; الدعم السياسي الذي تمنحه المقاطعة للشعب الفلسطيني | مجلة المجتمع

العنوان الدعم السياسي الذي تمنحه المقاطعة للشعب الفلسطيني

الكاتب محمد نزال

تاريخ النشر السبت 08-يناير-2005

مشاهدات 58

نشر في العدد 1634

نشر في الصفحة 25

السبت 08-يناير-2005

لعل الواقعية السياسية توجب الإشارة بداية إلى أن المدى الزمني المنظور لا يحمل في طياته ولا في آفاقه حسماً للصراع مع العدو الصهيوني جزئياً أو كلياً، إذ إن موازين القوى المحلية والإقليمية الدولية مختلة اختلالاً فادحاً لصالح عدونا، الذي وصل في صلفه وعدوانه واستكباره وطغيانه إلى الذروة، وأن جميع المشاريع والخطط التي طرحت في مطلع التسعينيات . ولا تزال مستمرة لحل القضية الفلسطينية كانت في جوهرها حلاً للمشكلة الإسرائيلية، إذ إن الكيان الصهيوني أراد أن يحسم الصراع حسماً سياسياً، مستغلاً الحالة المتردية التي سادت في تلك الفترة وخصوصاً بعد الاجتياح العراقي للكويت، فكان مشروع الشرق الأوسط الجديد. الذي بادر شمعون بيريز بطرحه، وكان يرتكز على إدماج ما يسمى بـ «إسرائيل» في المنطقة لتلغي الجامعة العربية، وتكون جامعة الشرق الأوسط، بديلاً عنها، بحيث يضاف إليها تركيا وإيران بعد تأهيلها بالطبع، فضلاً عن الكيان الصهيوني، ونتذكر جميعاً الهجوم الأمريكي السياسي في عام ۱۹۹۱م على المنطقة الذي أفرز مؤتمر مدريد، وشكل أرضية لمفاوضات سرية أنتجت اتفاق (أوسلو) في سبتمبر ١٩٩٣م. حيث كان المطلوب أن يوقع أصحاب القضية كي يوقع الآخرون، فوقعت الأردن اتفاق (وادي عربة) في (أكتوبر) ١٩٩٤م ، وكان معداً أن توقع سورية اتفاقاً مع الكيان الصهيوني، ولكن المفاوضات فشلت ووصلت إلى طريق مسدود، ولا تزال كذلك حتى الآن .. وفي ظل هذه الأجواء السياسية التي سادت اندفع الصهاينة إلى منطقتنا في محاولة جادة لاختراقها سياسياً وإعلامياً واقتصادياً. فالمطلوب لهذا الكيان الغريب الذي زرع في منطقتنا أن يصبح جسماً طبيعياً نمده نحن بأسباب الحياة والقوة والاستمرار هل تحقق الهدف؟ على الرغم من الاتفاقات التي تم توقيعها مع الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من الاختراقات التي تحققت له في منطقتنا، فإنه ينبغي أن نسجل هنا أن حالة المقاومة والممانعة التي نشأت في مواجهة عملية التطبيع، ومنها فشل محاولاته كسر الحاجز النفسي مع شعوب أمتنا، بل إن الألفية الجديدة شهدت انطلاقة انتفاضة (الأقصى)، التي كانت تعبيراً وتجسيداً عملياً لفشل مشروع التسوية السياسية ودخوله في نفق مظلم. وهنا لابد من تحديد الأسباب الجوهرية التي أفشلت هذا المشروع

١- المقاومة الفلسطينية الباسلة التي رفعت الحالة المعنوية النفسية في أوساطها.

٢- نشوء حالة ممانعة سياسية قوية وقفت في مواجهة مشروع التسوية، الذي كان يحمل في ظاهره الخلاص لشعبنا، ولكنه في باطنه يحمل العذاب

٣- اندلاع انتفاضة الأقصى في (سبتمبر) ٢٠٠٠م، حيث جسدت مظلومية الشعب الفلسطيني من جهة وبطولاته وتضحياته من ناحية أخرى، كان لهذه العوامل أثر كبير في امتداد حالة الممانعة إلى المنطقة العربية، حيث نشأت قوى شعبية ترفع شعار مقاومة التطبيع ومقاطعة العدو الصهيوني، وارتفعت وتيرة هذه الممانعة، خصوصاً في بدايات انتفاضة الأقصى ولكنها شهدت تراجعاً نسبياً بعد ذلك لاعتبارات لا مجال للتفصيل فيها.

أهمية المقاطعة 

الحملة الإعلامية التي تشنها بعض الدوائر المتصهينة في أمتنا، أو بعض المهزومين فكرياً وثقافياً ونفسياً من بني جلدتنا. لا ينبغي أن تؤثر على قناعاتنا وإرادتنا في استمرار عملية المقاطعة والمقاومة للتطبيع مع هذا العدو الغاشم. فنجاح هذه العملية يشكل رافعة سياسية ومعنوية للشعب الفلسطيني في انتفاضته الباسلة ضد العدو الصهيوني، ويمكن الإشارة بهذا الصدد إلى الملاحظات الآتية في أهمية المقاطعة

١- مقاطعة العدو الصهيوني سياسياً بعدم إقامة علاقات دبلوماسية معه يشكل حالة عزل ونبذ له من ناحية، ودعما للحق الفلسطيني من ناحية أخرى.

٢- المقاطعة لا تشجع الأطراف الصديقة أو المحايدة على إقامة علاقات مع هذا العدو، أو بالحد الأدنى عدم الاندفاع في العلاقة معه في حين أن عدم مقاطعتنا نحن أصحاب القضية وأعني الفلسطينيين والعرب والمسلمين) تشجعهم على ذلك، وتوجد لهم الذرائع والمبررات المقاطعة في الجانب الاقتصادي – أحد الوجوه المهمة في عملية التطبيع - ضرورية لأنها تحد من إمكانية الانتعاش الاقتصادي لهذا الكيان، فضلاً عن الحركة التجارية، ولعل الأسواق العربية . وخصوصاً الخليجية هي أسواق مهمة وذات مردود مالي كبير.

وعندما نشير إلى الانتعاش، فإن ذلك يعنى تخفيف المأزق الاقتصادي على العدو من ناحية ودفعه لمواصلة عدوانه على شعبنا الفلسطيني من ناحية أخرى. وهنا لابد من الإشارة إلى توقيع الحكومتين الأردنية والمصرية على اتفاقية QIZ  لتبادل التجارة الحرة مع الكيان الصهيوني. وهذا يشكل ضربة معنوية لشعبنا من ناحية وهو يواجه ويقاوم العدوان عليه، كما أنه يفتح أسواقاً لهذا الكيان الغاصب

٤- المقاطعة تشعر الشعب الفلسطيني بمعنى التضامن والتكافل بين أبناء هذه الأمة، وترفع الحالة المعنوية في أوساطه. وبعد، فإن الشعب الفلسطيني، وعلى الرغم من شدة آلامه وجراحه وعذاباته، فإنه لا يزال صامداً ثابتاً، وهو يستذكر دائماً في مواجهته مع العدو الصهيوني قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ  وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساء : ١٠٤). إن هذا الشعب يقوم بواجبه في الصمود والمقاومة، ومستمر في هذا الواجب ولكن المطلوب من هذه الأمة بمستوياتها الرسمية والشعبية أن تسانده سياسياً واقتصادياً وإعلامياً ومعنوياً. وإذا كانت للأنظمة اعتبارات وحسابات خاصة بها يجعلها لا تقوم بما ينبغي أن تقوم به. فإن القوى الشعبية الحية مطالبة بالتحرك وتشكيل حالة ضغط على الأنظمة والحكومات في مهمتها الجليلة هذه، ولا ينبغي أن نقلل من أهمية الممانعة والمقاطعة التي تبشر بها، فالأهداف لا تتحقق جملة واحدة، والتراكم في الإنجاز هو الذي يحقق المراد. فالمهم أن تبقى الرؤية الاستراتيجية لطبيعة الصراع مع العدو ماثلة أمامنا .

 

الرابط المختصر :