; الدخيلان | مجلة المجتمع

العنوان الدخيلان

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1975

مشاهدات 76

نشر في العدد 235

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 04-فبراير-1975

الدخيلان كم أحب مدينتي، كم أحب هذه المدينة الصغيرة الوادعة التي لم تعرف في يوم من الأيام حتى الحوادث الصغيرة التي تحدث عادة في كل مكان، ولقد كنا كثيرًا ما نتساءل عن جدوى وجود مركز للشرطة فيها... كانت محطة الإذاعة المحلية في المدينة نموذجية في برامجها إذا ما قورنت بالمحطات التي نستمع إليها من المدن المجاورة، فهي لم تعرف الإسفاف الذي نلمسه في المحطات الأخرى، وهي لم تعرض على مستمعيها سوى الموضوعات الجادة المفيدة التي ترفع من مستواهم الثقافي والاجتماعي، وقد كان جميع موظفيها إلى أمد قريب من أبناء المدينة نفسها إلى أن أضيف إليهم هذا الخبير الأجنبي في شؤون البرامج الإذاعية.. وكان أول برنامج قدمه هذا الخبير موضع إعجاب السكان، ذلك لأن مقابلة شخصية ذات شأن تسترعي انتباه المستمعين خاصة إذا كانت هذه الشخصية تشرح أمورًا تهم المواطنين، وكان ممن قدمهم البرنامج ضيفًا على المدينة أو على الإذاعة نفسها، وهو كما وصفه مقدم البرنامج مطرب شهير وإن كنا لم نسمع به من قبل، وقد قدم هذا المطرب بضع أغنيات تقبلها الناس وأغضوا عن القليل من العبارات التي لم توافق ذوقهم ولم تنسجم مع اعتقادهم وعاداتهم.... ويبدو أن المطرب الضيف قد أخذ بجو المدينة الهادئ، فقرر أن يخلع عن نفسه صفة الضيف ويلبسها صفة المقيم، فأصبح من المألوف مشاهدة سيارته الأنيقة تمر ذاهبة آيبة في شوارع المدينة، ولم يعد الأطفال يحلقون حول هذه السيارة التي لم يشاهدوا مثلها من قبل، وما عادت الرقاب تلتوي لتتابع هذا المطرب الضيف أنى اتجه، فكل ذلك، مع مرور الزمن، أصبح شيئًا مألوفًا، ونسي الناس أن هذه السيارة بدعًا بين السيارات كما نسوا أن راكبها ليس واحدًا من أبناء المدينة. وبدأ أن الجو الهادئ الذي يلف المدينة ويلقي الطمأنينة في نفوس أهلها قد هزه حادث مروع، إذ وجد شاب في السادسة عشرة وقد قتل خنقًا وألقي على قارعة الطريق، وانتشر نبأ هذا الحادث المروع في المدينة بسرعة عظيمة، وتلفت الناس لأول مرة نحو مركز الشرطة وانهالت على رجاله الاستفسارات والأسئلة من كل حدب ومن كل نوع، ويبدو أن الرجال الذين تصادفهم مثل هذه الحادثة لأول مرة قد أربكتهم، فلا هم استطاعوا أن يفعلوا شيئًا ولا المواطنون أتاحوا لهم الفرصة لأن يفكروا في الأمر مليًا، وانتهى التحقيق إلى لا شيء، وسجلت الحادثة ضد مجهول، واقتنع الناس أو أقنعوا أنفسهم أن هذا الحادث لا بد أن يكون من عمل مخلوقات غريبة لا قدرة لهم عليها لأنهم واثقون أن أحدًا من أبناء المدينة لا يمكن أن يفعل هذا، وليست هناك عداوات أو حتى خلافات بين أي من أبناء المدينة وآخرين من خارجها. وبدأ الناس ينسون الحادث لولا أن حادثًا مماثلًا وقع، وبنفس الطريقة، في الشهر التالي.. وتتابعت الحوادث، ثلاثة... أربعة... شباب في عمر الزهور، قتلى بالخنق، ملقون على قارعة الطريق... وطارت الطمأنينة، وانسحبت السعادة، فأنت إذا نظرت إلى وجوه الرجال وجدت الكآبة والحزن، وإذا ما راقبت الشباب الصغار وجدت الفزع تنطق به قسماتهم، وهم لا يسيرون في الشوارع إلا لمامًا، وإذا ما ساروا رأيتهم يغذون السير ويتلفتون فزعين ذات اليمين وذات الشمال ومن خلفهم كأن هناك من يترصدهم أو يلاحقهم، أما الزائر للمدينة فإنه ما إن يستمع إلى حديثها حتى يغادرها بأسرع مما دخلها. وانهمك الشرطة في البحث عن الفاعلين، وقد تغير حالهم من الراحة المطلقة إلى الاجهاد الذي ما بعده اجهاد، تحولت الوجوه الساكنة الهادئة إلى وجوه ساهمة مفكرة مجهدة، تحكم لأول وهلة إذا ما شاهدت شرطيًّا أنه لم يذق للنوم طعمًا لفترة طويلة، وأنه يحمل فوق عاتقه همومًا فوق ما يتحمله مثله، قابلوا معظم المواطنين، راقبوا الداخلين والخارجين، ترصدوا كل من حامت حوله شبهة ولو تافهة.. واستمرت الحوادث، واستمر البحث وكلما طال الأمد تضاعفت الجهود وتضافرت إلى أن انزاح الكابوس وألقي القبض على القاتل وشريكه.! لقد استبعد الشرطة ومثلهم السكان الطيبون أن يكون هذا المطرب الدمث الذي أكرمه أهل المدينة وأغدقوا عليه قاتلًا، لماذا يقتل هؤلاء الشباب وهم يرددون أغانيه، لماذا يجزي أهل هذه المدينة بالشر وقد أغضوا من أجله ولأول مرة في تاريخ مدينتهم وسمحوا لأغنيات نابية أن تذاع من مذياعهم وقد استبعد الشرطة وكذلك المواطنون أن يكون خبير الإذاعة شريكًا للقاتل!! فقد سحرهم بلطفه وأنسه، وأدهشهم بخبرته في شؤون الإذاعة وقد غضوا الطرف عن بعض ما أحدثه في البرامج مما يتنافى مع معتقداتهم إكرامًا لفنه وخبرته ودماثة خلقه.... وللدولة التي أرسلته! لقد اعترف الدخيلان للشرطة أن مهمتهما كانت أن يفعلا ما فعلا في الإذاعة وبين الناس، لقد كانت برامج إذاعة المدينة، وما يسود من هدوء وأمان ووئام بين الناس مما أثار رؤساءهما فأوفدوهما لإفسادها. «ولأول مرة أعدم في مدينتنا الوادعة شخصان، وقد تعلمنا من هذا الحادث دروسًا نود أن يعتبر بها إخواننا في المدن المجاورة». كانت هذه بعض كلمات رئيس الشرطة في حفل أقامته المدينة تكريمًا له ولرجاله للمجهودات المضنية التي بذلوها من أجل الحفاظ على مدينتهم آمنة وادعة.
الرابط المختصر :