; الخليج في معترك الصراع الدولي | مجلة المجتمع

العنوان الخليج في معترك الصراع الدولي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

مشاهدات 90

نشر في العدد 463

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

• ملامح لصراع الثالوث الجديد: أمريكا- السوفيات- فرنسا

• الثالوث الدولي الجديد يحيط بمنطقة الخليج.. لماذا؟

• تحديد هوية الأزمات الناشبة في الصراع الدولي

• الفرنسيون من جيبوتي إلى مدغشقر.. لماذا؟

• ماذا فعل غياب الشاه الإيراني بالصراع الدولي في الخليج؟

• الوحدة الإسلامية بين دول المنطقة هي المخرج الوحيد من مأزق النزاع الدولي

هل هناك صراع دولي على منطقة الخليج العربي؟‏

‏إن الإجابة على هذا السؤال بنعم أو لا.. ستكون كالتجديف بالماء في عكس اتجاه الريح.. فالصراع الدولي ذو الوجوه المتشبعة لا يمكن أن يجاب عنه بكلمة واحدة، فالأمر جد مختلف.

ولكيلا نجانب الموضوعية في حديثنا هذا يحسن أن نعدد المواقع التي تدفع بالمتصارعين على الحلبة الدولية إلى صراعهم.. ومن ثم موقع الخليج العربي من هذا الصراع.

• أزمات الصراع الدولي:

منذ الحرب الثانية.. برزت إلى السطح العالمي قوى دولية جديدة بينها أمريكا والاتحاد السوفيتي.. ثم رصفت القوى الدولية الأخرى في معسكرين كبيرين متنافسين على المواقع الاستراتيجية العالمية، والتي تختلف مواقعها باختلاف التأزم الدولي على الساحة، وإثر التطور الصناعي‏- التكنولوجي الهائل.. دخل العالم الغربي بخاصة في أزمات أبرزها:

  1. أزمة‏ الطاقة والوقود: والتي باتت تشغل الأجهزة الحكومية العليا في المعسكرين الدوليين الذين يتزعمهما كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

2- الاحتياطي النقدي: وهي مشكلة تنتج عن اختلال في مدفوعات الدول الكبرى وحشد أضخم الأرصدة في السباق النووي، والتنافس في سباق التسليح الاستراتيجي.

3- البطالة: ويكفي أن نقول: إن أزمة البطالة قد رصفت ستة ملايين عاطل عن العمل في أوربا الصناعية وحدها، بحسب إحصاء نوفمبر الماضي 1979م، الأمر الذي يدفع بالغرب المتنافس للقضاء على هذه المشكلة في مواقع التنافس.

4- مشكلة الشرق الأوسط: وهي المشكلة التي تحاول الأطراف الدولية أن تدخل في حلبتها لتحصيل المكاسب الاستراتيجية التي يمكن أن يفرزها الصلح العربي-‏ اليهودي للقوى الدولية.

5- العمالة الدولية: وهي من أضخم المشاكل التي يمكن أن تغري الأطراف الدولية بإثارة المشكلات الانقلابية لضمان تبعية الحكومات وعمالتها لها، الأمر الذي يثير القوى الدولية للتنافس على كسب العملاء الدوليين في حكومات الدول المستضعفة، وإغراء الحكومات في العالم الثالث بالاستناد إليها على أساس مبدأ الحماية التي تقرها الأمم المتحدة في بنودها السرية.

• هذه جملة أبرز المواقع التي تشكل أزمات على الساحة الدولية.. الأمر الذي يدخل الأحلاف المتنازعة أصلًا على وراثة مواقع الإمبراطورية البريطانية الزائلة في نزاع عنيف لتجاوز أزماتها التي تنعكس على ظروفها الداخلية في كثير من الأحيان.

• موقع الخليج العربي من أزمات الصراع الدولي:

في حوار هادئ مع أحد السياسيين المحترفين حول موقع الخليج العربي من أزمات الصراع الدولي، استغرب السامعون عندما قال: «إن الخليج العربي بجميع مواقعه هو تشكيل كامل لاحتداد الصراع الدولي في السنوات العشر الأخيرة».

ولدى انطلاق هذه العبارات على لسان السياسي العريق.. لا بد للمراقب أن يربط بين الخليج من الناحية الاقتصادية وبين أزمات الصراع الدولي المشار إليها في الفقرة الأولى من هذا المقال، وهي:

«أزمة الطاقة- الاحتياطي النقدي- ‏البطالة- العمالة الدولية- أزمة الشرق الأوسط».

