; الخلل في المسيرة الشعبية، إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان الخلل في المسيرة الشعبية، إلى أين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1955

نشر في الصفحة 37

السبت 04-يونيو-2011

تعجب حين ترصد ظاهرة الكفاح الوطني في الأمة، فيتبين لك أن ارتفاع الزخم في وعي الأمة كان زمن الاستعمار أعلى بكثير منه بعد رحيله، وعزم الرجال والشباب في الشعب أقوى منه بعد التحرير والانعتاق من براثنه، وقد تخيلنا بعد هذه الظاهرة أن تلك قد تكون استراحة محارب، تعقبها نهضة كفاح أخرى في الأمور العلمية والثقافية والاجتماعية والصناعية، ...إلخ. 

ولكننا لاحظنا أن ذلك كان همودًا وخمولًا استدام وتواصل حتى مله الناس من عرب ومن عجم، وأغرب من ذلك وأعجب أن تسود في الأمة كمية من الانحرافات الاجتماعية والخلقية والنفسية، فتنقلب الأمور رأسًا على عقب، وتتبدل المفاهيم والمصطلحات حتى يصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، في زمان يصدق فيه الكذاب، ويكذب فيه الصادق، وينطق فيه الرويبضة السفيه التافه يتكلم في أمر العامة، فكيف إذا قاد السفهاء الأمة وأخرسوا صوتها حتى قال أحد الشعراء ساخرًا:

لن يقال الحق يا ولدي وفي الحق مراء

فاعبد الطاوغوت يا

ولدي ودع عنك السماء

ودع المصحف يا ولدي إذا الميثاق جاء

فيه جاء نبي بل كل الأنبياء

ودع الصدق فإن الصدق طبع الأغبياء

وتعلم لغة القوم أحاديث الرياء

ولتقل كل صباح ولتقل

كل مساء: كيف كنا؟

كيف أصبحنا؟ وكيف الأمس جاء؟

هذه مصر وفرعون بها كيف يشاء

دولة المزور وقد دامت فيا مر البقاء

وبعد رصد هذه الظاهرة من أحد جوانبها، يتبين لنا أن هناك خللًا في المسيرة القومية:

أولًا: في السلطات التي اقتنصت هذه الشعوب واستولت على مقدراتها وأحلت نفسها مكان المستعمر، وسخرت أجهزة الدولة، وكفرت بأنعم الله في كل شيء، وأخذت في قهر الناس وإذلالهم باسم الوطنية، وتارة بوهم التقدم والإصلاح ولو تجاوز ذلك إلى هدم عقائد الناس والمقدس عندهم، وإليك أمثلة على ذلك حين تجاوز «بورقيبة» الخطوط الحمراء عندما أمر التونسيين بعدم صيام شهر رمضان؛ بحجة أن التنمية الاقتصادية هي بمثابة «الجهاد الأكبر»، وبما أنه ولي أمرهم أفطر أمامهم في حركة استعراضية، لقد أحدثت رجة قوية في تونس وفي العالم. 

أصدر عام ١٩٥٦م قانونًا يقضي بتحريم تعدد الزوجات، وقانونًا ثانيًا يحرم زواج الرجل من مطلقته التي طلقها ثلاثًا بعد طلاقها من زوج غيره، وثالثًا يبيح التبني الذي حرمه صريح القرآن، ثم ألغى المحاكم الشرعية، وأغلق الديوان الشرعي، ووحد القضاء التونسي وفق القوانين الفرنسية. 

كما طعن «بورقيبة» في القرآن ووصمه بالتناقض، وأنه مليء بالخرافات، ويقول في هذا: «إن في القرآن تناقضا لم يعد يقبله العقل في قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة: ٥١)، وآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد: ۱۱)، ونال أيضًا من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال عنه: إنه كان عربيًا بسيطًا يسافر كثيرًا عبر الصحراء العربية، ويستمع إلى الخرافات والأساطير البسيطة السائدة في ذلك الوقت وينقلها إلى القرآن.

واتهم «بورقيبة» الشريعة بالنقص والخطأ في معاملة المرأة، وعزم على سن قانون يسوي بين الذكور والإناث في الميراث وفي هذا الإطار فقد ألغى القوامة للرجل في المنزل، وحرم اللباس الشرعي على المسلمات، بدعوى أنه لباس طائفي يرمز إلى مذهب متطرف هدام، وقام باعتقال مئات النساء المتدينات بتهمة ارتداء الحجاب وقام بتعميم نوادي الرقص المختلط في المدن والقرى، وأطلق حملة لتصفية الكتب الإسلامية من الأسواق باعتبارها مصدر التطرف، وأجبر طالبات كلية الشريعة بجامعة الزيتونة الإسلامية على المشاركة في مسابقات للسباحة وهن يرتدين المايوه «البكيني»، كما قام بعمل مدن جامعية مختلطة لطلاب الجامعة التونسية، مما أدى لانتشار الفواحش الأخلاقية، وقد أفزع هذا الكثير من علماء العالم الإسلامي، وطالبوا «بورقيبة» بالرجوع عن هذه الآراء. 

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في ذلك: «وقد أفزع هذا المقال كل مسلم قرأه أو سمعه، لما اشتمل عليه من الكفر الصريح، والجرأة على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله من مسؤول دولة تنتسب إلى الإسلام» «الفتاوى ١/ ٨٤».

بعدها أرسل عدد من علماء العالم الإسلامي برقية يطلبون منه الاعتذار والدخول في الإسلام مجددًا، لكنه رفض وأصر على ردّته وعناده وكفره. 

وكانت الرسالة موجهة من المشايخ: «عبد العزيز بن باز يرحمه الله، وحسنين مخلوف مفتي مصر، وأبو بكر جومي رئيس قضاة نيجيريا، ومحمد أمين المصري». 

ومما جاء فيها: «فالواجب عليكم المبادرة إلى التوبة والعودة للإسلام، وإلا وجب عليكم المبادرة إلى التكذيب الصريح، ونشره في العالم بجميع وسائل النشر، وإعلان عقيدتكم الإسلامية، وإن عدم التكذيب دليل على الإصرار على الردة ومثار فتن لا يعلم عواقبها إلا رب العالمين». 

أمتي كم صنم مجدته *** لم يكن يحمل طهر الصنم

لا يلام الذئب في عدوانه *** إن يك الراعي عدو الغنم

فاحبسي الشكوى فلولاك لما *** كان في الحكم عبيد الدرهم

وهكذا استمرت بعض الأنظمة العربية والإسلامية في استغفال الشعوب ردحًا طويلًا من الزمن، وطال عليها الأمد؛ فقست قلوبها على شعوبها أكثر وأكثر، وصار تنحيها عن الحكم شيئًا من المحال، اللهم إلا بتضحيات كبيرة وجراح عظيمة، ولا يعلم إلا الله متى تنهض هذه الأمة من كبوتها بعد أن خلفوا لها المآسي والجراح الغائرة. 

وأخيرًا نقول: وأين كانت الأمة كل هذه السنين العجاف؟ هذا أمر يحتاج إلى وقفات ووقفات لتكتمل الدروس والعبر، وصدق الله ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (إبراهيم: 45).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 46

85

الثلاثاء 02-فبراير-1971

هذا الأسبوع (46)

نشر في العدد 171

93

الثلاثاء 09-أكتوبر-1973

حكم رؤية الهلال هل يعم أو يخص