; الداعية الأديب الشيخ محمد المجذوب | مجلة المجتمع

العنوان الداعية الأديب الشيخ محمد المجذوب

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1698

نشر في الصفحة 42

السبت 22-أبريل-2006

  • بدأ نشاطه العلمي والأدبي وهو دون العشرين.. وتعكس مؤلفاته التي قاربت الخمسين.. أحداث عصره على مستوى العالم الإسلامي.

  • توثقت صلتي الروحية والعلمية به من خلال مؤلفاته التي تناولت موضوعات شتي في الأدب والقصة والمسرحية والشعر.

  • من أقواله: نحن أمة اصطفاها الله لرسالته التي تنقذ الإنسانية من الضياع.. وقد وعدنا الله بالعزة والنصر إذا التزمنا سبيله

  • تجاهله النقاد والكتاب العلمانيون كدأبهم في تجاهل المبدعين الإسلاميين ومع ذلك استطاع أن يشق طريقة بمواهبه.

  • د. شوقي عبد الحليم: الأستاذ محمد المجذوب.. هو الأديب النابه والقاص البارع والشاعر العملاق والخطيب المفوه والكاتب الموهوب.

  • عاد إلى مدينة اللاذقية عام ١٩٩٦م ولزم بيته واعتزل الناس وأكب على أوراقه وقلمه وألف ٤ كتب حتى وافاه الأجل في يونيو ۱۹۹۹م.

ولد عام ١٩٠٧م بمدينة (طرطوس) إحدى محافظتي الساحل السوري في بيت متدين يعمل في التجارة، وله صلة بعلوم الدين والعربية. 

تلقى دراسته الأولية في الكتاب، ثم في مدارس الدولة العثمانية، ثم على الشيوخ ومنهم عمه الشيخ عبد الله المجذوب. 

توفي والده وهو في الخامسة عشرة، فتحمل عبء الأسرة وحده، وفي السادسة عشرة تم زواجه.

شارك في النضال ضد الفرنسيين، وتعرض للسجن والمطاردة والاضطهاد معإخوانه المناضلين. 

وفي سنة ١٩٣٦م، بدأ عمله في سلك التعليم في سورية، ثم هاجر إلى المدينة المنورة سنة ١٣٨٣هـ، حيث عمل مدرسًا بالجامعة الإسلامية إلى نهاية سنة١٤٠٣هـ، حيث تقاعد وبقي بالسعودية.

نشاطه العلمي والأدبي بدأ نشاطه العلمي والأدبي وهو دون العشرين من عمره، حيث نظم قصيدة وطنية نشرتها له إحدى الصحف المحلية، ثم أتبع ذلك بإصدار رسالة يرد فيها على دعاة النصرانية بعنوان: «فضائح المبشرين ثم توالى إنتاجه العلمي والأدبي والدعوي حتى بلغت مؤلفاته قرابة الخمسين مؤلفًا، تنطلق معظمها من الرؤية الإسلامية، وتعكس أحداث عصره في سورية وعلى مستوى العالم الإسلامي، وكان من أول الداعين إلى الأدب الإسلامي من خلال مقالاته وبحوثه في مجلة حضارة الإسلام، التي جمعت فيما بعد في كتابه مشكلات الجيل في ضوء الإسلام».

ولأنه بدأ حب المطالعة منذ طفولته، إذ كان يستأجر الكتب ليقرأها على ضوء السراج، وفي مهب الرياح اللاسعة، وأهله نيام، فقد استمرت المطالعة دأبه حتى وفاته رحمه الله. 

والأستاذ المجذوب رجل عصامي مكافح، قضى شبابه كله في الكدح بمختلف الأعمال للنهوض بمسؤولياته نحو إخوته وأولاده، وقد نال الجائزة الأولى لجامعة الدول العربية سنة ١٩٤٨م على نشيده الوطني الذي نظمه، حيث تم اختياره من بين مائة نشيد.

أهم مؤلفاته

وقد مضى في طلب المزيد من العلوم والثقافة، معتمدًا، بعد الله على جهدهالشخصي ومثابرته، ومن بين مؤلفاته التي قاربت الخمسين نذكر فيما يلي أهمها:

- فضائح المبشرين.

- اليوبيل الفضي الذهبي. 

- المرشد في الأدب العربي «مع آخرين». 

- نار ونور ديوان شعر كتب مقدمتهالشاعر الكبير بدوي الجبل. 

- من تراث الأبوة «مسرحية».

- قصص من الصميم. 

- صور من حياتنا.

- فارس غرناطة وقصص أخرى «مجموعة قصصية».

- الأدب العربي للسنة الأولى «للجامعة الإسلامية».

- الأدب العربي «للسنة الثانية للجامعة الإسلامية».

- دروس من الوحي. 

- قصص وعبر.

- مشكلات الجيل في ضوء الإسلام.

- تأملات في المرأة والمجتمع.

- مشاهد من حياة الصديق.

- همسات قلب «ديوان شعر كبير».

- قصص من سورية.

- مدينة التماثيل.

- قاهر الصحراء.

- ثورة الحرية.

- الكواكب الأحد عشر.

- بطل إلى النار.

- من أجل الإسلام وحواريات أخرى.

- الآيات الثلاث.

- كلمات من القلب.

- بطل من الصعيد وقصص أخرى.

- دماء وأشلاء.

- قصص لا تنسى من تاريخنا.

- أفكار إسلامية.

- كلمات مضيئة.

- الألغام المتفجرة.

- اللقاء السعيد وقصص أخرى.

- علماء ومفكرون عرفتهم «ثلاثة أجزاء».

- خواطر ومشاعر.

- قصص لا تنسى.

- ذكريات لا تنسى.

- ردود ومناقشات.

- السبيل القريب إلى صناعة الأديب.

- صرخة الدم «رواية».

- ألحان وأشجان «الديوان الثالث».

- الإسلام في مواجهة الباطنية «نشرة باسم: أبوهيثم».

من أقواله

نشأت في بيت ملتزم بأركان الإسلام عبادة وسلوكًا، وأذكر أنني كنت في سن الحداثة، ولما أتجاوز الثانية عشرة من العمر، أقوم بصلاة التسابيح في الليل، ثم انتقلت إلى المدرسة التركية في المعهد العثماني.

وكانت الكتب التي أقرؤها منطلقة من التوجه الإسلامي، وفي مقدمتها مجلة المنارة التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا، وكتب الشيخ محمد عبده، ومحمد فريد وجدي ومصطفى صادق الرافعي، وأمثالهم، ومن شأن هذا كله أن يضبط خطاي في الطريق الإسلامي. 

ثم جاءت الحركات الوطنية في مقاومة الانتداب، وفي سبيل الاستقلال، فشاركنا فيها من منطلق الروح الإسلامي نفسه، وضاعف من شعورنا هذا ما عانيناه من مضايقات الفرنسيين وأعوانهم في السجون وغير السجون.. وفي هذا الجو بدأت أنشر أفكاري الإسلامية في مختلف الصحف. سواء عن طريق المراسلة أو المقالة أو الشعر أو القصة.. ولقد قضيت في التعليم ما يزيد على الأربعين سنة، درست خلاله العربية والأدب والسيرة النبوية والحديث الشريف ملتزمًا في كل ذلك الخط الإسلامي، وأخرجت كذلك قرابة الخمسين من الكتب، وقدر الله لي أن أشارك مع نخبة من خيرة العاملين للإسلام، وفي مقدمتهم الدكتور مصطفى السباعي والأستاذ محمد المباركة والأستاذ عصام العطار، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وغيرهم من رجال الدعوة الإسلامية في سورية في النشاط الإسلامي في مختلف المحافظات والمدن السوريةوالحمد لله.

صفوة القول: فنحن أمة اصطفاها الله لرسالته التي عليها يتوقف إنقاذ الإنسانية من الضياع، وقد وعدنا الله بالعزة والنصر – ما التزمنا سبيله، واعتصمنا بحيله، ورضي الله عن الفاروق عمر القائل لأخيه أبي عبيدة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلامومهما نبتغ العزة بغيره أذلنا الله، ولقد مضينا في طريقنا نبذل الجهود المضنية في إحياء الروح الإسلامي، وإيقاظ الوعيوتعميق الانتماء إلى منهج القرآن والسنة...وقد بدأنا ذلك في طرطوس، بالتعاون مع نخبة من شبابها، وبلغنا مرحلة لا بأس بها من النجاح على الرغم من العقبات التي كان يقيمها في طريق الدعوة بعض ذويالأغراض المشبوهة ويريدون إقصاء الشباب المسلم عنها، ولكن استجابة هؤلاء الشباب كانت أكبر من دسائسهم، والحمد لله، ثم شاء الله أن أنتقل إلى اللاذقية للتدريس فكلفت الإشراف على مراكز الدعوة على امتداد الساحل.

معرفتي به: كانت معرفتي به من خلال ما كنت أقرأ له في مجلة حضارة الإسلام، التي كان يصدرها الدكتور مصطفى السباعي وفي مجلة التمدن الإسلامية، التي كان يصدرها الأستاذ أحمد مظهر العظمة، ومحمد كمال الدين الخطيب بسورية من مقالات وقصص وقصائد وبحوث وفي غيرهما من المجلات الإسلامية.

كما كنت أسمع عن نشاطه في العمل الإسلامي مع إخوانه: مصطفى السباعي ومحمد المبارك، وعبد الفتاح أبو غدة وغيرهم.

ثم كان لقائي به في المدينة المنورة حين حضوري الاجتماعات المجلس الاستشاريللجامعة الإسلامية الذي كنت عضوًا فيه طوال خمس سنوات حيث التقيته مع إخواني د. محمد السيد الوكيل، والأخ عبد العزيز الناصر، ود. عبد الله القادري وغيرهم من الإخوان المقيمين بالمدينة المنورة مرات كثيرة. 

وتوثقت الصلة الروحية والعلمية معه من خلال ما كنت أقرؤه من مؤلفاته التي تناولت موضوعات شتى في الأدب والقصة والمسرحية والشعر، فضلًا عن الدروس والمحاضرات واللقاءات والندوات.

وحين شرعت في إصدار كتابي من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة كان للأستاذ محمد المجذوب الفضل الكبير بعد الله في تزويدي بمعلومات مفيدة عن بعض الشخصيات التي كتبت عنها في كتابي أنف الذكر، وقد أشرت إلى ذلك في ثنايا الترجمات للأعلام الذين كتبت عنهم، فجزاءالله خير الجزاء على ما قدم من جهود علمية ودعوية، تركت أطيب الأثر في المدينة المنورة بين طلاب الجامعة الإسلاميةوجماهير الناس عمومًا، من خلال دروسه في المساجد ومحاضراته في الأندية، وأحاديثه في المجالس العامة والخاصة بالمدينة المنورة، حيث كسب حب الجميع.

قالوا عنه:

يقول الدكتور شوقي عبد الحليم حمادة: 

الأستاذ محمد المجذوب هو الأديب النابه والقاص البارع، والشاعر العملاق والخطيب المفوه والكاتب الموهوب.. تتميز آثاره في مختلف حقول المعرفة، بأنها دائمًا حديث القلب إلى القلب، لأنه من قلم مجاهد يصدع بكلمة الحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم، فهو لذلك مرتاح الضمير مطمئن القلب على الرغم من مسؤوليته التي تنوء بها العصبة أولو القوة.

ويقول الأستاذ عبد الله محمود الطنطاوي: الأستاذ محمد المجذوب علم من أعلام الفكر، والشعر، والأدب، والدعوة إلى الله على بصيرة.. كان يعد في الرعيل الأول من الشعراء السوريين، أمثال: بدوي الجبل، وعمر أبي ريشة، وعمر بهاء الدين الأميري، وعندما أصدر ديوانه الأول: نار ونوره عام ١٩٤٩م، قرأنا كلامًا منصفًا لمقدم الديوان الشاعر الكبير بدوي الجبل. فقد أطرى الشاعر وشعره، ووقف عند قصيدته (نجوى قبرة) وعدها من الأدب العالمي لما فيها من روح إنسانية شفيفة. وأسلوب مرهف، وصور أدت الغرض الإنساني الذي رمى إليه الشاعر في - قصيدته البديعة هذه.

والأستاذ المجذوب من رواد القصة – والرواية في سورية خاصة، وفي الوطن العربي عامة، يقف إلى جانب الدكتور – شكيب الجابري والدكتور عبد السلام العجيلي من الرواد في سورية.

وهو ذو باع طويل في مجال المقالة والبحوث الفكرية...

أما في ميدان الدعوة إلى الله، فكان من الرعيل الأول أيضًا، فقد كان أحد المؤسسين لجماعة الإخوان المسلمين في الساحل السوري، وكان رفيق درب الأستاذين الكبيرين الداعيتين: الدكتور الشيخ مصطفى السباعي، والأستاذ المفكر المبدع محمد المبارك، رحمهم الله جميعًا.

نماذج من شعره

نجوى قبرة:

حنانك لا تخشي أذاي ولا ضري *** فما أنا ذو تاب ولا أنا ذو ظفر

حنانك لا يخفق جناحاك رهبة *** ولا ترمني عيناك بالنظر الشرر.

أحدرًا وفي جنبي يا طير، للورى *** والطير دنيا من رؤى الحب والشعر!

أراعك هذا الحمل بناي تحته *** مطاي فلا ينفك ينجده صبري

وخطو يشير الأرض لولا نداوة *** ذرتها على ميت الثرى أدمع القطر

وسورة أنفاس يكاد زفيرها *** يسيل شعاعًا في لوافحه سحري

فلملمت أطراف الجناح تحفزًا *** وأمسكت خوف العائلات عن النقر

وقلت، وقد أسرفت بالغ من الورى *** أخو شرك يطوي الضلوع على مكر!

حنانك بعض الظن إثم فما أنا *** ودنيا الورى إلا الغريب مع السفر

حنانك.. لست المرء يطلب يسره *** بآلام مخلوق سواه على عمري

سلي خفقات النجم في لجة الدجى *** وعربدة الأسحار في يقظة الفجر

سلي عرف هاتيك الأزاهير في الربي *** وهينمة الصفصاف في عدوة النهر

سلي الوادي النشوان بالعطر والندى *** يطل عليه السفح بالحلل والنصر

سليها فمن قلبي على كل نفحة *** بها أثر يروي المكتم من سري

سلي عن أغاني الحياة فلم يزل *** بمسمعها رجع من النعم البكر

لئن أخفتتها قسوة الدهر فترة *** لفي النفس لحن عز عن قسوة الدهر

فقد يخرس الطير الحبيس وملؤه *** حنين يهز الروح للأفق الحر

***

وددت لوني جارك العمر كله *** أذود بنفسي عنك عادية الغدر

تضوء عشياتي برياك فتنة *** وتسكرني نجواك في البكر الخضر

ويسلقني في الحقل ظلك عابثاً *** فأقفز فوق الشوك في إثره أجري

وأنعم تحت العش في حضن مضجع *** يسيل عليه الطل من أكوس الدهر

فراشي فيه العشب غضاً ممهداً *** وثيراً، ولكن الوساد من الصخر

ومن ورق الدفلي على غلالة *** تقي جسمي العاري أذى البرد والحر

منى من تهاويل الخيالات حاكها *** صناع من الوهم المجنح في صدري

حلمت بها في عفوة الخطب برهة *** فلما صحا جفت رؤاي من الذعر

وهمت بذكراها وقد حال بيننا *** غياهب من ليل الحقيقة والفكر

أعدت إلى القلب المحطم طيفها *** جديداً فعاد السحر في دمه يسري

وأنسيته أوجاع دنيا هوت بها *** زعازغ تذرو الموت في البر والبحر

طغا في مغانيها الدمار وصوحت *** مفاتنها، رغم النهي، شهوة الشر

فعلي جفوني المغمضات تضمها *** قليلاً وخلي الطيف يلمسه ثغري

ولا تفسدي بالشك نشوة حلمنا *** فما هي إلا فترة ثم.. لا ندري!

في ظلال الكعبة

سعيداً أنا في ظلال الحرم *** فلا تسألوني بماذا؟ ولم؟

أحس بجسمي فوق الأثير *** وقد شف بل خف حتى انعدم

فلا عجب أن يموت البيان *** ويعيا يوصف رؤاي القلم

أكاد أرى هاجراً، والصغير *** يروعه الظمأ المحتدم.

فتجري هناك وتعدو هنا *** وفي سمعها صرخات الألم

تفتش عن جرعة تنقذ *** الوليد وتطفي بعض الضرم

وقد أوشك اليأس يجتاحها *** فتسلم ذا لديها للعدم

ولكن ربك لم ينسها *** وأدركها بجزيل النعم

فذلك جبريل يحبو الثرى *** يري النفوس وبره السقم

يمس بقادمتيه التراب *** فيدفق بالعذب حتى يطم.

وها هي ذي زمزم لا تزال *** إلى اليوم والغد ورد الأمم.

***

... وألمح ثم أبا الأنبياء *** وبين يديه فتاه العلم.

يقيم قواعد هذا البناء *** وقد خطط الرسم باري النسم

ويؤمر إذ ينتهي أن يذيع *** على الكون بشرى الذي قد أتم.

فيهتف في الناس هذا المقام *** الذي شاء ربكم أن يوم

فتنداح صبحته في السهول *** وخلف البحار وفوق الأكم

ويأتيه سعياً وفوق المتون *** أولو الحظ من كل فج ويم.

***

وأبصر أبرهة، في الجيوش *** ومن تحته الفيل طوداً أشم

يطاول بالكبرياء النجوم *** ويحسب في قبضتيه السدم.

يسير إلى مكة منذراً *** بنيتها بالبلاء الأعم

وبياس شيبة، من حوله *** ومن حوله فينادي هلم

دعوا البيت وانجوا بأنعامكم *** فبيت المهيمن لا يقتحم

سيحميه منهم غداً مثلما *** حماه على الدهر منذ القدم

... وفر عن البيت حراسه *** سوى واحد عينه لم تنم

وحاول ذو الفيل تسييره *** إلى مكة فأبي وانهزم

على أنه كلما رده *** إلى غيرها خف لا بل هجم

وجاء القضاء بأجناده *** من الطير كالقسطل المدلهم

فراحت نصب مناقيرها *** على الظالمين رجوم النقم.

وما هي إلا الهنيهات حتى *** استحال الغزاة كعصف هضم

وتمضي المشاهدة حتى أرى *** إمام النبيين بمحو الظلم

ينادي إلى الله يا ضائعون *** ومن يتبع هديه لم يضم

وعن كثب ندوة المشركين *** تحوك لحرب الحبيب التهم

وترمي بلالاً وإخوانه *** من القارعات بسيل عرم

يريدون منهم ولو لفظة *** تسجل نصرًا لحزب الصنم

فلا يسمعون من المؤمنين *** سوى ما يضاعف تلك الحمم!

كأني بأذانهم كلما *** دعاها الطغاة اعتراها الصمم

وألسنتهم كلما روودت *** على الكفر أفضى إليها البكم

وتهتف بل أحد *** فتصغي البطاح وتهفو القمم

***

وينطلق الروح في مده *** إلى عالم قبله لم يرم.

فأشهد عودة خير الأنام إلى *** ها هنا في ليوث الأجم

وقد ذلل الله أعداء *** فليس لهم دونه معتصم

يقول لهم: ما تظنون بي؟ *** فيضرع كلهم في ندم

الست الجواد الذي لا يزال *** يقابل زلاتنا بالكرم!

أخ فوق ما قد عهدنا الإخاء *** وفاء وبرأ بحق الرحم

فيرسلها بشريات سرت *** بسمع الزمان كأشهى النغم

ألا فاذهبوا.. أنتم الطلقاء *** ولا تجزعوا.. لست بالمنتقم

ويومي لرمز الضلال الذي *** على البيت منذ لحي، جثم

فتهوى الطواغيت من فوقه *** منكسة بعد ذاك العظم

كذلك يعلو بناء الأباطيل *** حتى إذا الحق جاء الهدم

ويزجي بلال نشيد السماء *** بأعلاء عذبًا يهز الأصم

ولكن عتاب([1])  والحائرين *** یرون بذاك انتهاك الحرم

أعبد أمية نسل السواد *** علا البيت! يا للبلاء العمم!

ولا ريب أن امرءًا أثر *** الحمام على هذه لم يلم

ويهمس وابني هشام وحرب *** حديثًا يفيض بمثل اللمم

وقد حسبوا أنه قد ثوى *** بأعماقهم حيث لا مقتحم

ولكنهم فوجئوا بالنبي *** يميط اللثام عن المكتتم

ينبنهم بالذي غيبت *** صدورهم من رهيب الكلم

فلا يستطيعون ردًا وقد *** دروا أنه الحق من ربهم

***

ووافي، فضالة، مستخفيًا *** ويخفي وراء الرداء الخدم

يمني مناة بألا يعود *** إذا لم يغضبه من خير دم!

وأطمعه آن رأى المصطفى *** نجي الإله لدى الملتزم

فأحكم قبضته في الحمام *** وراح يراقبه من أمم

وهم ولكن سرت رعدة *** به تتلاشی لديها الهمم

ولما أتم الرسول الصلاة *** تطلع في وجهه وابتسم

أدناه يسأله ما به؟ *** فلم يبدأ الرد حتى وجم

فمد إلى صدره راحة *** بلمستها كم شقاء حسم.

وعاد فضالة، في غمرة *** من الوجد فوق مجال الحلم.

وليس أحب إلى قلبه *** من المصطفى بعد محيي الرحم!

ففي لحظة طهرت روحه *** فليس لها في سوى الله هم.

ويعير بامرأة طالما *** غزت قلبه قبلها فانهزم.

فتهتف: هيا إلى شأننا *** ويهتف: يأبى الهدى والشمم.

تنحي في الحق ثاب النهي *** وبالنور ليل الضلال انحسم

ولن ينكا الإثم جرحًا أمرت *** يدا أحمد فوقه فالتأم

ولن يقرب الغي صدرًا أضاء *** جوانحه حب خير الأمم.

وفاته

عاد الشيخ الجليل من السعودية، إلى مدينته اللاذقية السورية عام ١٩٩٦م ولزم بيته، فلم يغادره إلا لضرورة، واعتزل الناس، واكب على أوراقه وقلمه، وألف أربعة كتب ثم وافاه الأجل المحتوم في شهر يونيو ۱۹۹۹م، وتناقل العلماء والأدباء والكتاب في أنحاء سورية ولبنان نبأ وفاته، وطالبوا بتأخير دفنه حتى يتمكنوا من الحضور إلى اللاذقية من أجل المشاركة في تشييعه، وكان لهم ما أرادوا، وبعد ثلاثة أيام من الوفاة شيعه الآلاف من تلاميذه وإخوانه وأصدقائه وألقوا أمام قبره كلماتهم وقصائدهم، وبكاه كل من عرفه، ودعوا الله أن يرحمه ويسكنه الجنة، فلطالما عمل في ميادين الدعوة إلى الله، وامتحن بالسجن والاغتراب عن وطنه من أجل دينه وجماعته رحمه الله رحمة واسعة، والحمد لله رب العالمين.

([1]) عتاب بن أسيد.. والحارث بن هشام.. وأبو سفيان بن حرب.  

الرابط المختصر :