; الدارونية.. في ميزان الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الدارونية.. في ميزان الإسلام

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

مشاهدات 52

نشر في العدد 2087

نشر في الصفحة 62

الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

نظرية "داروين" أدت دورًا محوريًا في طبع فكر الحضارة الغربية الحديثة حتى غدت بمثابة المنطلق والفلسفة لكثير من النظريات الأساسية للفكر الغربي الحديث

القول بوحدة أصل الأنواع الحية كما زعم "داروين" يحمل نزعة مادية إلحادية

"الدارونية" قالت بتأسيس التطور والارتقاء على "التناقض المطلق" وزعمت أن قانون الحياة والأحياء هو صراع الأضداد على البقاء

"الفكرة الدارونية" أعطت للحضارة الغربية التبرير والمشروعية لكل ما مارسه الغرب ضد الأمم والحضارات التي ابتليت باستعماره من قهر ونهب وإبادة

"ماكس نوردو" قال عن الاستعمار الفرنسي: إن شمال أفريقيا سيكون مهجراً ومستوطناً للشعوب الأوروبية وأما سكانه الأصليون فسيُدفعون نحو الجنوب إلى الصحراء الكبرى إلى أن يفنوا هناك!

لا أحد ينكر دور صراع الأضداد والله سبحانه وتعالى يشير لذلك في آيات القرآن الكريم

الصراع بين الأضداد لا ينكره العقل السليم والمطلوب استخدام الصراع سبيلاً لبلوغ نقطة "التوازن" التي تنتفي فيها المظالم الصارخة والجور الواضح

الحضارة الغربية غالت كنيستها عندما حكمت في "الثبات" على حساب "التغير" فجاءت نهضتها لتغالي في "التغير" على حساب "الثبات" فكان افتقارها للوسطية

لا أعتقد أن أمة من الأمم، أو حضارة من الحضارات، قد وقفت وتقف من النشوء والتطور والارتقاء موقف الرفض والعداء والإنكار، تستوي في ذلك - كما أحسب - كل الأمم الإنسانية، وكل الحضارات، ذلك أن الحواس الإنسانية، وكذلك العقول - وهي مشترك إنساني عام - تدرك بالبداهة آثار قوانين وظواهر وأعمال النشوء والارتقاء والتطور في كل ما يحيط بالإنسان، بل وفي ذات الإنسان، وفي فكره أيضاً. 

ففي النبات نشوء وتطور وارتقاء، وكذلك في الحيوان وفي الجماد، وفي الأفكار، تلك حقائق بديهية، أقام الله عليها قصة الخلق الأول والمستمر، وكذلك الإعادة والبعث والإحياء، واتخذ منها دليلاً دعا أدوات الإدراك الإنساني - الحسية والفكرية من السمع والبصر والفؤاد - إلى إدراكها وإدراك ما تعنيه، وفاضت بالحديث عنها آيات القرآن الكريم. 

فقصة الإنسان مع الوجود والتحول، قد حكمها قانون النشوء والارتقاء والتطور والتحول؛ (ولّقّدً خّلّقًنّا الإنسّانّ مٌن سٍلالّةُ مٌن طٌينُ <12> ثٍمَّ جّعّلًنّاهٍ نٍطًفّةْ فٌي قّرّارُ مَّكٌينُ <13> ثٍمَّ خّلّقًنّا النطًفّةّ عّلّقّةْ فّخّلّقًنّا الًعّلّقّةّ مٍضًغّةْ فّخّلّقًنّا الًمٍضًغّةّ عٌظّامْا فّكّسّوًنّا الًعٌظّامّ لّحًمْا ثٍمَّ أّنشّأًنّاهٍ خّلًقْا آخّرّ فّتّبّارّكّ اللَّهٍ أّحًسّنٍ الًخّالٌقٌينّ <14> ثٍمَّ إنَّكٍم بّعًدّ ذّلٌكّ لّمّيٌتٍونّ <15> ثٍمَّ إنَّكٍمً يّوًمّ الًقٌيّامّةٌ تٍبًعّثٍونّ <16>) (المؤمنون)، (هّوّ الَّذٌي خّلّقّكٍم مٌن تٍرّابُ ثٍمَّ مٌن نطًفّةُ ثٍمَّ مٌنً عّلّقّةُ ثٍمَّ يٍخًرٌجٍكٍمً طٌفًلاْ ثٍمَّ لٌتّبًلٍغٍوا أّشٍدَّكٍمً ثٍمَّ لٌتّكٍونٍوا شٍيٍوخْا و مٌنكٍم مَّن يٍتّوّفَّى" مٌن قّبًلٍ وّلٌتّبًلٍغٍوا أّجّلاْ مَسّمْى وّلّعّلَّكٍمً تّعًقٌلٍونّ <67>) (غافر)، (الَّذٌي أّحًسّنّ كٍلَّ شّيًءُ خّلّقّهٍ وّبّدّأّ خّلًقّ الإنسّانٌ مٌن طٌينُ (7) ثٍمَّ جّعّلّ نّسًلّهٍ مٌن سٍلالّةُ مٌن مَّاءُ مَّهٌينُ (8) ثٍمَّ سّوَّاهٍ وّنّفّخّ فٌيهٌ مٌن رَوحٌهٌ وّجّعّلّ لّكٍمٍ السَّمًعّ وّالأّبًصّارّ والأّفًئٌدّةّ قّلٌيلاْ مَّا تّشًكٍرٍونّ (9)) (السجدة)، (أّيّحًسّبٍ الإنسّانٍ أّن يٍتًرّكّ سٍدْى <36> أّلّمً يّكٍ نٍطًفّةْ مٌن مَّنٌيُ يٍمًنّى <37> ثٍمَّ كّانّ عّلّقّةْ فّخّلّقّ فّسّوَّى" <38> فّجّعّلّ مٌنًهٍ الزَّوًجّيًنٌ الذَّكّرّ وّالأٍنثّى" <39> أّلّيًسّ ذّلٌكّ بٌقّادٌرُ عّلّى أن يٍحًيٌيّ الًمّوًتّى<40>) (القيامة).

ومثل الإنسان في هذا النشوء والارتقاء والتطور والتحول، الجماد، والنبات؛ (يّا أّيَهّا النَّاسٍ إن كٍنتٍمً فٌي رّيًبُ مٌنّ الًبّعًثٌ فّإنَّا خّلّقًنّاكٍم مٌن تٍرّابُ ثٍمَّ مٌن نَطًفّةُ ثٍمَّ مٌنً عّلّقّةُ ثٍمَّ مٌن مَضًغّةُ مَخّلَّقّةُ وّغّيًرٌ مٍخّلَّقّةُ لٌنٍبّيٌنّ لّكٍمً وّنٍقٌرَ فٌي الأّرًحّامٌ مّا نّشّاءٍ إلّى أّجّلُ مَسّمْى ثٍمَّ نٍخًرٌجٍكٍمً طٌفًلاْ ثٍمَّ لٌتّبًلٍغٍوا أّشٍدَّكٍمً وّمٌنكٍم مَّن يٍتّوّفَّى ومٌنكٍم مَّن يٍرّدَ إلّى أّرًذّلٌ الًعٍمٍرٌ لٌكّيًلا يّعًلّمّ مٌنً بّعًدٌ عٌلًمُ شّيًئْا وّتّرّى الأّرًضّ هّامٌدّةْ فّإذّا أّنزّلًنّا عّلّيًهّا الًمّاءّ اهًتّزَّتً وّرّبّتً وّأّنًبّتّتً مٌن كٍلٌ زّوًجُ بّهٌيجُ (5)) (الحج)، وذات القانون، يحكم الإعادة والبعث والإحياء؛ (وإذً قّالّ إبًرّاهٌيمٍ رّبٌ أّرٌنٌي كّيًفّ تٍحًيٌي الًمّوًتّى قّالّ أّوّلّمً تٍؤًمٌن قّالّ بّلّى ولّكٌن لٌيّطًمّئٌنَّ قّلًبٌي قّالّ فّخٍذً أّرًبّعّةْ مٌنّ الطَّيًرٌ فّصٍرًهٍنَّ إلّيًكّ ثٍمَّ اجًعّلً عّلّى كٍلٌ جّبّلُ مٌنًهٍنَّ جٍزًءْا ثٍمَّ ادًعٍهٍنَّ يّأًتٌينّكّ سّعًيْا واعًلّمً أّنَّ اللَّهّ عّزٌيزِ حّكٌيمِ <260>) (البقرة).

وفي تراثنا القديم، نقرأ عن تجارب الأسلاف، منذ ما قبل الإسلام، في تخيرهم الأرحام لنطفهم، تحسيناً للنسل وارتقاء به وتطوراً له، وكذلك كانوا يصنعون في الحيوان والنبات، انتخاباً في اللقاح والتلقيح، وتطعيماً وتهجيناً، ومع أسلافنا وأمتنا وحضارتنا، اتفقت وتتفق - كما أشرنا - كل الأمم والحضارات في الإيمان بحقائق وقوانين النشوء والتطور والارتقاء فالجميع إزاء المبدأ والقانون يجتمعون على هذا المشترك الإنساني العام. 

مذهب التطور لدى الغرب

لكن للحضارة الغربية في مذهب التطور والنشوء والارتقاء مضامين وأبعاداً هي من صميم «الخصوصية الحضارية»، التي تميزها عن حضارتنا العربية الإسلامية، فتنفرد بها عن هذا «المشترك الإنساني العام»، وعلى سبيل المثال؛ فمن النظريات التي أدت دوراً محورياً في طبع فكر الحضارة الغربية الحديثة بطابعها، وأثرت أبلغ التأثير في مختلف ميادين هذا الفكر، حتى غدت بمثابة المنطلق والفلسفة لكثير غيرها من النظريات الأساسية التي مثلت قسمات الفكر الغربي الحديث، تلك التي صاغها "تشارلز داروين" (1809 – 1882م) للتطور والنشوء والارتقاء في كتابه الشهير «أصل الأنواع»، وفي هذه «الدارونية» - سواء عند مُنشِئِها، أو عند تلاميذه بتياراتهم المختلفة - لم تقف الحضارة الغربية، في هذه القضية عند «المشترك الإنساني العام»، وإنما ابتدعت جديداً هو الذي نراه «خصوصية حضارية غربية» لا يجب قبوله قبول «المشترك الإنساني العام»، وذلك من مثل:

1- القول بوحدة أصل الأنواع الحية، بدءاً بالخلية الواحدة التي تخلقت ذاتياً، ومروراً بالحيوانات الفقارية، حتى القردة، التي هي أصل الإنسان! فهذه «الإضافة الغربية» ذات النزعة المادية الإلحادية لزعمها التخلق الذاتي للحيوان ذي الخلية المفردة، والمفتقرة إلى «الصدق العلمي» لاختراعها قانوناً عاماً بناء على استقراء ناقص، كما أثبت ذلك علماء أوروبيون وغربيون أيضاً، هذه الإضافة الغربية قد أتى على بلادنا حين من الدهر ابتلعتها حياتنا الثقافية والفكرية والتعليمية مع ما هو - في التطور - «مشترك إنساني عام»، وهذا لون من ألوان الغزو الفكري الذي لا يميز بين «الخصوصيات الحضارية» وبين «المشترك الإنساني العام».

2- وقالت "الدارونية" أيضاً بتأسيس التطور والارتقاء على «التناقض المطلق»، وزعمت أن قانون الحياة والأحياء هو صراع الأضداد على البقاء، وأن البقاء في هذا الصراع، ومن ثم الارتقاء هو للأقوى، لأن هذا الأقوى هو الأصلح!

"الدارونية" والاستعمار

 فكان أن أعطت هذه «الفكرة - الدارونية» للحضارة الغربية في عصر الكشوف الجغرافية والمد الاستعماري التبرير والمشروعية لكل ما مارسه الغرب ضد الأمم والحضارات التي ابتليت باستعماره من قهر ونهب وإبادة ومسخ ونسخ وتشويه، فإذا استرقّ الغرب الشعوب الملونة استرقاقاً جماعياً، فأقام رخاءه المادي على جماجمهم، وسيّر سفن سعادته في بحار عرقهم ودمائهم، فذلك مشروع؛ لأنه هو الأقوى، فهو الأصلح للبقاء، وفقاً لهذا القانون «العلمي» الذي زعمته "الدارونية"! وكذلك الحال إذ هو أباد الهنود الحمر، ونسخ حضارتهم، وإذ هو اقتلع شعوباً من أوطانها واستعمرها استعماره الاستيطاني، كما هي الحال في فلسطين وجنوب أفريقيا، وكما حاول في الجزائر، وكذلك الحال إذ هو صنع ذات الشيء مع الأبنية الفكرية والثقافية والحضارية لهذه الشعوب التي غلبها على أمرها واقتحم عليها أوطانها بقوته، فالقوة هي الصلاح، والأقوى هو الأصلح والأجدر بالبقاء! لقد منحت هذه النظرية المشروعية الأخلاقية لـ«قانون الغابة»، فاقترف الرجل الأبيض ما اقترف واجترحت يداه ما اجترحت، وهو مرتاح الضمير، راحة أصحاب الرسالات.

وانطلاقاً من هذه الفلسفة الدارونية - التي لبست ثوب العلم الطبيعي زوراً وبهتاناً - لم يشعر كثيرون من مفكري الغرب بالخجل من مشاريع الغزو والدمار، ومن جرائم المرتزقة والأفاقين والمغامرين في المستعمرات، فـ«ماكس نوردو» (1849 - 1923م) يتحدث عن المشروع الفرنسي لاقتلاع شعب الشمال الأفريقي العربي المسلم لحساب الاستعمار الاستيطاني الغربي، فيقول: إن شمال أفريقيا سيكون مهجراً ومستوطناً للشعوب الأوروبية، وأما سكانه الأصليون فسيُدفعون نحو الجنوب إلى الصحراء الكبرى إلى أن يفنوا هناك»! 

الاستعمار الفرنسي للجزائر

و"جابرييل هانوتو" (1853- 1944م) - السياسي والمفكر الفرنسي - يقول عن رسالة الرجل الأبيض الفرنسي في الجزائر: إن شعبنا جمهوري المبادئ، قد تقلد زمام إدارة شعب آخر، منتشر في الأرجاء الفسيحة والأصقاع المجهولة، يتبع تقاليد وعادات غير التي نعني لها ونحترمها، هو الشعب الإسلامي السامي الأصل، الذي يحمل إليه الشعب الآري المسيحي الجمهوري الآن، ملح وروح المدنية.. أما «سايسيمون دي» فيقول عام 1830م، عن هذه المهمة الغربية، مهمة غزو الجزائر: هذه المملكة الجزائرية التي ستصبح بلداً جديداً يتدفق إليه الفائض من السكان من نشاط أبناء فرنسا. 

وكما بررت لهم "الدارونية" إفناء الإنسان الأقوى للأضعف، بررت لهم ذلك أيضاً في «صراع الحضارات»، فكتبوا عن العربية لغة الجزائر القومية، في عام 1818م: إن الجزائر لن تصبح فرنسية إلا عندما تصبح لغتنا الفرنسية لغة قومية فيها، والعمل الجبار الذي يجب علينا إنجازه هو السعي وراء جعل الفرنسية اللغة الدارجة بين الأهالي إلى أن تقوم مقام العربية، وهذا هو السبيل لاستمالتهم إلينا، وتمثيلهم بنا، وإدماجهم فينا، وجعلهم فرنسيين.. وكتبوا عن الإسلام، فكرية - أيديولوجية، الشعب الجزائري، بلسان الكاردينال «لافيجري»: إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد، وإن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهداً لدولة مسيحية مضاءة أرجاؤها بنور مدنية منبع وحيها الإنجيل». 

لقد صدرت هذه الأقوال - وأمثالها كثيرة - من هؤلاء المفكرين الغربيين - وأمثالهم كثيرون - دون أن يشعروا بالخجل؛ لأنهم كانوا ينطلقون من فلسفة تقول لهم: إن تنازع البقاء، وإفناء القوي للضعيف هو القانون العلمي الواجب النفاذ! ومع ذلك، يدعوننا أسرى الغزو الفكري من المتغربين إلى ابتلاع هذا «الطعم»، زاعمين أنه «علم» و«مشترك إنساني عام»، غير مدركين أنه جزء من «الخصوصية الحضارية الغربية» المعبرة عن نزعة الاستعلاء والعدوان عند الرجل الأبيض الغربي تجاه الشعوب الملونة وتجاه الحضارات التي ابتليت بالاستعمار الغربي الحديث!

"الهيجلية".. واقتلاع الهوية

وفي مجال «فلسفة التاريخ» و«التطور الحضاري» اجتهدت «الهيجلية» أن تنهض بذات الدور، فإبداع الفيلسوف الألماني "هيجل" (1770 – 1831م) في فلسفة التاريخ قد طبع الفكر الغربي بطابعه إلى حد كبير، فسادت نظريته في انبثاق الفكر، كبناء فوقي، من الواقع، كبناء تحتي، فالصور والأخيلة إنما هي بنت عصرها، فإذا دعا التطور هذا العصر إلى أن يخلي مكانه لعصر جديد، فلابد وأن تخلي هذه الصور والأخيلة والأفكار مكانها لأخرى منبثقة من العصر الجديد، ولا أحد ينكر ما في هذه النظرية من عناصر صدق نلمسها عندما ننظر في تطور المجتمعات والأفكار والحضارات، فحتى توالي وتغاير الشرائع السماوية، وفكرة النسخ، نسخ اللاحق للسابق في هذه الشرائع، شاهد على ما في "الهيجلية" من صدق وواقعية. 

لكن الأمر الذي جعل من "الهيجلية" في تفسير التاريخ «خصوصية حضارية غربية»، تجاوزت وغايرت ما هو «مشترك إنساني عام» في هذا الميدان، هو الغلو والمبالغة في التغير وتأثيراته ومجالاته، فهي قد جعلت التغيير بمثابة «المطلق»، ولم تعطِ الانتباه الكافي لعناصر «الثبات»، التي تظل قائمة فاعلة، رغم تغير الواقع المادي، والتي تحفظ على المسيرة الحضارية رغم التطور وحدتها وخصوصيتها، كما تحفظ «البصمة» على الإنسان تفرده وتميزه، رغم ما يتغير فيه عبر مسيرته من الولادة إلى الممات، فباستثناء بقايا أنقاض من الأبنية الفكرية السابقة، لن يبقي التطور - كما زعمت "الهيجلية" - من انعكاسات الواقع الغابر شيئاً، وكما حدث بالنسبة لفلسفة "الدارونية"، فلقد وظِّفت "الهيجلية" في خدمة الإعصار الاستعماري والغزو الحضاري والاقتلاع الثقافي والمسخ والنسخ والتشويه الفكري الذي مارسته الحضارة الغربية الغازية ضد حضارات البلاد التي تكتب بهذا الاستعمار. 

فالذين احتلوا أرضنا وهيمنوا على مقدراتنا قد صاغوا واقعنا صياغة جديدة، وأزالوا منه البنى والمؤسسات القديمة، في الإنتاج الفكري أو ميادين الحرف والصناعات، لقد غيروا الواقع وجعلوه «متغرباً»، وها هي الفلسفة "الهيجلية" في تفسير التاريخ تأتي لتقول: إن الطبيعي والقانوني والعلمي أن تخلى الرؤى والأخيلة والأفكار الموروثة مكانها، بعد أن غبر واقعها، لأخرى مناسبة لهذا الواقع الجديد، وبما أنه - الواقع الجديد - «متغرب» فلا بد وأن تكون الفكرية السائدة هي فكرية «التغريب»! وهذه الفلسفة "الهيجلية" هي التي وقفت ولا تزال خلف ما قرأناه وما زلنا نقرؤه لأسرى الغزو الفكري من المتغربين الراغبين إلى أن نأخذ الغرب ككل: التصنيع والقيم، العلوم الطبيعية والمُثل، التقدم العلمي والفلسفة والأخلاق؛ لأن هذا الإطلاق الذي رجحت به "الهيجلية" كفة المتغيرات على حساب الثوابت قد قاد إلى محاولاتهم نفي كل ثوابتنا، واقتلاع هويتنا وخصوصيتنا الحضارية من الجذور.

صراع الأضداد

ونحن نعتقد أن ملابسات غربية خاصة هي التي أفرزت هذه الخصوصية الغربية في فلسفة التاريخ، فلا أحد ينكر وجود التناقض والمتناقضات، ولا دور صراع الأضداد في التطور والنشوء والارتقاء، والله سبحانه وتعالى يشير إلى هذه الحقيقة وهذا القانون في القرآن الكريم عندما يقول: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (البقرة:251)، وعندما يقول: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) (الحج)، لا أحد ينكر هذا القانون الفعال، قانون «التناقض» و«الصراع»، لكن الحضارة الغربية التي جمدت كنيستها، عندما هيمنت على الدولة، كل المتغيرات الدنيوية، من الواقع المادي إلى الفكر والعلم، ففرضت الثبات على ما هو متطور ومتغير بحكم سنن الله في الكون، هذه الحضارة الغربية التي غالت كنيستها عندما حكمت في الثبات على حساب التغير، جاءت نهضتها وكرد فعل معاكس لتغالي في التغير على حساب الثبات، فكان افتقادها وافتقارها إلى الوسطية - التي هي أبرز خواصنا الحضارية - السبب في مجيء فلسفة التاريخ "الهيجلية" على هذا النحو الذي جعلها ويجعلها «خصوصية حضارية غربية»، وليست من «المشترك الإنساني العام».

«كارل ماركس»

والأمر الذي صنعه "داروين" في العلوم الطبيعية - الأحياء - والذي صنعه "هيجل" في التاريخ والفكر، صنعه "كارل ماركس" (1817 – 1883م) في علم الاجتماع، فالتناقض عنده مطلق، وصراع الأضداد مطلق، ولا بد للصراع من أن يفضي إلى أن ينفي قطب القطبَ النقيض، بهذا فسر "ماركس" تطور المجتمع من المشاعية البدائية، إلى العبودية، إلى الإقطاعية، إلى الرأسمالية، إلى الشيوعية، وبالتناقض المطلق، والصراع الطبقي الذي لابد وأن تنفي فيه وبه «البروليتاريا» «البرجوازية»، رسم "ماركس" خارطة الحياة الاجتماعية، زاعماً أنه يقدم نظرية علمية هي مما يدخل في «المشترك الإنساني العام» دخول حقائق العلوم الطبيعية وقوانينها في هذا الإطار. 

والحق، أن هذا الجانب من جوانب الماركسية، لا يعدو أن يكون علماً اجتماعياً، ارتبط بخصوصيات الحضارة الغربية، التي جمدت كنيستها المتغيرات، وألغت - أو خيل إليها - التناقضات، فجاءها رد الفعل المعاكس ممسكاً فقط بالطرف المقابل والمناقض. 

إن التناقضات الاجتماعية حقيقة واقعة لا مراء فيها، وانقسام المجتمعات إلى طبقات هي الأخرى من حقائق الواقع الملموس، والصراع بين الأضداد، وبين الطبقات ذات المصالح المتناقضة مما لا ينكره العقل السليم، لكن ما تنكر عمومه في هذه القضية، هو القول بضرورة نفي طرف للطرف الآخر في الصراع، فالمطلوب ليس النفي للقطب الآخر، واقتلاعه من الحياة والواقع، وإنما المطلوب هو استخدام الصراع سبيلاً لبلوغ نقطة التوازن، التي تنتفي فيها المظالم الصارخة والجور الواضح، فعند نقطة التوازن هذه تلتحم عُرى طبقات الأمة، أو تتعايش، وفقاً لمعايير العدل الممكنة التطبيق؛ الأمر الذي يتيح لقوى الأمة وطبقاتها أن تسهم جميعها في حمل أعباء التقدم العام وليس ضرورياً، بل ولا هو بالنافع، البلوغ بالصراع نقطة نفي أحد أقطاب الصراع القطب الآخر نفياً كاملاً ومطلقاً. 

فهذه الفكرة الماركسية، والتي عجزت المجتمعات الماركسية عن تطبيقها ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن على سيادة الماركسية - حتى لقد خلقوا بديلاً هو الحزب والدولة والشرائح الحاكمة - حل محل القطب الذي ظنوا أنهم نفوه! هذه الفكرة الماركسية مثلها كمثل "الدارونية" و"الهيجلية"، هي من «خصوصيات الحضارة الغربية»، وليست في قضية التطور والتغير والنشوء والارتقاء، مما هو «مشترك إنساني عام».

إن تزكيتنا لـ«خصوصياتنا الحضارية» لا يعني انتقاصنا أو ازدراءنا «خصوصيات الحضارات الأخرى»، فقد تكون تلك الخصوصيات طبيعية وملائمة ومفيدة هناك، والقضية الجوهرية هي الملاءمة وعدم الملاءمة، وليست بأي حال من الأحوال تعصباً أعمى للذات، وهجاء جاهلياً للآخرين، كما أنها ليست حرصاً على التميز لذات الحرص عليه، وإنما تمسك بالسنن الطبيعية التي ميزت بين الحضارات فيما هو خاص بكل منها، كما جمعت بينها فيما هو مشترك إنساني عام، كما هي الحال في تميز الإنسان الفرد عن غيره من بني جنسه، مع اشتراكه في الإنسانية مع كل بني الإنسان.

الرابط المختصر :