; الدكتاتوريات المدعومة.. هل ترحل؟ | مجلة المجتمع

العنوان الدكتاتوريات المدعومة.. هل ترحل؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1998

مشاهدات 46

نشر في العدد 1301

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 26-مايو-1998

مصانع الدكتاتوريات في العالم الثالث تتبع من؟ وخريجو هذه المصانع يوظفون في أي البلاد؟ ولخدمة من؟ ومن الذي يحميهم ويسندهم ضد الشعوب رغم كراهيتها الشديدة لهم؟ وهل مازالت تكنولوجيا صناعة الطواغيت في تصاعد؟ أم أنها بدأت تخبو، ويستعاض عنها بتكنولوجيات أخرى تناسب العصر الانفتاحي والجو الديمقراطي؟

أسئلة كثيرة تُطرح من قديم وتلح على العقول والأفهام، وكانت بعض الشعوب تختلف حول الإجابة عنها، أما اليوم فقد وضح الأمر وظهرت الحقيقة أمام كل ذي عينين، فمصانع الدكتاتوريات تمتلكها الدول الكبرى، وخريجوها يقلدون أعلى السلطات في العالم الثالث لخدمة تلك الدول لا لخدمة شعوبهم أو بني جلدتهم.

والنفاق الحضاري الذي تدعيه الدول الكبرى ما هو إلا ستار لإخفاء الأطماع والتوجهات العدائية نحو شعوب العالم الثالث المسالمة المغلوبة على أمرها، والمقهورة من هؤلاء الطغاة وما كان لتلك الدكتاتوريات أن تقوم بهذه الكثافة، ولا لهذه الثورات أن تبرز بهذا الكم الهائل الذي يعم العالم الثالث إلا إذا كانت تتوارى خلف حراب هذه الدول الكبرى، وتنعم بتشجيعها، وما كانت تقوم تلك الدكتاتوريات بما تقشعر له الأبدان من أهوال وقتل وسفك الدماء شعوبها، إلا إذا كانت ملفوفة بالضوء الأخضر من محركي تلك الدمى الكريهة.

ففي هاييتي حكم «جان كلود» دیکتاتورها السابق وابنه بسلطات مطلقة لمدة أربعة عشر عامًا بتأييد الولايات المتحدة، التي كانت تسلح مليشياته بما يلزم من أسلحة لقمع شعبه المسكين الذي قتل منه ٤٠ ألفًا، وكذلك كان الحال في تايلاند، وكوريا الجنوبية ونظام ماركوس في الفلبين، وفي أنحاء كثيرة من العالم، وكان ذلك بدعم مطلق من أمریکا مهما كانت عيوب هذه الأنظمة، ومهما كانت تمارس من فساد وأعمال تعسفية وسرقات، وقهر وظلم وتوحش، ورغم عدم كفايتها للحكم وصلاحيتها لقيادة أسرها فضلًا عن قيادة الشعوب، وقد ألحقت تلك السياسات الاستعمارية ضررًا بالغًا بالشعوب وبمقدراتها.

ونحن في منطقتنا العربية تعرضنا لكثير من هذه السياسات، ويرى الباحث الأمريكي «عاروري» أن الولايات المتحدة تنظر إلى العالم الإسلامي نظرة دونية باعتباره نموذجًا تفكيك يًّا تستشري فيه الأصولية والإرهاب والدكتاتوريات، ولهذا شرعت الولايات المتحدة في تبني مشروعات هيمنة من طرف واحد على العالم الإسلامي سواء بالدكتاتوريات أو بما يماثلها، كما أن الولايات المتحدة رغبت في تكريس تلك الهيمنة باستعمالها للبعد العسكري في المناطق التي تراها مهمة، هذا إلى جانب توظيف قوتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة في تكريس الحصار أو الاتهامات أو ما يماثل ذلك من أساليب القمع.

ولكن عاروري يستغرب خنوع الوضع العربي بالمقارنة بأوضاع أخرى، فيقول: لقد استعصت الصين وكوريا على محاولة الهيمنة الأمريكية، سواء على حجم الاقتصاد الصيني الكبير أو خشيتها من مواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية رغم فقرها، ويشير «عاروري» إلى مفارقة تبدو جادة فيذكر أنه رغم تفوق الاقتصاد العربي ١٣ ضعفًا على الاقتصاد الكوري الشمالي، إلا أنه لم يستطع التصدي للهيمنة الأمريكية، وأشكالها في العراق، والسودان، وليبيا، أو أن يتمكن من حماية الحقوق الفلسطينية تجاه إسرائيل.

ویری عاروري أن أسباب تلك الهيمنة مازالت قائمة، لأن الوضع الحالي يعظم المنافع الأمريكية دون أن تتحمل تكاليف كثيرة، وبالتالي يتوقع أن يستمر هذا النمط من الهيمنة في معاملة العرب من قبل أمريكا، إذا لم يشعر صاحب القرار الأمريكي بالثمن، المتزايد الذي يدفعه، وهذا يتطلب تطوير السياسات العربية، وتحرير الاقتصاد من السيطرة الخارجية والاهتمام بمجال التنمية البشرية ولكن هيهات هيهات، لأن العرب مستريحون من هذه الأوضاع بدرجة تدعو إلى التعجب والاستغراب، ولان في أمريكا تيارين لكل منهما وجهة نظر، وهما مجمعان على أن الوضع السلطوي الدكتاتوري هو المناسب للمنطقة العربية:

أما الرأي الأول ويمثله كسينجر وأخرون، يرى أن نشر الديمقراطية في الوطن العربي لا يخدم المصالح الأمريكية لأن ذلك يثير المتاعب للولايات المتحدة، ولأن وجود رئيس منتخب يعتمد على الشعب سيقلل من الاعتماد على الغير، وبالتالي فقد ينعدم تأثيرنا تبعًا لذلك.

وأما الرأي الثاني: فهو نزعة جانحة من أساسها إلى معاداة العرب، ويعتقدون أنه لا مكان للديمقراطية في البلاد العربية، وأن النظام الأفضل للحكم فيها، هو الحكم المطلق الدكتاتوري، ونقطة الالتقاء بين التيارين الأمريكيين، تجمع على إبعاد الحكم الديمقراطي عن المنطقة حتى تظل خاضعة لأمريكا، وبالتالي لإسرائيل، ولأن الهم الأول لأمريكا في المنطقة هو أمن إسرائيل، وهذا بالتالي يفاقم الوضع في المنطقة ويلفتها إلى التأقلم مع رغائب ومشاريع الهيمنة الإسرائيلية، ويبعد المنطقة بالتالي عن قضايا التنمية الذاتية وقضايا النهوض الحضاري وفي مقدمتها الإصلاح السياسي والديمقراطي، الأمر الذي لا تسكت عليه الشعوب.

والمثل الإندونيسي اليوم مائل للعيان، فلقد ظلت أمريكا تحمي حكمه الفردي والسلطوي، وتتغافل عن الفساد والقمع حتى تضخمت ثروة سوهارتو إلى ٤٠ مليارًا، وسقطت البلاد في أتون الانهيار الاقتصادي وعمت الفوضى، والآن يقوم الشعب بالتغيير الفوضوي الذي قد يؤدي بالبلاد إلى كوارث أخرى، لأن الدكتاتور لم يفسح المجال لقيام معارضة سياسية حقيقية تستطيع أن توفر القيادة السياسية المؤهلة للإمساك بالسلطة، وهنا لابد من أن تقع الواقعة، وتسقط البلاد في يد دكتاتور آخر، قد يكون عسكريًّا أو مدنيًّا، وتظل بركات سوهارتو تعمل عملها بعد رحيله، وتظل الهيمنة الأجنبية المساندة للدكتاتور المنفصل عن شعبه، وهذه النتائج أظنها محسوبة من الجهات الأجنبية، ويجب ألا تغيب عن الشعوب إن كانت تستفيد من الدروس والعبر.

ولكن الملاحظ في العالم الآن، أن الشعوب توشك أن تقوم بدورها في التغيير، ونسمع كل فترة عن تهاوي هذه الدكتاتوريات المدعومة، وعن سقوط الطواغيت واحدًا تلو الآخر، فهل يمكن أن يلتفت كل طاغوت مازال على الساحة إلى نهايته الحتمية فيقلع حتى لا يضيع نفسه وشعبه، وحتى لا يلعنه التاريخ والأجيال إلى أبد الآبدين، أم أنهم سيركسون فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون، ثم يقولون ﴿رَبِّ ٱرۡجِعُونِ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ  (المؤمنون: 99-100)، فينادي: ﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾﴾ (المؤمنون: 100). نسأل الله السلامة.. أمين.

الرابط المختصر :