; الخمر بين الطب والفقه | مجلة المجتمع

العنوان الخمر بين الطب والفقه

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

مشاهدات 33

نشر في العدد 268

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

الخمر بين الطب والفقه (13)

للدكتور: محمد علي البار

الخمور "الكحول" وأمراض القلب والدورة الدموية

تسبب الكحول العديد من أمراض القلب بعدة طرق:

فمنها ما تسببه نتيجة نقص الفيتامينات؛ مثل فيتامين (ب) "الثيامين" (Thiamine)، وهو المرض المشهور باسم بيربري (Beriberi). ومنها ما تسببه نتيجة للتأثير السُّمي المباشر على عضلة القلب؛ مثل اعتلال عضلة القلب الكحولي (Alcoholic Cardiomyopathy). ومنها ما تسببه عن طريق زيادة دهنية الدم (Hyperlipidemia) وتصلب الشرايين، ويؤدي ذلك بالتالي إلى الذبحة الصدرية (Angina Pectoris) أو إلى جلطة القلب (Coronary Thrombosis)، كما أن منها ما يؤثر بطريق غير مباشرة؛ مثل فقر الدم الشديد الذي يصحب كثيرًا من حالات الإدمان.

ومنها انخفاض ضغط الدم الانتصابي (Postural Hypotension) عند الوقوف، والناتج من إصابة الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System) والذي يتحكم في انقباض الأوعية الدموية؛ فإذا أصيب هذا الجهاز نتيجة شرب الخمور أدى ذلك إلى فقد التحكم في انقباض الأوعية الدموية، فيؤدي ذلك إلى انخفاض ضغط الدم عند الوقوف من وضع الاستلقاء، ويؤدي هذا الانخفاض المفاجئ إلى نقص في الدورة الدموية المغذية للمخ وللقلب، فينتج عن ذلك إغماء، وقد تكون السبب والبداية في جلطة في الأوعية الدموية للمخ؛ فيسبب ذلك شللًا (فالجًا)، وجلطة في الأوعية الدموية للقلب أي جلطة القلب.

مرض البربري (Beriberi)

وهو مرض مشهور، وأكثر وقوعه في جنوب شرق آسيا، وفي المساجين، وأسرى الحرب، ومدمني شرب الخمور.

والسبب في ذلك هو نقص فيتامين (ب) "الثيامين" (Thiamine) الموجود في قشرة القمح، وقشرة الأرز، وفي كثير من الفواكه والخضراوات، والحليب، واللحوم.

ويظهر هذا المرض عند من يعتمدون في غذائهم على الأرز المبشور؛ أي بعد إزالة قشرته، ويظهر عند أسرى الحرب لسوء تغذيتهم، كما يظهر عند المسجونين وبين الفقراء في جنوب شرق آسيا، بل إنه يصيب الطفل الرضيع إذا كانت الأم تعاني منه؛ فإن لبنها يصبح فقيرًا في هذا الفيتامين، وينتج عن ذلك الإصابة بمرض البربري.

أما مدمنو الخمور فيصابون بنقص هذا الفيتامين نتيجة للعوامل التالية:

1- سوء التغذية الناتج عن شرب الكحول:

فمدمن الخمور فاقد لشهيته نتيجة التهاب المريء والمعدة المزمن، كما أن تكرار القيء يفقد الجسم كثيرًا من المواد الهامة.

ويضاف إلى ذلك أن مدمن الخمور ينفق أمواله في شراء الخمر ولا يهتم بشراء الطعام الجيد؛ وهكذا تتضافر العوائق المالية مع العوامل المرضية في تسبب سوء التغذية.

2- سوء الهضم والامتصاص:

ويضيف هذان عوامل جديدة لسوء التغذية؛ فهضم الطعام سيئ نتيجة التهاب المعدة، وامتصاصه عسير نتيجة التهاب الأمعاء، كما أن إصابة الكبد تجعل المخزون من الفيتامينات فيها قليلًا جدًّا.

3- الكحول مادة ذات سعر حراري عالٍ:

وكل جرام من الكحول يطلق سبع وحدات حرارية، ومن المعروف أن المواد الكربوهيدراتية (النشوية) (Carbohydrates) تحتاج إلى كميات وافرة من فيتامين (ب1) حتى يمكن تمثيلها وتحويلها إلى طاقة وماء وغاز ثاني أكسيد الكربون.

أما الكحول فإنه يحتاج إلى أضعاف تلك الكمية من فيتامين (ب1) "الثيامين".

ونحن نعرف أن جلوكوز الدم (سكر العنب) تأخذه خلايا الجسم وتحوله إلى طاقة وماء وثاني أكسيد كربون عبر عمليات كيميائية معقدة (أكثر من أربعين معادلة كيميائية)، ويتحول الجلوكوز ضمن هذه العمليات المعقدة إلى حمض البيروفيك (Pyruvic Acid) الذي يحتاج إلى فيتامين (ب1) لتحويله إلى حمض الأوكسالوأسيتيك (Oxaloacetic Acid) أو إلى حمض الخليك (Acetic Acid) اللذين يدخلان في دورة كريبس الهامة.

حمض البيروفيك + فيتامين ب1 + ثاني أكسيد الكربون = حمض الأوكسالوأسيتيك

ونتيجة لنقص فيتامين (ب1) في الجسم يزداد لذلك حمض البيروفيك في الجسم وفي الدم، ويرتفع من نصف مليجرام في كل مائة سنتيمتر مكعب من الدم إلى مليجرامين في مائة سنتيمتر مكعب من الدم، وتزداد بذلك حموضة الدم. ويؤثر هذا بالتالي على إنتاج الطاقة المطلوبة لعضلة القلب، وهذا هو السبب في تأثرها. ويحتاج الشخص البالغ إلى مليجرامين من هذا الفيتامين، بينما يحتاج الطفل إلى مليجرام واحد، وتزداد حاجة الأم أثناء الحمل أو الرضاعة.

ويسبب نقص هذا الفيتامين الاضطراب الذي شرحناه في إنتاج الطاقة من المواد النشوية؛ أي من جلوكوز الدم على وجه الخصوص، الذي هو الغذاء الأمثل للقلب والغذاء الوحيد للجهاز العصبي كمصدر للطاقة.

فإذا اضطرب مصدر الطاقة لهذين الجهازين الهامين تسبب ذلك في إصابتهما بالأمراض التالية:

الجهاز العصبي:

وسنوجز القول في ذكرها لأننا سبق وأن ذكرناها في باب أمراض الجهاز العصبي، وهي:

1.   التهاب الأعصاب الطرفي المتعدد (Polyneuropathy): المؤدي إلى شلل الأطراف العلوية (أي اليدين والساعدين)، والأطراف السفلية (أي القدمين والساقين).

2.   مرض فيرنيك الدماغي (Wernicke Encephalopathy): الذي يصيب المنطقة الوسطى من المخ مع إصابة أعصاب عضلة العين وعصب الرؤية.

3.   التهاب عصب الرؤية (Optic Neuritis): المؤدي إلى العمى.

الجهاز الدوري والقلب:

يندفع الدم في الأوردة ويصب بواسطة الوريدين الأجوفين العلوي والسفلي في الأذين الأيمن للقلب، فيقذفه البطين الأيمن إلى الشريان الرئوي حيث ينقى الدم من ثاني أكسيد الكربون ويحمل الأكسجين الضروري للأنسجة من الرئتين إلى القلب ثانية، فينصب في الأذين الأيسر ومنه إلى البطين الأيسر الذي يضخه إلى باقي الجسم بواسطة الشريان الأورطي (الأبهر). وتستغرق هذه الدورة حوالي 13 ثانية في معدلها، فتسرع إذا جرى الشخص مثلًا فتقل مدتها إلى 9 ثوانٍ، أو تقل سرعتها أثناء النوم فتصل مدتها إلى 18 ثانية.

كل هذا للشخص البالغ السوي الخالي من الأمراض، أما مدمن الخمر فتسرع الدورة الدموية وتصل إلى 6 ثوانٍ؛ أي إن الدم يأتي من الأوردة ويصب في القلب ومنه إلى الرئتين ثم يعود إلى القلب ومنه إلى الجسم بالشرايين في ست ثوانٍ فقط، أي عشر دورات كاملة في الدقيقة. وهذا الفحص يسمى "دورة الساعد إلى اللسان"، أي تحقن مادة في الوريد باليد أو الساعد فتكمل الدورة ويطعمها المريض في لسانه بعد كذا ثانية.

ومعنى سرعة دورة الدم أن القلب يضطر إلى ضخ كميات إضافية؛ فالقلب يضخ في العادة 5 لترات من الدم في الدقيقة عندما يكون الشخص مرتاحًا (أي لا يبذل أي مجهود)، وإذا بذل مجهودًا عضليًّا زاد ذلك، وخاصة التمرينات الرياضية كالجري وغيره.

أما في حالة المدمن فيضخ القلب عشرة إلى عشرين لترًا في الدقيقة حتى وإن كان الشخص مستلقيًا ودون أن يبذل أي مجهود عضلي، أي إن عمل القلب يتضاعف.

ويضخ القلب السليم ثلاثمائة لتر من الدم في الساعة على الأقل أو 7200 لتر في اليوم، أما مدمن الخمر فيضخ أضعاف هذه الكمية. وتصور أنت عضلة صغيرة تدفع بعشرة آلاف لتر يوميًّا دون أن تتوقف أو تكل، وتدفعها عبر آلاف الأنابيب والقنوات التي نسميها بالأوعية الدموية وضغط دم عالٍ؛ أي ضد مقاومة تبلغ 120 مليمترًا من الزئبق أو 1500 مليمتر من الماء!

إن هذه العضلة العجيبة المعجزة تقوم بهذا العمل الجبار دون أن تشكو أو تئن ما دامت تجد الطاقة الآتية من سكر الدم (الجلوكوز)، ولكن كما شرحنا كيف يعطل الكحول إنتاج هذه الطاقة الضرورية جدًّا لعمل القلب الجبار؛ فتكون النتيجة أن يتضاعف عمل القلب بينما الوقود الموجود لأداء هذا العمل قد قل.

ويحاول القلب جاهدًا أن يعوض النقص بأن يتمدد ويتضخم، فتتضخم نتيجة لذلك عضلة القلب وتزداد من وزنها الطبيعي (ثلاثمائة جرام) إلى أضعاف ذلك.

وعندما نقوم بفحص عضلة القلب بالميكروسكوب (المجهر) نرى الخلايا العضلية للقلب متمددة وبها فراغات مليئة بسائل مائي، كما نرى بعض الخلايا وقد استبدلت بألياف جامدة.

وعند فحص المريض نجد أن النبض سريع جدًّا، كما نجد أن الفرق بين الضغط الانقباضي (Systolic B.P.) والضغط الانبساطي (Diastolic B.P.) كبير، ونجد الأوداج منتفخة (Jugular Venous Pressure)، كما نجد أقدام المريض متورمة بسبب الأوديما (Oedema). وعند الاستماع إلى القلب بالسماعة الطبية نسمع لغطًا (نفحة) انقباضيًّا (Systolic Murmur). وهكذا نرى بوضوح أن المريض يعاني من هبوط بالقلب (Heart Failure)، وتكون الكبد متضخمة كما قد يكون البطن منتفخًا بالاستسقاء.

وتصاب الكبد من عدة نواحٍ؛ فقد أسلفنا القول في إصابة الكبد نتيجة شرب الخمور وبسطنا فيها القول، ويضاف إلى ذلك الاحتقان الناتج من هبوط القلب.

وقد لوحظ أن كثيرًا من هؤلاء المدمنين يتوفون بسرعة مذهلة نتيجة هبوط القلب حتى في أرقى المستشفيات ورغم العناية الطبية الفائقة، وتحدث الوفاة أحيانًا خلال 24 ساعة منذ بدء الأعراض. وتعالج هذه الحالة بعلاج هبوط القلب المعروف؛ أي الراحة التامة مع أخذ الديجوكسين ومدرات البول، بالإضافة إلى حقن المريض بفيتامين (ب1) في الوريد أو في العضل.

وسرعان ما يشفى مريض البربري الناتج عن سوء التغذية، أما مريض البربري الناتج عن إدمان الكحول فإنه قد لا يشفى لأن عضلة القلب قد تكون مصابة باعتلال آخر ناتج عن سُمية الكحول نفسه.

اعتلال عضلة القلب الكحولي (Alcoholic Cardiomyopathy)

تصاب عضلة القلب بالاعتلال نتيجة الآثار السُمية للكحول.

وهذا النوع لا يشفى بإعطاء المريض فيتامين (ب1)؛ وذلك عكس مرض البربري الذي يشفى المريض بإعطائه فيتامين (ب1). وتتضخم عضلة القلب وتتمدد الألياف العضلية، كما نجد تحللًا مائيًّا (Hydropic Degeneration) في خلايا القلب عند فحصها بالميكروسكوب (المجهر)، ونجد أن الفراغات بين الخلايا ممتلئة بالماء وهو ما يسمى الأوديما (Oedema)، كما نجد جلطات في جدار القلب من الداخل في كل من الأذين والبطين. ويصحب ذلك في العادة تليف الكبد.

وكل أنواع الخمور تصيب القلب بالاعتلال، ولكن أخطرها وأسرعها إلى إحداث الوفاة هو الكحول الميثيلي (كحول نشارة الخشب).