ترى ما العناصر التي تربط بين الخليج والأزمات الدولية؟

‎1- الخليج بين الطاقة والنقد العالمي:

والطاقة والنقد أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر.. وطالما أن الخليج العربي هو الموقع العالمي الأول للطاقة، فهذا يعني أن ارتباط الدولار والمارك والين والإسترليني بالموقع النفطي سيتأثر بفاعلية السياسة الدولية بالمنطقة، وبمعنى آخر.. يمكن أن يتحدد الحجم الدولي للدولار كقوة اقتصادية بحجم اعتماد النفط عليه كعملة للبيع والشراء.. ويمكن أن تقاس بقية العملات على ذلك، وإذا كان بديهي.. فإن المشكل ينبع فقط من السياسة الدولية للدول المنتجة للنفط إذًا، فالخليج العربي هو موقع الصراع الدولي على الطاقة من ناحية.. وعلى قيمة النقد الدولي المتبادل من ناحية أخرى.

2- الخليج بين العمالة الدولية وأزمة الشرق الأوسط:

لا يغرب عن بال المراقبين أبدًا كم هو حجم العلاقة بين الدول العربية والعدو الصهيوني، وأثر هذه العلاقة في النزاع الدولي. 

• فالأمريكان كقوة أولى في العالم تمكنوا من الوصول بإحدى الدول العربية المواجهة للعدو اليهودي إلى التوقيع على صلح منفرد تحت إشرافهم فقط.. نقول: فقط، مشيرين إلى المكاسب التي ستنفرد بها الولايات المتحدة عن القوى الأخرى، التي سيمنحها إياها حكام المنطقة لأنها شريكة في المعاهدة أولًا.. ولأنها لا يمكن أن تكون شريكًا إلا بوضع لائحتها الاستراتيجية في ميزان الأخذ. أما موقع الخليج من كامب ديفيد ومشاريع الصلح المفرد.. فهو موقع الرافض حتى الآن.. وذلك متجسد برفض السياسة الساداتية المعروفة فقط.. أما التوقيع من حيث المبدأ على صلح عربي جماعي مع إسرائيل، فهذا لا يشمل الرفض.. الأمر الذي يعني أن الشركاء سوف يكونوا جماعيين في التطور العربي الآخر، والذي يعتبر الخليج جزءًا منه، الأمر الذي سيدخل بالتالي «فرنسا- بريطانيا‏- ألمانيا الغربية- الاتحاد السوفيتي- وسطاء دوليين آخرين» في زحمة الشركة على إنشاء مؤسسة الصلح العربي الإسرائيلي، وهذا هو الذي يشكل حتى الآن نزاعًا على أمرين:

أ- نزاع دولي على الصلح بين العرب وإسرائيل من حيث الوسيلة.

ب- نزاع على كسب الحكومات العربية إلى تعامل.. أو بالأصح عمالة تحقيق استراتيجية الصلح لدى كل فريق من ناحية.. واستراتيجية التبعية الدولية والارتباط المحوري من ناحية أخرى.. وبما أن الخليج من أقدر المواقع العربية على التأثير في جسم النزاع الدولي في هذا المحور.. فإن اصطدام الدول من أجل الطبيعة السياسية للخليج هو أحد المواقع البارزة في النزاع الناشب بين القوى الدولية المختلفة.

3- البطالة الدولية:

وإذا كان الخليج هو موقع النفط والطاقة.. والقاعدة الذهبية لاعتماد النقد الدولي العالمي.. فإن حل أزمة البطالة سيعتمد في التطور الغربي على كسب الورقة الخليجية.. الأمر الذي يزيد في طينة النزاع حول الخليج بللًا، ولا سيما أن دول أوربا تحوي ستة ملايين عاطل عن العمل، كما أشرنا أعلاه.

من هنا يتبين موقع الخليج من الصراعات الدولية الناشبة.. ومن هنا يستطيع المرء ملاحظة حدة النزاع بعد أن تغيرت بعض الموازين في المنطقة.. فالشاه الإيراني الذي كان يحمي مصالح الغرب في المنطقة صار هو نفسه مجال لنزاع دولي من نوع جديد بعد أزمة السفارة الأمريكية في طهران. 

الخليج وغياب الشاه كشرطي للغرب في المنطقة: 

لقد ترتب على غياب الشاه في الخليج العربي أمور عدة نجمل أبرزها فيما يلي: 

1- فراغ الخليج من قوة عسكرية «محلية» ضاربة. 

2-‏ تغير التوازن الدولي.. حيث خسرت أمريكا عميلًا من الحجم الكبير كان يسخر المقدرات الإيرانية وغير الإيرانية لمصلحة الولايات المتحدة بشكل خاص.

3- النقمة الشعبية العارمة والتي برزت على السطح بعد سقوط الشاه الإيراني منادية بمواجهة الاستراتيجية الأمريكية والغرب بشكل عام باستراتيجية إسلامية موحدة تستقل عن المعادلات الدولية الأخرى.

4‎-‏ اتجاه الدول النفطية نحو سياسة تتسم باستقلالية أكثر عما قبل عن التوجيه الدولي، ويدخل في هذا رفع أسعار النفط وتحديد كميات الإنتاج.

هذه جملة من الأمور التي برزت بعد غياب الشاه كشرطي للغرب في منطقة الخليج العربي. 

والآن.. هل هناك قوى مختلفة متنازعة في الخليج بشكل خاص؟

إن المراقب للتحركات الدولية في المنطقة وذلك كما يلي:

1- ملاحظة‏ التحرك العسكري في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج.

2- الارتباط الدولي بين القوى الدولية المتنازعة والحكومات في المنطقة المحاذية للخليج.

وتحت هاتين الملاحظتين.. يمكن للإنسان أن يجيب على السؤال التالي: 

ما هي الدول التي دخلت مجددًا في معترك التنافس الدولي في الخليج؟ 

• دول الصراع الدولي‏ في منطقة الخليج:

بالملاحظتين السابقتين تحدد الدول المتنازعة في المنطقة كما يلي:

أولًا: الولايات المتحدة:

إن الأثر الذي خلفه غياب الشاه دفع بالولايات المتحدة إلى دخول حلبة النزاع في المنطقة بنفسها... ولا يدري المرء إن كانت الولايات المتحدة قد قررت عدم الانسحاب بعد انطفاء نار مشكلة السفارة الأمريكية في طهران سياسيًّا.. وربما رجح البعض بأن الولايات المتحدة قد استغلت حادث سفارتها في طهران للقبض على الورقة الرابحة بتعزيز مفاتيح القوة التابعة لها في المنطقة، وهنا لابد للمرء من الوقوف على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تبني أمريكا سياستها من خلالها في المنطقة.. فقد نقلت وكالات الأنباء في يوم ‎20/ 6/ 1979‏ بأن هناك خطة أمريكية تقضي بإرسال وحدة عسكرية ضاربة للمنطقة قوامها «١١٠» آلاف‏ جندي، وعلى جناح السرعة في بروز أية حالة طارئة، ولعله قد آن أوان ذلك بتأزيم حادث السفارة في طهران، الأمر الذي جعل الأمريكان يدفعون بأساطيل إضافية إلى المنطقة وعلى رأسها حاملة الطائرات «ميدواي» التي بدأت تقوم بالفترة الأخيرة بزيارات لعدة موانئ في الخليج العربي، مع إبراز الاستعداد للتدخل في الشرق الأوسط ككل في أحوال طارئة أخرى.

وإذا أردنا أن نضع خطوطًا تكتيكية عرضية للاستراتيجية الأمريكية، فيمكن أن نلاحظ ما يلي:

• الأمريكان وتعزيز مواقعهم البحرية في مياه الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي «راجع التعليق الأسبوعي في العدد الماضي».

• محاولة الأمريكان شق طريقهم إلى العراق كدولة من أكبر دول الخليج، والتفكير في جعل العراق عنصرًا يخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ويذكر هنا المحاولات المتكررة للولايات المتحدة بفتح سفارة لها في بغداد.

• تعزيز الموقع الإسرائيلي القريب بمنطقة الخليج..‏ وسبك عناصر التعاون العسكري بين الحلف الثلاثي الذي أفرزه «كامب ديفيد» في المنطقة، وهذا يدعم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بأجمعها، ويعوض جزئيًّا غياب الشاه الإيراني.

- وهنا يمكن أن تسوق ما أبلغه هنري جاكسون الصهيوني وهو عضو لجنة مجلس الشيوخ التي تشرف على أوجه نشاط المخابرات الأمريكية لبرنامج تلفزيوني في أواخر شهر يوليو الماضي من «أن قرارًا قد يؤخذ في منطقة الشرق الأوسط يقضي بإشعال جزئي لبعض مناطق الخليج بما يقضي في النهاية حسم الموقف لصالح الولايات المتحدة».

ترى.. هل يريد جاكسون أن يشير إلى ما يحدث الآن من حشد للقوى البحرية السيارة في بحار المنطقة؟

إن الأمريكان يعيشون في المنطقة وسط زحمة دولية تلعب فيها أطراف عالمية أخرى، سنأتي عليها فيما يلي.

ثانيًا: الاتحاد السوفيتي:

لوحظ في الفترة الأخيرة تعزيز السوفيت للحشود البحرية في المنطقة، ويبدو أن الاستراتيجية العسكرية التي يعتمد عليها السوفيت في المنطقة العربية لخدمة التوازن السياسي تعتمد على ما يلي:

• حشود بحرية تتضمن حاملة الطائرات «مينسك» العملاقة والتي وصفت مؤخرًا بأنها على استعداد فوري للوصول إلى أية نقطة في الشرق الأوسط والخليج. 

• وصول أكثر من 25 سفينة سوفيتية إلى المحيط الهندي بعد أحداث السفارة الأمريكية في إيران، والتي جلبت في أعقابها الولايات المتحدة حشودًا بحرية ذكرناها أعلاه.

‎• الحصول على تسهيلات عسكرية في موانئ قريبة من الخليج، وذلك في «عدن- سومطرة- موزمبيق».

- وهنا يمكن لنا أن نسوق ما ذكره الدكتور كاي وي فون هاسل -وهو وزير دفاع ألماني سابق- حيث قال: «إن نقص النفط سيصيب الاتحاد السوفيتي حين تبلغ قوته ذروتها خلال سنوات قليلة، الأمر الذي سيدفع بالزعماء السوفيت فيما بعد لتوسيع نفوذهم في الشرق الأوسط والخليج الذي لم يستقر سياسيًّا بعد».

وأمام هذا القول يمكن للإنسان أن يفسر التهديدات السوفيتية التي أذاعها راديو موسكو يوم الأربعاء الماضي نقلًا عن صحيفة البرافد الرسمية، والتي اتهم بها السوفيت الولايات المتحدة بحشد أضخم قوة عسكرية في المناطق المحاذية للخليج مستغلة بذلك أزمة السفارة الأمريكية في طهران، فضلًا عما أضافه الراديو من أن الحرب العالمية الثانية لم تشهد مثل هذا الحشد».

ثالثًا: فرنسا: 

نقل مراسل جريدة الشرق الأوسط السعودية ما ذكره أحد رجال البحرية الفرنسية من «أن فرنسا تلعب بين الأمريكيين والروس دور كلب حراسة صغير في منطقة المحيط الهندي وبحر العرب القريب من خليج النفط العربي».. ويقول هذا الضابط الفرنسي: «إن هذا الكلب يستطيع أن ينبح ويعض بقسوة».

نعم: فمنذ زمن... ونحن نشير إلى الاستراتيجية الفرنسية الجديدة في المنطقة:

• ففرنسا شددت على راقبتها العسكرية البحرية بعد توالي الحشود الأمريكية والسوفيتية في المنطقة، وعززت وجودها العسكري على الطريق التي توصل إلى الخليج، لقد قال ضابط البحرية الفرنسي لمندوب الشرق الأوسط السعودية: «إننا نريد أن نتأكد من أنه لن تعمد أية قوة معادية أخرى إلى التلاعب بمصادر نفطنا».

• التمركز في جزر استراتيجية قريبة من الخليج، وتمتد من جيبوتي إلى مدغشقر، مع تقوية الوجود الفرنسي في القرن الإفريقي.

‎• تكثيف القوة البحرية العاملة في المحيط الهندي بقيادة الأميرال «جان بول أوروسكو» الذي يتخذ من السفينة لاشارانت سفينة لقيادته.

• احتفاظ الرئيس ديستان بحامية فرنسية مؤلفة من «4.600» جندي في جيبوتي على الرغم من منحها الاستقلال أخيرًا.

• فتح الأسواق العربية للسلاح الفرنسي، ومحاولة كسب الأصدقاء السياسيين في المنطقة، مع التركيز على تحسين العلاقات العربية الفرنسية، والميل إلى الطرف المضاد لكامب ديفيد.

هذا عن التمركز الفرنسي في المنطقة.

وبعد هذا العرض لقوى التمركز الدولي حول المنطقة النفطية والمنبع الاقتصادي، ترى هل سيقع صدام ما بين القوى المتنافسة الثلاث؟

إن الإجابة على هذا السؤال تبقى سابقة لأوانها.. إلا أننا نجزم بأن التنافس والمزاحمة الدولية سوف تزداد يومًا بعد يوم.. وسوف يبقى الخليج موقعًا للمعترك الدولي الباحث عن النفط والنقد ما لم تبرز القوة الإسلامية الموحدة المتكاملة سياسيًّا واقتصاديًّا في مواجهة اللعبة الدولية في المنطقة.. مع الاستقلال الكامل عن رغبات الدول الاستعمارية التي ما زالت تستعرض عضلاتها في المنطقة.

الرابط المختصر :