العنوان الداعية وأثره في نشر الدعوة الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 57
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 19-يناير-1988
تناول الكثير من
الكتاب والمفكرين ورجال الإعلام شروط وخصائص الداعية الإسلامي في الآونة الأخيرة،
وبالتالي كثر الحديث عنه لدى كثير من عامة المسلمين، وكل واحد من هؤلاء تناول
الجوانب الخاصة لهذه الخصائص.
ويرجع هذا
الاهتمام إلى الدور الهام الذي يقوم به الداعية الإسلامي في العصر الحاضر مع تطور
وسائل الإعلام، وتنوعها من مقروءة إلى مسموعة إلى مرئية؛ مما سهل على الكثير من
المسلمين الاستماع أو مشاهدة أو قراءة ما يقوله الداعية أو يكتبه بدون عناء يُذكر
أو جهد، بل أصبح بعض المسلمين يعقد المقارنات المختلفة بين علمائنا الأفاضل
ومفكرينا العظام اعتقادًا منهم أنك إذا فضلت واحدًا منهم على الآخر أخذ عنه وترك
الآخرين، وهذا يجعل الإجابة في غاية الصعوبة لدى المثقفين والمتعلمين ممن يتلقون
هذه الأسئلة من عامة المسلمين، ناهيك عن أحكامهم المطلقة على العلماء الأفاضل مما
قد يؤثر على طلاب العلم في المراحل العلمية المختلفة، ويؤثر على تقبل فتاواهم من
عامة المسلمين. إن الأمر ليس بهذه السهولة وبالأحرى ليس بهذه السذاجة التي يتصورها
البعض، فإن لعلوم الفقه والشريعة فقهاء يجتهدون ويفتون، ويصدرون فتواهم عن سعة
اطلاع، وبحث في المسائل الفقهية المختلفة على مذاهب الفقه المعروفة.
كما أن للتفسير
مفسرين يتصفون بقدرة عالية على الفهم والإدراك، وقدرة على استنباط أحكام القرآن
الكريم، من حيث المنطوق والمفهوم والمحذوف والمستتر طبقًا لقواعد اللغة العربية
وأصول الفقه، وأيضًا لشراح أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- محدثين، يتسمون
بالقدرة على معرفة الأحاديث الصحيحة والأحاديث الضعيفة بالرجوع إلى علم مصطلح
الحديث، والأسانيد العلمية، كما أن للخطابة خطباء لهم خصائص معينة، مثل: الجرأة،
والشجاعة، والصدق، وسعة المعرفة والاطلاع، وقدرة على مخاطبة المسلمين بأسلوب عصري
مناسب.
وللكتابة كتاب
يتصفون بالقدرة على العرض الجيد للموضوع، والبحث في أمهات الكتب بصبر وأمانة وتقوى
واطلاع.
وقد يتوافر في
واحد من هؤلاء جميع هذه الخصائص، وقد يتوافر فيه بعضها، وقد لا يتوافر فيه إلا
خصائص الفن الذي يمارسه فقط، بمعنى أن الخطيب ليس بالضرورة أن يكون كاتبًا، وليس
الفقيه بالضرورة أن يكون محدثًا وهكذا.
أما الداعية
الإسلامي فيجب أن تتوافر فيه معظم خصائص الخطيب والكاتب والمحدث والمفسر والفقيه،
ويمكن توضيح هذه الخصائص فيما يلي:
أن يكون حافظًا
لكتاب الله وأحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهمها فهمًا جيدًا؛ لأن الداعية
الإسلامي إذا كان جاهلًا بكتاب الله وسنة رسوله فقد قدرته على التفاعل مع مراحل
الزمن المختلفة وحركة التاريخ القديم والمعاصر، وبالتالي يكون ضرره أكثر من نفعه؛
لأن الفهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله يجعل الداعية لديه القدرة على تغطية
المراحل الزمنية باستمرار بحيث يستطيع إقناع المسلمين بالحجة، والأدلة الدامغة لما
يقول، مستشهدًا بما جاء في كتاب الله العزيز وسنة الرسول محمد -صلى الله عليه
وسلم- في كل المواقف التي يواجهها.
أن يكون عالمًا
بأصول الفقه والشريعة، فكلما كان الفقيه دارسًا لأحكام المذاهب الإسلامية وأصول
الفقه، عالمًا بالتراث الإسلامي وأحكام الإسلام؛ كلما استطاع أن يستنبط من هذه
الأحكام ما يتلاءم مع ظروف كل مسألة فقهية مستعينًا بالأدلة الشرعية، أو القياس،
أو إجماع الصحابة، أو أقوال العلماء الأفاضل ممن لهم باع طويل في استنباط الأحكام
الشرعية من مذاهب الفقه الإسلامي المختلفة.
