريبًا- في الشرق الأوسط، إذ أن لدى أمريكا خططًا محددة لغزو الوطن العربي، فهذا «كيسنجر» يقول: «أن لدى الولايات المتحدة خطة جاهزة لاحتلال منابع النفط في حالة الضرورة القصوى» أما الرئيس الأمريكي فورد فقد أكد تصريح وزير خارجيته هذا حين قال: «أنني أؤيد الرأي الذي أعرب عنه كيسنجر لأن كلمة- اختناق العالم الحر- هي مفتاح القضية» «۲» ولكن أمريكا تعلم أن منطقة الشرق الأوسط ليست سهلة المنال لأن المصلحة فيها للعالم كله: للكتلة الشيوعية والكتلة الأوروبية، كما أن المصلحة الأولى والأخيرة فيها للعرب والمسلمين الذين سيدافعون عن بلادهم وثرواتهم إلى آخر قطرة من دمائهم، ولهذا فأن الصهاينة الأمريكان لن يشنوا هجومهم على منابع النفط قبل أن يتعرفوا على وجهات ؟؟؟ هذه الكتل ويحاولوا كسبها إلى طرفهم، فيضمنوا المعركة السياسية قبل ضمان المعركة العسكرية، ولكن الأمريكيين المخلصين لبلادهم يخشون أن يؤول حال أمريكا إلى مثل ما آل إليه حال بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعد العدوان الثلاثي عام 1965م، أذ أن الرابح الوحيد في هذه الحرب كانت إسرائيل أما بريطانيا وفرنسا فلم ينلهما إلا الهزيمة والعار.
فالتحرك الأمريكي على المستويين السياسي والعسكري يهدف إلى «جس نبض» جميع الكتل التي لها مصلحة في الشرق الأوسط ومعرفة «ردود الفعل» عند كل كتلة من هذه الكتل، ومحاولة كسب تأييدها للجهود الأمريكية الرامية إلى الاستيلاء على مصادر الطاقة لتأمين الطاقة للدول الصناعية- كما يدعي الأمريكيون؟! فعلى المستوى السياسي: كان الاجتماع بين فورد وبريجنيف في «بلاد فستق» وطبعا كانت واجهة هذا الاجتماع «اتفاقية حظر الأسلحة النووية» أما الحقيقة التي اثبتتها الأيام فهي أن قضية الشرق الأوسط كانت موضوع البحث، إذ كيف يمكن لروسيا وأمريكا أن تبحثا موضوع الأسلحة النووية وهما مختلفتان اختلافًا تامًا في الأمور التجارية، واللقاء ؟؟ الأمريكي والروسي كان ؟؟ طلب أمريكا نفسها مما يؤكد أن أمريكا تعمل لتنفيذ مخطط محدد، وهذا اللقاء جزء من خطة مرحلية لتنفيذه، فإذا لم يحقق لأمريكا الاتفاق مع روسيا على توزيع مناطق النفوذ في العالم بحيث تكون منطقة الشرق الأوسط من حصة أمريكا، فأنه على الأقل يكون بمثابة «جس النبض» لروسيا والتعرف على آراء زعمائها فيما لو قامت حرب جديدة في المنطقة.
وكان الاجتماع الثاني في المخطط الأمريكي بين الرئيسين الفرنسي ديستان والأمريكي فورد في جزر «المارتنيك» باعتبار فرنسا زعيمة الكتلة الأوروبية المناهضة للسياسة الأمريكية، وكان واضحًا أن موضوع البحث في ذلك الاجتماع كان قضية الشرق الأوسط بما فيها قضية الطاقة ولكن الأمريكيين فشلوا- كما يبدو- في كسب فرنسا لطرفهم إذ أن الموقف الفرنسي ازداد صلابة في معارضته للمخططات الأمريكية بعد هذا الاجتماع ففرنسا ترى حل قضية الطاقة بالتفاهم- وليس بالحرب- بين الدول المالكة للبترول وبين الدول المستهلكة له، كما ترى ضرورة حل القضية الفلسطينية بانسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1967م والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، وهذه الآراء تتعارض تعارضًا تامًا مع آراء الأمريكيين.
وتستمر عملية «جس النبض» الأمريكية فتشمل قياس ردود الفعل عند الدول العربية والإسلامية. فمنذ حرب أكتوبر دخلت المحيط الهندي ست قوى بحرية أمريكية كان آخرها تحرك القوة النووية البحرية التابعة للأسطول السابع الأمريكي- والتي تتكون من حاملة الطائرات «انتربرايز» التي تعمل بالطاقة النووية وتحمل 80 قاذفة مقاتلة من طراز «ف- 4» وتضم الطراد «لونج بيتش» حامل الصواريخ النووية، ومدمرة مزودة بالصواريخ النووية وسفينتين للتموين والوقود والذخيرة، وتقول «الأسوشيتدبرس» أن هذه القوة ستنضم إلى القوة البحرية الأمريكية التي تعمل من قاعدتها في البحرين «وأذاع التلفزيون الفرنسي فيلمًا عن مناورات إنزال الجنود التي يقوم بها الأسطول السادس الأمريكي على شاطئ سردينيا، وصرح الأميرال «فرانك تورنر» قائد الأسطول السادس بأننا لا نريد القيام بأي غزو ولكننا على أتم استعداد لتنفيذ أية خطة نكلف بها وأعلن المتحدث بوزارة الدفاع الأمريكية أن هذه التدريبات مجرد مناورات روتينية» (۱)
وكانت ثاني عمليات «قياس ردود الفعل» عند العرب فيما لو حاولت أمريكا الاستيلاء على منابع النفط الرسالة التي بعث بها الرئيس فورد إلى الشيخ
زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات. وقالت صحيفة السياسة الكويتية
(١٣-١-١٩٧٥) أن فورد طلب في رسالته السماح لمدمرتين أمريكيتين موجودتين في مياه الخليج بالقيام بمناورات تتضمن عمليات إنزال لمدة محدودة قرب جزيرتين تابعتين لدولة الإمارات العربية.
وكانت ردود الفعل العربية «كلامًا» لم يخرج حتى الآن إلى حيز التنفيذ بالرغم من وصول الخطر إلى بلادهم، فالرئيس السادات قال «إنه يؤيد ما أعلنه الرئيس بومدين من أن العرب يفضلون نسف حقول البترول على وقوعها في أيدي الغزاة» أما وزير خارجية دولة الإمارات فقد قال «إننا جزء من العالم العربي وسوف تنفذ على الفور أي قرار يتخذه العرب بنسف آبار البترول إذا قامت واشنطن بتنفيذ تهديداتها».
وينقسم الرأي حول جدية التهديدات الأمريكية إلى قسمين رئيسيين:
• أما الرأي الأول فيقول: إن أمريكا تشن على العرب «حربًا نفسية» لكي يخفضوا أسعار بترولهم، وإن أمريكا تقدر صعوبة تنفيذ تهديداتها نظرًا لتباعد حقول البترول في مساحات واسعة، وإنه إذا نسف العرب حقول البترول فإن تشغيلها مرة آخرى يحتاج إلى سنتين على الأقل وخلال ذلك ستضيع على الدول الصناعية كميات هائلة من الطاقة، وحتى إذا لم ينسف العرب حقول بترولهم فسيكون على الغزاة أن يحرسوا مئات الأميال من أنابيب البترول المعرضة لهجمات الفدائيين، هذا بالإضافة إلى احتمال وقوع مواجهة عسكرية بين أمريكا وروسيا وهو ما لا تريده أمريكا في الوقت الحاضر.
• أما الرأي الثاني: فيحمل التهديدات الأمريكية على محمل الجد، ذلك لأن أمريكا محكومة الآن من قبل الصهيونية، وهذه يهمها في الدرجة الأولى تحقيق أهداف إسرائيل التوسعية ولو كان ذلك على حساب العالم كله وفي مقدمته الشعب الأمريكي، وتقوم الخطة الإسرائيلية على أساس «خلق موقف» معين في البلاد العربية يشغل الجيوش والطاقات العربية عن مواجهة إسرائيل بحيث تتوزع طاقاتها بين عدوين أو أكثر مما يضعف موقف الجبهات العربية أمام الجيوش الإسرائيلية، وعندئذ تشن إسرائيل حربًا خامسة على العرب فإذا نجحت في تحقيق أهدافها لم تتدخل الجيوش الأمريكية في المعركة وإذا لم تنجح فإن الجيوش الأمريكية تكون على استعداد لإنقاذها، ومما يؤكد هذه الخطة أن إسرائيل بدأت تغير استراتيجيتها العسكرية من استراتيجيتها «الحرب الخاطفة» إلى «الحرب الطويلة» ولهذا فهي تكدس الأسلحة والبترول والمواد التموينية ببلايين الدولارات استعدادًا للحرب القادمة. ومن المفيد هنا أن نسترجع قول إسحاق رابين الذي أوردته في بداية هذا المقال: «فتضرب إسرائيل الجبهة السورية ضربة مفاجئة... مع خلق موقف معين يمنع المصريين من دخول الحرب خلال الأيام الحيوية الأولى إلى جانب سوريا».
ومما يؤسف له أن معظم الدول العربية مقتنعة بالرأي الأول، والدليل على ذلك أقوال زعمائها والمواقف العملية لحكامها، فلم نر أي استعدادات جديدة في المنطقة كتسليح الشعب وتدريبه على الحرب النظامية وحرب العصابات، في الوقت الذي اعلنت فيه فنزويلا- وهي غير مقصودة بالتهديدات- حالة الطوارئ في حقول البترول الخاصة بها.
هذه الحقائق اسوقها للشعوب والحكام العرب على السواء، وهي حقائق مصيرية لا تحتاج إلى تأجيل أو تسويف، نأمل أن يؤدي الحكام والشعوب واجبهم لحماية بلادهم وثرواتهم وأن يكونوا على مستوى المعركة كما عليهم أن يأخذوا التهديدات الأمريكية مأخذ الجد إذا لم يكن من باب الواقع فليكن على سبيل الاحتياط، قبل أن يأتي عليهم يوم يندمون فيه حيث لا ينفع الندم. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل