; الخوف من الإسلام ... مرض بريطانيا الجديد! | مجلة المجتمع

العنوان الخوف من الإسلام ... مرض بريطانيا الجديد!

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008

مشاهدات 65

نشر في العدد 1819

نشر في الصفحة 14

السبت 13-سبتمبر-2008

  • تنشر عدواه في المجتمع كتابات تحريضية مضللة وممارسات عنصرية حاقدة
  • المضاد الحيوي لهذا المرض لم ينتج بعد.. وعلى الأجيال المسلمة الجديدة أن تستخرجه من معامل العدل والسماحة والصبر والمقاومة.
  • 36% من المسلمين يتعرضون للاعتداءات.. و٧٠% من البريطانيين يعترفون بزيادة تعصبهم ضد الإسلام منذ حوادث لندن عام ٢٠٠٥م.
  • كين ليفنجستون: الاتهام المنهجي للمسلمين أصبح أمرًا راسخًا في الخطابين الإعلامي والسياسي.. وأضحى جزءًا رئيسًا في النقاش الاعتيادي.
  • الوزير المسلم شهيد مالك تعرض لاعتداءات عنصرية... مثل إحراق سيارة عائلته ومحاولة صدمه بسيارة في إحدى محطات الوقود!
  • بيتر أوبورن: الفجوة تتسع ونظرة الشك تجاه المسلمين وجدت طريقها إلى المجتمع... ولا يبدو أن أحدًا يكترث بذلك.
  • جوستين لويس: اتهام المسلمين بكراهية الغرب يجد كثيرًا من المصدقين.. وهو تحول خطير يضع جبالًا من الأعباء على أكتافهم.

بعد مرور ثلاث سنوات على تفجيرات «لندن» مازالت تداعيات الحدث تتضاعف؛ إذ أدت إلى بث الفتنة وإلقاء ركام المصاعب الهائلة على أكتاف المسلمين البريطانيين الذين ولد نصفهم في هذه البلاد، ويومًا بعد يوم يجدون أنفسهم غرباء في ديارهم، مكروهين من أبناء مجتمعهم الذين استطاع الإعلام البريطاني أن يصيبهم بطاعون حديث يصعب الشفاء منه، وتنتقل عدواه الرهيبة من خلال أوراق الصحف وذبذبات الصوت وأطياف الشاشات التي تكيد للإسلام كيدًا! 

مرض بريطانيا الجديد ولدته طفيليات العنصرية، وفضلات الاستكبار، وبثور الكراهية .. وتنتشر العدوى وتستشري بتكاثر الميكروب في حبر الكتاب الحاقدين، ولعاب الساسة المبغضين والكهنة الناقمين.. أما المضاد الحيوي لهذا المرض فلم ينتج بعد.. والأمل في أبناء المسلمين أن يستخرجوه من معامل العدل والسماحة والصبر والمقاومة.

الخوف من الإسلام مرض بريطانيا الجديد، هكذا نشرت صحيفة «ذي إندبندنت» اللندنية مقالًا على صفحتين كاملتين في الرابع من يوليو الماضي.[1] ويقول كاتب المقال «بيتر أوبورن»: «إن نظرة الشك تجاه المسلمين البريطانيين قد وجدت طريقها إلى المجتمع الواسع، ولا يبدو أن أحدًا ما يكترث لذلك»، مشيرًا إلى أن الفجوة تتسع أكثر فأكثر بين المسلمين وباقي المجتمع في بريطانيا، ويضيف في بريطانيا اليوم، ثمة تعميق لعدم الثقة بين التيار الرئيس للمجتمع والمجتمعات الإسلامية الأكثر عزلة من أي وقت مضى، وبدأت ثقافة العنف والاحتقار تظهر في شوارعنا.

وفي سياق المقال يذكر الكاتب حوادث اعتداء يتعرض لها مسلمون، وبخاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، دون أن يتطرق لها الإعلام بشكل كافٍ، ويقول الوزير المسلم شهيد مالك، الذي عينه رئيس الحكومة «جوردون براون»، وزيرًا للتنمية الدولية في الصيف الماضي: إنه تعرض شخصيًّا لسلسلة من الاعتداءات العنصرية، منها إحراق سيارة عائلته، ومحاولة صدمه بسيارة في إحدى محطات الوقود.

