العنوان الدائبون
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1942
نشر في الصفحة 56
السبت 05-مارس-2011
أمس كنت في مؤتمر أحس بالضجيج من حولي، وجموع الشباب في حركة لا تتوقف، ما بين جلسة إلى محاضرة، إلى حوارات جانبية, في جو كهذا يشعر الإنسان بالفاعلية والعطاء والإيجابية، وكأننا فعلًا في مهمة بنائية جادة تتشابك فيها الأيدي، وتذكرت ما كان يردده الصحابة - رضي الله عنهم - وهم يبنون المسجد:
لا يَستَوي مَن يَعْمُرُ المَساجِدا
يدأب فيها راكعًا وساجدًا
ومَن يَرَى عَن الغبار حائدًا
الغبار يكون حتى في البناء، ولابد من الاعتياد عليه وتجاوز الحساسية المفرطة وتقبله كجزء من تبعات العمل والحياة والإنجاز.
اليوم انفض السامر وانتهى المؤتمر عدت ولا أحد حولي أشعر بالانفراد والوحدة.
تذكرت أن من أسرار النجاح الجوهرية العمل في الظروف المختلفة، والتكيف مع المتغيرات.
ثم داعية يتقن العمل في الأجواء الجماهيرية، ويقتبس روحه وحماسه من الآخرين حوله.
لكي يواصل هذا الداعية نجاحه عليه أن يتدرب على العمل بعيدًا عن الأضواء، يجد الحيوية حين يخاطب الآلاف والملايين، ويجدها حين يخاطب العشرات أو حتى الآحاد.
العمل كمتحدث، إلى جوار العمل كقارئ، أو كاتب، أو متأمل، بل والعمل كأب وزوج وصديق ومنحاز للحياة والأمل والرضا واليقين.
ثم من يتحمس في المواقف والأزمات فهو فيها مقدم متحرك، يعلق على المقالات ويتابع الأحداث ويصنع الأدوار ويشعر بغير قليل من الانتعاش، يجد نفسه حين يوافق هذا ويعارض ذاك، ويؤيد ويعترض ويطالب ويغالب وربما سهر الليل، وتبعا لذلك يكون حديثه مع من حوله هو ضمن دائرة الهموم التي انشغل بها، فإذا مضى الزمن وهدأت الأزمة اختفى في الزحام فلا خبر ولا حديث ولا مشاركة وانفرد بهمه وذاته، وبدأ الفراغ يفعل فعله، وما أقتل الفراغ!
وتمضي الشهور والسنين وهو ينتظر مناسبة ساخنة كسابقتها لكي يخوض غمراتها ويكشف عن ساعديه ويشمر.
بعد سنوات تسأل عنه فلا تجد خبرًا ولا تحس من أحد ولا تسمع ركزًا، ربما انحاز لعمل جاد ولو كان بسيطا، نجح في دراسته، تفوق في وظيفته، ربح في تجارته، تزوج وأنجب, حسنًا، فهو إذا يعمل الآن في الظروف العادية وليس الاستثنائية، لكن لا نريد أن نفقده حيث كنا نجده.
نريد أن نسأل عن الاسم الذي كان يحشد حوله العديد من المتابعين، ويؤدي دور القيادة العابرة في الأزمة فنجد أنه أصبح يعمل بصمت، ويبني ويؤسس ويفكر ويخطط، وتبعا لذلك أصبحت استجاباته لردود الأفعال أقل حدة وأقل حضورًا، أصبح يدرك أن المؤثرين في الحياة هم الصامدون الصبورون العاكفون على الإنجاز، وليسوا من يتجمهرون عند حوادث السيارات ثم ينفضون دون هدف.
الذين يحصرون أنفسهم في الأزمات يضعون كافة إمكاناتهم تحت تصرفها ويريدون أن يكون الناس جميعًا مثلهم، وقد يظنون أنهم يصنعون مستقبل الأجيال، ويوجهون الأحداث بسبب واحد هو أنهم يصرخون، دون أن يكونوا في قلب الحدث وفي سويدائه، المشكلة أنهم لا يسألون أنفسهم بعد هدوء العواصف عن النتائج، ولا يراجعون المواقف، وأصدق وصف لشاب في هذا السياق هو أنه يتعامل بـ «القطاعي»، ويكفيه الشعور الداخلي بالرضا والارتياح عما فعل.
أحيانًا نقول علينا الفعل وعلى الله النتائج!
وهى كلمة تحتاج إلى تفكيك، فالله له كل شيء، ومنه كل شيء، ولكنه وضع أسبابًا ونواميس وسننًا تحكم هذه الحياة من مثل قوله سبحانه: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) (النساء:۱۲۳)، وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِم ﴾ (الرعد:۱۱)، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: 81)، وقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق: 2),
فحين نخفق في تحصيل النتائج فمعناه أن ثم خللًا في العمل أو سوء فهم أو عطبًا في التفكير.
الإنجاز الذي حققه شخص ما أو شعب ما في الشرق أو الغرب - كما في ثورة تونس ومصر وليبيا - لم يكن مفاجأة ولا صدفة عابرة، كان ثمرة جهد بشري مدروس، وكان جزءًا من الرحمة والحكمة الإلهية لبني الإنسان أن من عمل عملا صحيحا في هذه الدنيا أصلح وأنجح ووصل، ومن لم يعمل وفق السنة عوقب بالحرمان ولو كان عابدًا زاهدًا تقيًا في سلوكه الشخصي، فالسنة الإلهية لا تحابي ولا تجامل.
لعل من السنة أن قطاعًا عريضًا من الناس هم بطبعهم آنيون لا يفكرون ولا يخططون للمستقبل، ويتعاملون مع الظرف الآني بكامل العفوية والبساطة ثم ينسون ما عملوا وما قالوا وينتقلون إلى غيره ليس مطلوبا أن تتحول الأمة إلى نخبة من العباقرة، ولا فئة من الحكماء.
ولا يظن بأن أمة أو شعبًا سيكون طيعًا في يد النخبة والحكماء لو وجدوا.
القدر اللازم هو أن يكون صوت البصيرة والتخطيط والهدوء قويًا وفاعلًا وشجاعًا أيضًا، يتفاعل مع المستجدات والأحداث ويصحح ويعدل، ولكنه يستعصي على الإذعان والتبعية, كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف: 181).