وللأسف فإن هذا الكحول الموجود في مزيل الطلاء، والذي يمكن صنعه من تقطير نشارة الخشب، يضاف إلى العرق في الأماكن التي تصنع فيها الخمور سرًّا. وقد حصلت منه وفيات عديدة في الولايات المتحدة أثناء المنع؛ أي فيما بين عامي 1919 و1933، كما أننا شاهدنا حالتي وفاة من هذا الكحول اللعين.

وغالبًا ما تحصل الوفاة خلال 24 إلى 48 ساعة منذ بدء الأعراض.

وقد تحصل الوفاة بنفس السرعة عند شاربي الخمور الأخرى التي ليس بها كحول ميثيلي.

وقد اشتهر رجال قبائل البانتو (Bantu) في جنوب أفريقيا بشرب الخمور، وتسمى هناك شراب الكافر (Kaffir drink)، ووجد أن عددًا ليس بالقليل يصاب باعتلال عضلة القلب الكحولي، كما أن كثيرًا منهم يصاب بتليف الكبد.

وعند فحص المريض نجد تضخمًا في القلب ولغطًا انقباضيًّا (Systolic Murmur)، ولكن سرعة القلب والدورة الدموية أقل بكثير من سرعتها في مرضى البربري الذي أفضنا في ذكره، بل إن عضلة القلب نتيجة للوهن الذي أصابها لا تستطيع ضخ كميات الدم المعتادة (أي ثلاثمائة لتر في الساعة)، بل تضخ أقل من ذلك، وهذا ما يسمى هبوط القلب ذي الضخ القليل (Low Output Failure)؛ عكس ذلك الهبوط الذي يحصل في مرضى البربري الذي يضخ القلب فيه كمية هائلة من الدم (High Output Failure).

وعند فحص النبض نجده مضطربًا وبه ضربات زائدة (Extrasystoles)؛ عكس تلك الموجودة في البربري إذ يكون النبض سريعًا ومنتظمًا، أما هذا فهو غير منتظم، وقد يصاب القلب بذبذبة أذينية (Auricular Fibrillation). وقد يظهر اعتلال مفاجئ بعضلة القلب بصورة وباء عند من يشربون البيرة ونبيذ التمر، كما ظهر ذلك عند شاربي نبيذ الطارئ، وهو مشروب متخمر من شجرة تشبه النخلة وتوجد في أماكن متفرقة من العالم.

أما العلاج فيكون بالراحة التامة والتوقف عن شرب الخمور البتة، وأخذ علاج القلب المعروف لدى الأطباء مثل الديجوكسين ومدرات البول والأكسجين. ويعطى المريض غذاء جيدًا غنيًّا بالبروتينات والفيتامينات وخاصة فيتامين (ب1) الذي يعطى على هيئة حقن في الأيام الأولى ثم على هيئة أقراص بعد ذلك.

دهنية الدم والكحول

إن شرب الخمور يؤدي إلى زيادة في دهنيات الدم؛ فترتفع نسبة الدهون الثلاثية (Triglycerides) وهي مادة دهنية تتكون بالتفاعل بين الجلسرين والأحماض الدهنية:

3 أحماض دهنية + جلسرين (جلسرول) = ثلاثي الجلسريد

كما ترتفع نسبة الكوليسترول (Cholesterol)؛ وذلك لأن شرب الخمور يؤدي إلى زيادة كمية الدهون الممتصة من الأمعاء إلى الكبد، كما أن الكبد تفقد قدرتها على أكسدة الأحماض الدهنية وتحويلها إلى طاقة، فتتجمع هذه الأحماض على هيئة ثلاثي الجلسريد باتحادها مع الجلسرول.

وتفقد الأنسجة إنزيمها الخاص بإزالة المواد الدهنية أو تتعطل وظيفة هذا الإنزيم (Lipoprotein Lipase)؛ فيؤدي ذلك إلى عدم قدرة الأنسجة على تخزين الدهون.

وهكذا تتضافر هذه العوامل لتسبب الزيادة الملحوظة في دهنية الدم لدى من يتعاطون الخمور. ومن المعروف أن بعض الأشخاص لديهم استعداد وراثي لزيادة الدهون في الدم، فإذا ما شرب مثل هذا الشخص الخمور فإن عليه أن يواجه متاعب عديدة لا حصر لها؛ إذ سرعان ما ترتفع نسبة الدهون في دمه إلى أرقام عالية جدًّا وتترسب في جدار الأوعية الدموية مما يؤدي إلى تصلب الشرايين ومن ثم إلى الجلطات.

 

الرابط المختصر :