كُيِّل بمكيالين!

في مطلع شهر يوليو الماضي، حكم بالسجن لمدة ١٦ عامًا على مارتن جيلارد أحد المتعاطفين مع النازية في شرق يوركشر، وقد عثرت الشرطة في منزله على أربع قنابل مسامير، ورصاص، وسيوف وفؤوس وسكاكين. وقال جيلارد: إنه كان يستعد لحرب ضد المسلمين.. كما عثر على مذكرة كتب فيها: «لقد سئمت من الاستماع إلى كلام القوميين عن قتل المسلمين، وتفجير المساجد, ورد العدوان، ولكنني رأيت فشل هذا النوع من المقاومة .. لقد حان الوقت للتوقف عن الكلام والبدء في العمل».

ومضت القضية دون ضجة، ولو كان الذي عثر في منزله على بعض هذه الأسلحة، والتخطيط لاعتداءات عنيفة هو أحد المسلمين، لكانت القصة أكبر من ذلك بكثير.

وفي تحقيق للكاتب نفسه «بيتر أوبورن» لبرنامج Dispatches بالقناة الرابعة بالتلفزيون الإنجليزي[2] بمناسبة مرور ثلاث سنوات على حوادث لندن، كشف العديد من حوادث العنف والاعتداءات على المسلمين، مع عدد قليل جدًّا من المبلغ عنها؛ تلك التي لا تحصل على أي دعاية تقريبًا.

وجاء في البرنامج أن ٦١% من المسلمين قالوا: إن التطرف ضدهم زاد بعد حوادث ٧ يوليو ٢٠٠٥م في لندن، وأن ٢٦% منهم تعرضوا للاعتداءات بشكل أو آخر. ويعترف من البريطانيين أنفسهم، طبقا لاستبيان البرنامج بزيادة تعصبهم ضد المسلمين منذ حوادث لندن. 

تضليل إعلامي

هناك سبب لهذا العمى في وسائل الإعلام فقد أصبح الاتهام المنهجي للمسلمين جزءًا مهمًّا من اللهجة الأساسية لوسائل الإعلام البريطانية والطبقة السياسية، وصار الأمر راسخًا وجزءًا لا يتجزأ من النقاش الاعتيادي، وتذهب الاحتجاجات أدراج الرياح ودون أن يلاحظها أحد. كما كان من الدراسة التي رعاها عمدة لندن السابق «كين ليفنجستون» ووجدت أن 4 % فقط من المقالات الصحفية فيها جزء إيجابي لصالح المسلمين.

وعرض البرنامج بعض النماذج التي اتضح فيها الغش والتلفيق الصحفي والتضخيم الذي هدفه التخويف من المسلمين، مثل ما ذكر عن أن الممرضات أمرن أن يقلبن كل أسرة المرضى المسلمين وجهة الكعبة! والحقيقة أن أحد المرضى كان على فراش الموت ووجه نحو القبلة ساعة الاحتضار.

ومنها ما ذكرته إحدى الصحف من أن عصابة من المسلمين دمرت بيتًا أعد لاستقبال بعض «أبطال الجيش البريطاني العائدين من أفغانستان والتقى محرر البرنامج مع ضابط المباحث للمنطقة الذي أكد له أنه لا يوجد أي دليل أن الذي خرب البيت هم من المسلمين، وبعد شهور أعلنت الصحيفة ما قاله البوليس، ولكنها لم تعتذر قط للمسلمين عن اتهامها لهم.

وفي صحيفة أخرى كان الموضوع «آلاف من المرضى معرضون للإصابة بميكروب خطير؛ لأن طالبات الطب المسلمات يرفضن تنفيذ الاحتياطات الجديدة، أي رفع أكمامهن لغسل وتطهير اليدين والذراعين».. وذهب المحرر إلى جامعة «ليستر» مصدر القصة المحرفة، وقابل الأساتذة والطلاب؛ ليجد أن المسلمات يتبعن النظام، ورفضت الصحيفة نشر الاعتراض الذي تقدمت به الجامعة للمحرر، فضلًا عما يكتب في قضايا الحجاب والنقاب والزواج والمدارس والشريعة. 

تطور خطير

وقامت القناة الرابعة بتكليف باحثين في كلية الصحافة والإعلام بجامعة كاردف للنظر فيما تبثه وسائل الإعلام عن الإسلام والمسلمين في بريطانيا، ودرسوا عينة من ألف مقال من جملة ٢٣ ألف مقال منذ عام ٢٠٠٠م، فوجدوا أن ٦٩% من مقالات الصحف تصور المسلمين على أنهم مصدر المشكلات وليس الإرهاب فحسب، وأن ٢٦% من المقالات تصور الإسلام على أنه دين خطير ورجعي وغير منطقي، وأن ٢% فقط مما نشر يقول: إن المسلمين يؤيدون القيم البريطانية. كما وجد أن الصحف تربط بين المسلمين والتهديد بالإرهاب في ٢٤% من المقالات، وأن الإسلام يهدد طريقة الحياة البريطانية في ٩% واستخدم تعبير صراع الحضارات بين الإسلام والغرب في ١٤% من الكتابات. 

وتتكرر الصور في الصحافة البريطانية في وصف المسلمين بالإرهاب والتطرف ومعاداتهم للثقافة البريطانية.

وتهدف الصحافة من التكرار إلى غسيل مخ الجمهور وتثبيت العداء للمسلمين كل المسلمين، وللإسلام كل الإسلام، وفي هذا العام زاد معدل الكتابة عن الإسلام والثقافة والحضارة والحياة الاجتماعية أكثر من الحديث عن الإرهاب (32 % مقابل 27%) وهو تطور خطير قال عنه البروفيسور جوستين لويس الأستاذ بجامعة كاردف: إنه تحول خطير! لأن اتهام كل المسلمين بالإرهاب قد لا يجد آذانًا صاغية، ولكن اتهام المسلمين بكراهية طريقة الحياة الغربية سيجد نسبة كبيرة من المصدقين، وهو يضع جبالًا من الأعباء على أكتاف المسلمين. 

وعرض البرنامج بعض الكتابات الحاقدة لـ «باتريك أوفلن» من صحيفة ذا دايلي إكسبرس, و«تريفور كافانا» من صحيفة ذا صن. 

كتابات تحريضية

في عام ١٩٩٧م، عرف التقرير التاريخي لهيئة «رنيميد» كراهية الإسلام على أنها نظرة عالمية تنطوي على خوف وكراهية للمسلمين، لا أساس لهما مما يؤدي إلى ممارسات الاستبعاد والتمييز، وتوجد هذه الكراهية في أفضل الأوساط بين الروائيين الأكثر شهرة، وبين كتاب الأعمدة بالصحف وفي كنيسة إنجلترا.

ممارسو هذه الكراهية يقولون: إن الإسلام-فوبيا «الخوف النفسي من الإسلام» لا يمكن اعتباره كمعاداة السامية أو اليهود؛ لأن الإسلام فوبيا هي كراهية الأيديولوجيا أو دين وليس للمسلمين أنفسهم، وهذا يعني عدم وجود حماية اجتماعية أو سياسية أو ثقافية للمسلمين؛ لذا تجد أن الهيئات السياسية والإعلامية والأدبية لا تمارس قواعد اللعبة والمواجهة من حيادية وشرف ومساواة. 

ومن أمثلة ذلك قول المؤلف «مارتن أميس» «على المجتمع المسلم: أن يعاني إلى أن يرتب بيته من الداخل، فلا يسمح للمسلمين بالسفر إلى بريطانيا، ويأتي الترحيل بعد ذلك، بالإضافة إلى الحد من الحريات والتفتيش بطريقة التجريد والتعرية لكل من يشبه من جاء من الشرق الأوسط أو باكستان، وغيرها من أساليب التمييز حتى يتألم المجتمع ككل، ويبدأ المسلمون في التعامل بقسوة مع أولادهم».

وهنا يقوم أميس بأكثر بكثير من مجرد إهانة المسلمين؛ إذ يستخدم أحط لغة بربرية للفاشية، ومع ذلك فلا تزال كتبه تباع، ويحتفل به.. وتفوح مثل هذه اللغة من أعمدة توينبي وليدل, وينسخ أعمالهما الحزب القومي البريطاني المتطرف.

تأجيج العداء

وعلى مستوى أوروبا، أسقطت الأحزاب اليمينية المتطرفة العداء التقليدي للأقليات من اليهود والمثليين جنسيًّا، ففي بريطانيا أدرك الحزب القومي البريطاني المتطرف أن حملات معاداة السامية ومعاداة السود لن تجدي إذا كان الحزب جادًّا في النجاح بالانتخابات، وكي يتم لهم الانتقال إلى احترام الشارع، فهم بحاجة إلى قضية تتيح لهم استغلال مخاوف الناس من المهاجرين والمجتمعات المحلية للأقليات العرقية دون أن يحمل الحزب علامة عنصرية المتطرفين، ووجدوا تلك القضية في الإسلام.

فمنذ أحداث 11 سبتمبر ٢٠٠١م, وبعدها ٧ يوليو ٢٠٠٥م، بدأ تأجيج المشاعر المعادية للمسلمين، ووصف زعيم الحزب القومي البريطاني «نيك جريفين» الإسلام بأنه «عقيدة شريرة وشرسة», وحاول أن ينأى بنفسه وحزبه عن معاداة السامية في الماضي، فأوقف أعضاء الحزب مناقشة محرقة اليهود، وأمروا بأن يكون التركيز على الإرهاب، وشرور الإسلام، والقصص المخيفة عن أن بريطانيا ستصبح دولة إسلامية.

ومع ذلك تتعالى الآن بعض الأصوات المنصفة الخافتة، مثل «بيتر أوبورن» في وجوب منح المسلمين الحماية نفسها التي تحظى بها كل فئات المجتمع البريطاني، ويقول: «ينبغي لنا جميعًا أن نشعر بالخجل إزاء الطريقة التي نعامل بها المسلمين في وسائل الإعلام في سياستنا، وفي شوارعنا فنحن لا نعامل المسلمين بالتسامح، والإنصاف واللباقة التي غالبًا ما نفخر بكونها الطريقة البريطانية.. نحن بحاجة ماسة إلى تغيير الثقافة العامة».

وأقول: - نحن مسلمي بريطانيا - بحاجة ماسة كذلك إلى تغيير ما بأنفسنا من معصية وضعف وتفرق وغفلة وجهل وانطواء وانعزال وخلط بين الدين والعادات؛ حتى نساعد المجتمع البريطاني جله أو بعضه على أن يشفى من مرضه المهلك !!. 

دراسة أكاديمية بريطانية أثبتت أن:

  • 69% من مقالات الصحف تصوّر المسلمين على أنهم مصدر المشكلات.
  • 26% منها تصور الإسلام على أنه دين خطير ورجعي وغير منطقي.
  • 34% من المقالات تربط بين المسلمين والتهديد بالإرهاب.
  • 9% منها تزعم أن الإسلام يهدد طريقة الحياة البريطانية.
  • 140% من الكتابات تستخدم تعبير صراع الحضارات بين الإسلام والغرب.
  • 4%فقط من المقالات بها جزء إيجابي لصالح المسلمين.
  • 20% فقط منها تقول: إن المسلمين يؤيدون القيم البريطانية.


[1] The Enemy Within: Fear of Islam: Britain's new disease By Peter Oborne - The Independent, Friday, 04 July 2008.

[2] UK Channel  4- Dispatches - It Shouldn't Happen to a Muslim Monday, 07 July 2008.

الرابط المختصر :