أن يكون عالمًا
بأصول اللغة العربية؛ إن دراسة اللغة العربية ومذاهب النحويين المختلفة ومعرفة
أصول اللغة - تجعل الداعية لديه القدرة على فهم ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله
وتخريجها على الوجه العلمي السليم لمعنى اللفظ والأسلوب البلاغي المناسب، بل
ويستطيع استخراج أسرار الإعجاز القرآني في انتقاء اللفظ واختيار الأسلوب المناسب
لتوضيح المعاني بتأويل الأساليب على وجهها الصحيح، كما أنه يبين أيضًا ما قد
يتبادر إلى الذهن من تناقضات ظاهرية، ويؤولها على الوجه الأصح.
أن يكون قدوة
حسنة في أفعاله وأقواله وسلوكياته؛ فبعض المسلمين يهتم بسلوك الداعية أكثر من
اهتمامه بالدعوة نفسها، فالصدق يشمل الصدق مع الله، والصدق مع النفس، والصدق مع
الناس. ويقول الشيخ أحمد زروق: "إنه صدق التوجه إلى الله" فبذلك ترفع
مكانة الكلمة التي يبلغها إلى الناس عن الله -عز وجل- فوق كل الشبهات.
أن يكون مرنًا
في تبليغ الدعوة، ونعني بذلك عدم الجمود أو الاعتماد فقط على اجتهادات السابقين
وإلى تراثهم، والاكتفاء بالتقليد، بل لا بد من الاجتهاد الشخصي أو الذاتي في كل ما
يستجد من محدثات الحياة، وأن يوفر الداعية الإسلامي المادة العلمية والفقهية التي
تمكنه من أن يكون له رأي واضح ومستقر لا سيما في القضايا الطارئة. ولقد ظهرت بشائر
هذه الاجتهادات تحمل بذور اجتهادات علمية جديدة لبعض علماء الإسلام ومفكريه، ونأمل
المزيد -إن شاء الله- عملًا بقول الإمام الشافعي في مقدمة كتابه «الرسالة»:
"كل ما نزل بمسلم ففيه حكمه اللازم"؛ أي أن كل قضية في الحياة لها حكم
في الشرع. ويؤكد ذلك الدكتور عبد الفتاح بركة -أمين مجمع البحوث الإسلامية بمصر-
حيث قال: "إن الفقه الإسلامي قادر على العطاء دائمًا في مواجهة القوانين
الوضعية، ونصوص الشريعة مهيئة لتقبل أي اجتهاد في إطار هذه النصوص". ويضيف:
"أن هناك عشرات القضايا التي حار فيها القانون ولم يجدوا الحل إلا في
اجتهادات الفقهاء، بل إن في الشريعة نصوصًا متطورة عن النصوص القانونية
الموضوعة".
أن يكون على
معرفة جيدة بالعلوم المعاصرة: يُفضل أن يكون الداعية ملمًا إلمامًا كافيًا بالعلوم
الحديثة، ونعني بها "العلوم الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية،
والعلمية" إلى حد ما، وإن كان البعض لا تنشرح صدورهم لكلمة المعاصرة مقرونة
بالإسلام، كما يقول المفكر الإسلامي الكبير خالد محمد خالد؛ فهو يرى "أن
الذين يسلبون قدرته على المعاصرة واهتماماته النبيلة بالمعاصرة فإنهم في نفس الوقت
يسلبون الإسلام حقه في أن يكون دينًا عامًا وخالدًا، إذ لا يمكن لدين عام شامل
-إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- أن يضع آلاف الأجيال في قوالب جاهزة، وهذا من
أسرار عظمة الإسلام". والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يحمل هذا
العلم من كل خلف عدوله" أي أن الاجتهاد باقٍ ما بقي الإنسان، فالخلف يعني
الجيل من كل جيل عدوله، وعلى هؤلاء أن يحملوا هذا العلم إلى الناس تأييدًا
وتجديدًا.
أن يكون معتدلًا
وسطيًا: ونعني به ألا يكون مغاليًا في أحكامه وأقواله بحيث يبعد الناس عنه، وألا
يكون متساهلًا يأخذ بأنصاف الحلول لإرضاء الحكام أو أصحاب النفوذ، بل أن يكون
وسطيًا كما عبر القرآن الكريم عنها بقوله -سبحانه وتعالى-: {وَكَذَٰلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (سورة البقرة، آية:143). وهذه الوسطية هي التي
مكنت الإسلام من أن تكون له الكلمة العليا في جميع قضايا العصور ومشكلات البشر في
كل زمان ومكان.
أن يكون مؤمنًا
برسالته لا يبالي بخصومات الشرق والغرب، وهذا يعني أن يكون الداعية واثقًا من نصر
الله للمسلمين ومعهم وعد الله بالنصر: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (سورة آل عمران، آية: 139)، وألا يعبأ
الداعية بما يضعه الآخرون من مشاكل في طريق الدعوة؛ لأن هذه سنة الله في خلقه. وقد
جاهر الصحابة -رضوان الله عليهم- في سبيل تطبيق عقيدة التوحيد، وكان غالب حالهم مع
خصومهم كما يقول القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ
الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا
انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا
إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ *
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} (سورة المطففين:29-34).
أن يكون عارفًا
بمضمون الحرية في الإسلام: فالحرية في الإسلام تعني روح الدين وروح الإنسان فحينما
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قولته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد
ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" كان يصور في صدق وحذق وذكاء كبير حقيقة الحرية في
الإسلام، وهي كما يرى الأستاذ خالد محمد خالد: "حق إلهي يمنحه الله للعبد من
لحظة مولده وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، لقد هبط من بطن أمه يحمل شهادة التأمين
على حريته". قال -تعالى-: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (سورة البقرة، آية:256)، ولذلك يخاطب الله رسوله:
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} (سورة الغاشية، آية:21) يحصر وظيفته في
التبليغ والتذكير، ثم يخاطب مؤكدًا: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} (سورة
الغاشية، آية:22).
وهذا يتطلب
توعية الشباب المسلم بحقائق الإسلام؛ لأن العثرة المتوقعة من الشباب المسلم الضال
أخطر من العثرة القادمة إليه من الخارج، وأعتقد أن أعداء الإسلام يعتمدون على هذا
السلاح، أعني به سلاح اللاوعي والجهل بالحرية في الإسلام والتطرف في مضمونها.
وصفوة القول: أن
يكون الداعية الإسلامي مسلحًا بسلاح الإيمان والصدق والشجاعة، مدركًا لأحكام
الشريعة الإسلامية، واسع الاطلاع، عالمًا بسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-
والصحابة، وأتباعهم، ومسيرة العلماء الأجلاء، متمتعًا بالحضور وسرعة البديهة،
مقبولًا من عامة المسلمين لا متسلطًا عليهم، مستقلًا في أفكاره، مدركًا للأخطار
التي يواجهها العالم الإسلامي لا سيما بعد الصحوة الإسلامية التي تعم أرجاء العالم
الإسلامي اليوم سواء الأخطار الخارجية من أعداء الإسلام أو الأخطار الداخلية ممن
ينتسبون إلى الإسلام، وبذلك يكون للداعية صولته وكلمته التي يحترمها العالم
الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها حكامًا ومحكومين، وما ذلك على الله بعزيز.
عبد الفتاح محمد
المنسي.
الشيطان يعدكم
الفقر.
قال -تعالى-:
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ
يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة
البقرة، آية:268). إن للشيطان أبوابًا كثيرة يدخل منها إلى النفس البشرية وخاصة
إلى الإنسان البعيد عن منهج الله، وأحد هذه الأبواب هو باب الخوف من الفقر، وهو من
أوسع أبواب مداخل الشيطان؛ حيث يزرع في نفس الإنسان الحرص، الحرص على جمع المال
والتكالب عليه ليل نهار، حتى يغفل الإنسان عن حقوق الله -عز وجل- وحقوق نفسه وزوجه
وأولاده وأقاربه و...، بل من شدة حرصه على المال لا يبالي من أين يكتسب المال من
حلال أم من حرام؟ فالمهم عنده هو جمع المال.
ثم بعد أن دخل
الشيطان من باب الحرص يدخل من باب كنز المال وتخزينه حتى يكون ذخيرة له ولأولاده
في المستقبل، فيمسك يده عن الإنفاق في سبيل الله، بل عن إخراج الزكاة الواجبة من
ماله ويحيا حياة العبد، لا لله، بل للمال، فلا يستحق مغفرة الله ورضوانه، وهذا
جزاء من سار في طريق الشيطان، وصدق وعوده الكاذبة، وعود الخوف من الفقر.
وأما من سار على
طريق الله، واطمأن قلبه بوعد الله فهو يحيا حياة هنيئة مطمئنة يسعى لكسب المال،
لكن من طرقه الحلال، ولا ينسيه المال حقوق الله ونفسه وزوجه وأولاده وأقاربه،
ويخرج زكاة ماله، بل ويزيد عليها من الصدقات فيستحق وعد الله بالمغفرة والفضل.
بيت الزكاة
المكتب الشرعي.