العنوان الخليج من صدمة الحرب إلى قلق اللاحرب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1982
مشاهدات 57
نشر في العدد 573
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 01-يونيو-1982
لا ريب في أن آخر ما وصلت إليه تطورات حرب الخليج تحملنا على الظن بأن وقف الحرب ربما كان أمرًا وشيكًا، ولكن وقف الحرب -مع ذلك- قد لا يعني بالضرورة استقرار السلام، بل ربما كان الخليج معرضًا لرياح القلق: قلق اللاحرب.. في انتظار أن يستتب السلام.
والحقيقة أن احتمال وقف الحرب ليس مجرد أمل ترنو إليه شعوب المنطقة، ولكنه منبثق من ملابسات جديدة نشأت عن تطورات الصراع العسكري بين العراق وإيران، فالوضع العسكري الجديد قد دفع الطرفين المتنازعين إلى خطوة جديدة نحو المفاوضات، إذ إن بعض أسباب الخلاف حول المفاوضات قد زالت الآن أو أزالتها تطورات الحرب، لا سيما ما يتعلق بالأسبقية، أسبقية الانسحاب العراقي أو بدء المفاوضات أولًا.
هنالك سبب آخر نعتقد أنه يسهم في وقف الحرب، ذلك هو التباين في مفهوم النصر بين الطرفين المتنازعين -خاصة في المراحل الأخيرة من الصراع- بحيث تخف حدة التناقض بين إرادتيهما: فعلى حين تعتقد إيران أن إحراز شبر من أرض هو ضرب من النصر، يعتقد العراق أن الحفاظ على القوى ومنع إيران من إحداث خسائر في جانبه هو ضرب من النصر أيضًا.
هذا التباين في مفاهيم النصر بين الطرفين انعكس على الأسلوب الذي استخدمه كل طرف في ساحة الصراع: فبينما اعتمدت إيران على زج القوى البشرية الكثيفة دون اعتداد بالخسائر، عمد العراق إلى سلسلة من مناورات الانسحاب للحيلولة دون تمكين إيران من وضع الجيش العراقي في معركة تصادمية.
بيْد أن المشكلات التي يمكن أن تظهر نتيجة للتطورات الأخيرة للصراع تحول بيننا وبين الإغراق في التفاؤل بأن وقف الحرب أصبح وشيكًا، فمما يمكن أن يعرقل سبيل المفاوضات أن يعمد الطرفان المتنازعان أو أحدهما إلى اشتراط أمور جديدة لإجراء المفاوضات.
وهذا يعني في الحقيقة أن شكلًا من أشكال الصراع قد يستمر ولو لمدة وجيزة، غير أن الفرق الجديد ههنا هو أن الصراع إن استمر على شكل من الأشكال، فسوف يستمر في إطار الرغبة من كلا الطرفين في وضع حد نهائي له.
الخليج إذًا مقبل على مرحلة من قلق اللاحرب، بعد أن تخطى -في أغلب الظن- صدمة الحرب.
ولكن.. كم تطول فترة القلق هذه؟ وهذا في الواقع سؤال أساسي؛ نظرًا لما تنطوي عليه مرحلة «قلق اللاحرب» من أخطار، يمكن أن تبرز آثارها في عرقلة المفاوضات بين الطرفين المتنازعين من جهة، وفي المضي في استنزاف طاقات الشعبين المسلمين وثروات المنطقة من جهة أخرى.
ففي مثل هذه المراحل تغدو الأجواء خصبة لتعكير الصفو، والاصطياد في المياه العكرة واستغلال الأوضاع المتقلبة، ولهذا تصبح أعباء لجان الوساطات والمساعي الحميدة أثقل، ويفترض فيها أن تنشط بسرعة للقيام بدور كبير الفعالية، كي يتم تعزيز الرغبة لدى المتنازعين في وقف الحرب، ووضع حد نهائي للصراع بينهما، لكي لا يتمكن «شياطين الحرب» من القيام بدور معاكس لتلك المساعي، طلبًا للثمار المحرمة التي استمرؤوا جنْيِهَا من الصراع الدائر بين العراق وإيران طوال هذه الفترة المحزنة من تاريخ شعوب المنطقة.
المسؤولون عن مصالح شعوب المنطقة وأمنها مدعوون اليوم لحمل تبعة هذه المهمة الخطيرة، كي تتجنب هذه الشعوب الأخطار التي قد تنجم عن امتداد فترة قلق اللاحرب، بعد أن صليت سنين طوالًا بنار صدمة الحرب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل