العنوان الخليج بين السياسة الأمريكية والأوروبية
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1318
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
في الخليج تتصارع سياستا الاحتواء المزدوج الأمريكية مع سياسة الحوار النقدي الأوروبية.
لا يعارض الأوروبيون أن تقود أمريكا منطقة الخليج.. لكنهم يحتفظون بحق عدم الالتزام بتلك القيادة.
لا تنظر «القوى الغربية» لمنطقة الخليج، وبخاصة إيران والعراق، من زاوية واحدة، وإنما من زوايا مختلفة، باختلاف مصالحها التي تصل لحد التناقض، لكن برغم هذا، تظل العلاقة بين «القوى الغربية»، أي أوروبا والولايات المتحدة، قوية، بحيث تستدعي نوعًا من التنسيق بينها، لأن المنطقة، بما فيها من بترول، حساسة، وآخر شيء تريده هذه القوى نشوء حالة من اللاستقرار أو الصراع العسكري بينها، يتهدد مصالحها الكلية، ويحكم بالخسارة على الجميع، التنافس بين أوروبا وأمريكا في الخليج قائم إذن، لكن ضمن أجندة استراتيجية منضبطة لا تظهر للمراقب الذي يكتفي بمتابعة التصريحات الرسمية.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا تنتقد ممارسات أوروبا الاستعمارية في الدول العربية، لأنها تشوه صورة الغربيين، والآن، تتعرض أمريكا للانتقادات نفسها من أوروبا على سياستها في الخليج تجاه إيران والعراق، يظهر هذا جليًا في «الحرب الاقتصادية الباردة». التي تخوضها واشنطن ضد الشركات الأوروبية التي تتعامل مع طهران، وهو في مضمونه صراع بين سياستين متناقضتين: سياسة «الاحتواء المزدوج» الأمريكية Dual Containment، وسياسة «الحوار النقدي» Critical Dialogue بطبيعة الحال، هناك اختلافات مصلحية داخل الدائرة الأوروبية نفسها حول قضايا استراتيجية كبيرة، منها منطقة الخليج، لكنها تتضاءل، بل تتحد ضد هيمنة أمريكا على المنطقة، ولا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وغياب مبررات التحالف الغربي «غير المشروط» ضد الخطر الشيوعي.
وقبل ذلك، فإن أوروبا تحمل الولايات المتحدة مسؤولية أزمة النفط في ١٩٧٣م و١٩٧٩م، ومسؤولية حربي الخليج ١٩٨٠م- ١٩٨٨م، و١٩٩١م، وتنتقدها أيضا، في جعل المحافظة على الكيان "الإسرائيلي"، ضمن مصالحها المحورية في المنطقة، ولو كانت نتيجة ذلك أن تخسر حلفاءها العرب، وتلومها على تأييدها الأعمى لنظام الشاه. برغم دكتاتوريته، وانتهاكه لحقوق الإنسان، وتلومها على تأييد صدام قبل غزوه الكويت، باعتباره «حامي البوابة الشرقية» من خطر الثورة الإيرانية، كانت أوروبا، ولا تزال تخشى على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وبخاصة الخليج، وترى بأن أمريكا تفرض عليها أجواء تهددها. وخطوات هي غير راضية عنها. لكن الذي يخفف من وطأة الصراع بين أوروبا وأمريكا، وجود أهداف مشتركة ثابتة. تستدعي نوعًا من التحالف، ومن ضمن الأهداف:
نزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة «مع غض الطرف عمدًا عن إسرائيل»، القضاء على الإرهاب، ضمان تدفق النفط بأسعار مقبولة، وتعزيز محادثات التسوية، بين العرب و"الإسرائيليين"، والاختلاف في أحد جوانبه هو حول تحديد أفضل الخيارات، لتحقيق هذه الأهداف، وبأرخص الوسائل، ولاسيما إذا تعلق الخيار باستخدام القوة العسكرية، كما حصل بالنسبة، لملف «العراق- يونيسكوم» في فبراير الماضي.
المصالح الأوروبية في الخليج:
تفضل أوروبا، مقارنة بالولايات المتحدة، الحوار النقدي مع الدول التي تعتبرها واشنطن «متمردة» على النظام العالمي الجديد، وهي إيران والعراق، والسودان وليبيا وسورية، وهو توجه يرتكز على مصالح سياسية، واستراتيجية، واقتصادية قديمة، فعلاقة أوروبا مع العرب، أو الحضارة الإسلامية بمستواها الأوسع، تعود لفترة الحروب الصليبية، وبخاصة بالنسبة لفرنسا والمانيا، مقابل علاقة أمريكا الحديثة بالعالم العربي.
وقد استمرت العلاقة الأوروبية- العربية، حتى بعد انتهاء فترة الاستعمار، بسبب اعتماد أوروبا، على النفط والغاز من الخليج، بأسعار مستقرة ومقبولة، وكون المنطقة تمثل سوقًا استهلاكية قوية لمنتجاتها من النفط، والاهتمام الأوروبي بإيران، له مبرراته، إذ إن مخزون النفط الإيراني يمثل ٩٪، من مخزون النفط في العالم، فيما يمثل مخزونها من الغاز ١٥٪، من مخزون الغاز في العالم، وإيران أكثر دول المنطقة استهلاكًا للمنتجات الأوروبية واليابانية. كما أنه من المتوقع، أن تزداد أهمية العراق الاستراتيجية بحدة في العقد القادم، بعد رفع الحصار، ودخوله منافسًا جديدًا في السوق النفطية الخليجية، وهذا سبب عدم رضا أوروبا على سياسة واشنطن في احتواء العراق وإيران، وفرض الحصار عليهما، لأن الخاسر الأساسي في المعادلة. هي الشركات الأوروبية، التي فشلت في إيجاد فرص استثمارية في أوروبا الشرقية والقرن الإفريقي، فضلًا عن أسيا التي تنافسها فيها دول النمور والصين واليابان، وبالتالي ليس أمامها سوى منطقة الشرق الأوسط العراق وإيران الغنيتين تحديدًا. بدخول القرن القادم، سيزداد استهلاك الدول الصناعية للنفط، حيث يتوقع الاقتصاديون، أن استهلاك دول اسيا الشرقية، واسيا الجنوبية، سيتضاعف بحلول سنة ٢٠١٥م، وكذا سيكون الوضع بالنسبة لكل من اليابان والولايات المتحدة، وبالتالي سيتعين على الخليج ان يضاعف إنتاجه من دون أن يغير أسعاره جذريًا، وستزداد حاجة أوروبا للنفط بنسبة ٨٪ كل سنة. وستكون أكثر تأثرًا بحالة اللااستقرار في الخليج من العقد الراهن. وترجع «حساسية» العلاقة بين أوروبا والعرب أيضًا لعامل أخر غير النفط. وهو وجود جاليات إسلامية عريضة في أوروبا «المانيا وحدها مثلاً بها ٢,٦ ملايين تركي»، بحيث تخشى أوروبا من أن تترجم سياسة أمريكا المتحيزة "لإسرائيل" لأعمال عنف يقوم بها المسلمون داخل أوروبا. والاستنفار الأمني في أوروبا بعد الغارة الأمريكية على السودان وأفغانستان نموذج للتخوف الأوروبي، وقد يؤدي هذا لتحفيز الأحزاب اليمينية الأوروبية المتطرفة للقيام بأعمال عنف عنصرية مضادة تجاه المسلمين، وسينجم عن الصراع في محصلته حالة من عدم الاستقرار الداخلي، لا تريدها الحكومات الأوروبية.
تنامي حالة التسلح في الخليج:
تضارب المصالح والسياسات بين أوروبا والولايات المتحدة حول العراق وإيران، انعكس سلبًا على حالة التسلح في المنطقة، والتي كان للسوق العسكرية الأمريكية نصيب الأسد من ورائها، ولم تعد الظروف الراهنة بين الأوروبيين والأمريكيين نفس ظروف حرب الخليج في ١٩٩١م، بحيث تستدعي التحالف الماضي المتين، لقد دخلت في المعادلة أرقام أخرى، تفرق بين القوى الغربية في المنطقة أكثر مما تجمعهم، فأوروبا مثلًا، غير راضية على القرار الأمريكي في ٣٠ أبريل ١٩٩٥م، بقطع جميع العلاقات الاستثمارية والتجارية مع إيران، بل خالفته دول مثل فرنسا، وكسبت لصفها تعاطف وتأييد بقية الدول الأوروبية. أيضًا لا تعتقد العديد من الدول الأوروبية، بأن الحصار على العراق، سيحقق أهدافه بإسقاط صدام، على العكس، ترى أنه أسفر عن نتائج عكسية، بتعميق حالة الشك بين المسلمين والولايات المتحدة، وتخشى الدول الأوروبية، أن تنعكس هذه الحالة، على علاقة المسلمين بهم، وترى دول أوروبية، مثل فرنسا، أن السياسة الأمريكية نحو العراق، تزيد من حالة غياب الثقة والاستقرار بين دول المنطقة، وتحذر من عواقب ذلك على سلامة تدفق النفط مستقبلًا، واستقرار أسعاره، ويريد الأوروبيون حالة من «توازن القوى» الإقليمية في الخليج، لعدم تكرار سيناريو غزو الكويت، مؤكدين علي أهمية بناء الثقة بين دول مجلس التعاون، بدلًا من انتهاج سياسات دفاعية مستقلة، فيما يشكك بعض الأوروبيين، في أن أمريكا، تبالغ في التخويف من «الخطر العراقي» و«الخطر الإيراني»، لتحفيز دول الخليج لاستهلاك المزيد من الأسلحة. ويحمل الأوروبيون أيضًا، أمريكا مسؤولية تدهور محادثة التسوية بين "إسرائيل" والفلسطينيين، على اعتبار انعكاس ذلك على منطقة الخليج، والضغط على نتنياهو للخضوع لبنود أوسلو، أو حتى المبادرة الأمريكية الأخيرة، ولقد رفض الخليجيون، الخيار العسكري الأمريكي ضد العراق في فبراير الماضي، لعدم وضوح مبرراته، ولوجود ازدواجية واضحة، في تعامل إدارة كلينتون مع بغداد وتل أبيب، وهناك استياء شعبي مما يحدث للمسلمين في أنحاء بقية العالم الإسلامي والغرب - أمريكا تحديدًا. متورطة فيه: الحرب في كوسوفا، فالشيشان، مستقبل جمهوريات اسيا الوسطى، أفغانستان ... إلخ.
أهمية صياغة أوروبية-أمريكية متناغمة :
لا يعارض الأوروبيون تمامًا أن «تقود» أمريكا المنطقة. لكن من دون أن يعني هذا، بأن أوروبا ستلتزم بهذه القيادة، ومثلت أزمة مجلس الأمن مع العراق في ١٩٩٨م، وتدخل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، لإنهائها، بعد أن كانت الضربة الأمريكية وشيكة، مثلت نموذجًا واضحًا، لاختلاف الرؤية بين الأوروبيين، ولا سيما فرنسا، وبين الأمريكيين، وتآكل التحالف الدولي الذي كان حاضرًا بقوة في حرب الخليج ١٩٩١م، وتتضح درجة هذه الاختلافات أكثر فأكثر في كل مرة، تطلب فيها الولايات المتحدة من أوروبا تأييدًا لقصف عسكري أو حصار اقتصادي في الخليج. من هنا، يقترح العديد من المحللين، ومنهم سيمون سيرفاتي، من جامعة نورفولك، بالولايات المتحدة، صياغة سياسة أوروبية وأمريكية منسجمة، تأخذ في الاعتبار، مصالحهما المشتركة في الخليج، وتعترف بأن مشاكل المنطقة معقدة، ولا يمكن أن تحل عبر معادلات سطحية وعامة، مثل «الاحتواء المزدوج»، فالاحتواء المزدوج لا يوضح تمامًا ما الذي يُراد احتواؤه، وكيف، ولا، وحتى، ومتى؟ فضلًا عن أنها معادلة، لا تأخذ في الاعتبار، متغيرات النمو السكاني، والاقتصادي، واختلاف أنظمة الحكم، والتعددية الثقافية والاجتماعية داخل البلد الواحد. ويشير سيرفاتي، إلى أن أهم تحد يواجه الأوروبيين والأمريكيين في الخليج هو كيفية صياغة سياسة موحدة تجاه عدم السماح للعراق بحيازة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وفرض العزلة السياسية على صدام، كلما حاول تهديد جيرانه، والسعي لإضعاف قوته، من خلال دعم حركات المعارضة العراقية، وتمويلها من ودائع حكومة بغداد المجمدة في الخارج وأما فيما يتعلق بإيران، فينبغي أن يقتنع الأوروبيون والأمريكيون، بأهمية الانفتاح على إيران، لإضعاف نظام صدام أولًا، وللتغيرات الداخلية، التي حدثت في طهران، منذ مجيء خاتمي للسلطة في ١٩٩٧م، ثانيًا: ومن الممكن أن يتخذ الانفتاح عدة خطوات تدريجية، مثل تسهيل منح التأشيرات للإيرانيين، لزيارة أمريكا والدول الأوروبية، وإنهاء تجميد الأموال الإيرانية في البنوك الأمريكية منذ ١٩٧٩م، يرتبط بذلك أيضًا إلغاء قانون داماتو الأمريكي الذي يحظر على الشركات الغربية الاستثمار في إيران.
وأما ما يتعلق بعملية التسوية، فيريد الأوروبيون من أمريكا، أن تلعب دورًا محايدًا بين الطرفين، الفلسطيني و"الإسرائيلي"، وتكف عن تجاهل تعنت نتنياهو في بناء المستوطنات غير المشروعة، وبخاصة في القدس الشرقية، وأن تدرك بأن الاستمرار في الدعم الأمريكي اللامشروط "لإسرائيل"، يهدد مصالحها الاستراتيجية في الخليج، ويوتر علاقتها مع المنطقة، ويعيق تحقيق المصالح الأوروبية نفسها ويضيف سيرفاتي بأن الحوار الأمريكي -الأوروبي بالنسبة للخليج قد يحتاج لصياغة خطاب معتدل نحو القوى الإقليمية «المتمردة» أكثر من شعارات عدائية لاستهلاك الرأي العام الغربي فحسب، وخطاب أكثر اعتدالًا نحو الحلفاء الخليجيين يأخذ في الاعتبار تحفظهم من الدعم الأمريكي "لإسرائيل"، مشيرًا إلى أن المصالح الأمريكية في أوروبا، والمصالح الأوروبية في أمريكا أهم من أن تكون أسيرة اختلافات في وجهات النظر على المسرح الخليجي، كما أن مصالح الإثنين في الخليج، تحتم عليهما التنسيق المشترك، وليس صياغة سياسات مستقلة وتوقع أن يقوم الآخر بالتنفيذ فقط. وما لم يقله سيرفاتي، وقد لا يقوله أي غربي، هو أهمية أن يصوغ الخليج سياسته المستقلة عن السياسات الخارجية الأخرى، واضعاً في اعتباره مصالحه الخاصة، ومستقبل أمنه، وإذا كان الأوروبيون يسعون مع الأمريكيين لصياغة سياسة منسجمة في الخليج، فأهل المنطقة على ذلك أقدر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل