; الدكتور حسن الترابي: الاستثمار الخليجي يحل مشكلة التحديات الاقتصادية في السودان | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور حسن الترابي: الاستثمار الخليجي يحل مشكلة التحديات الاقتصادية في السودان

الكاتب جاسم الشمري

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1984

مشاهدات 67

نشر في العدد 681

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 28-أغسطس-1984

كان لقاءًا حارًا للوفد الإعلامي لجمعية المعلمين الكويتية إلى السودان مع الدكتور حسن الترابي مستشار الرئيس السوداني للشؤون الخارجية، والدكتور الترابي ممن اشترك مع الإسلاميين في السودان في حملة تقويض نظام الحكم العسكري عام (١٩٦٤) حيث انتهى به الأمر للاعتقال ما بين ١٩٦٧- ١٩٦٩م. وفي إطار ما سمي بالمصالحة الوطنية في السودان أصبح الترابي فيما بعد وزيرًا للعدل ونائبًا عامًا ومستشارًا قانونيًا للرئيس جعفر نميري ثم مساعدًا للرئيس للسياسة الخارجية.. ولئلا نأخذ أكثر من هذا الخبر ندع قارئنا الكريم مع نص الحوار:

•يحلو لبعض الناس أن يشكك في التوجه الإسلامي في السودان باعتباره مناورة سياسية من ابتكارات الرئيس النميري حيث إنه يقتصر على العقوبات الحديَّة فما رأيكم؟

◘هذه شبهات طارئة في أول العهد من شدة ما بلس الناس من الحكومات لتوجهات إسلامية فأصبحوا لا يكادون يصدقون بالتوجه الإسلامي للحكومات، ولكن التوجه الإسلامي في السودان أصبح حقيقة تقطع كل شك، ومهما يكن فإن أمور النيات موكلة إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أن الإجراءات الإسلامية والصدق في تنفيذها إزاء التحديات السياسية البالغة ومع الظروف المحيطة في السودان بسبب توجهه للشريعة الإسلامية يجعل الحسابات الوضعية السياسية سالبة جدًّا، فلا يمكن لأحد يريد أن يكسب كسبًا سياسيًّا من دول الشرق أو الغرب أن يتوجه التوجه الإسلامي، مما يؤكد أن هذا الأمر ليس مناورة سياسية.

وأما الشبهة الأخرى وهي أن السودان يقتصر على الشريعة الإسلامية فقط للعقوبات الحديَّة، فإن الإجراءات الإسلامية لم تقتصر عليها، وإنما تجاوزتها إلى الأمر الاقتصادي والمدني والجنائي وسياسات أخرى كثيرة، والمنهج الإسلامي أوسع بكثير من العقوبات الحدية، ولكن الإعلام الغربي ركز على العقوبات الحدية، والإعلام العربي لسوء الحظ انعكست عليه هذه الشبهة.

•ما هي برأيك أهم التعديلات التي تطرأ على دستور السودان بعد أن يفرغ مجلس الشعب من مناقشاته؟

◘كان تعديل الدستور في الستينات هو شعار الحملة للتحول نحو الإسلام، وكان هو بداية الطريق، وكان الاعتماد الكلي عليه حتى تؤسس عليه التشريعات الأخرى.

أما هذه المرة فتعديل الدستور هو تتويج في مرحلة تحول قد أخذت مجراها بالفعل على صعيد التشريع الذي كاد يكتمل.. وقد نهجت الدولة نهجًا في التوجه الإسلامي، فأصبح مراجعة الدستور لمواكبة هذه التعديلات التي أحدثت كمالًا سياسيًا، ومسودة التعديلات المطروحة بين يدي المجلس تتعلق أولًا بالمبادئ السياسية التي توجه عمل الدولة في التعليم والاقتصاد والسياسة الخارجية والداخلية في طبيعة الدولة، وكلها أصبحت إسلامية المنحَى، وتتوجه مرة ثانية لتوسيع القاعدة التشريعية القانونية.. وبالرغم من أن الدستور الحالي به قاعدة محدودة ولكن هذه القاعدة واسعة جدًّا، الأمر الثاني هو توسيع قاعدة الشورى نوعًا ما، وفي التنصيص على حريات غير المسلمين بوجه خاص، لأن الدستور القديم ينص على حريات المواطنين عامة خشية أن التحول الإسلامي سيضر بغير المسلمين، وهناك تعديلات كثيرة في منهاج العمل الشوري ومنهج العمل التنفيذي وأهلية الذين يتولون الأمور العامة في البلاد وتحوُّل النظام القضائي من نظامه الوضعي في إجراءاته ونظمه إلى النظام الإسلامي الذي يقوم على رد المظالم بعدالة ناجزة، هذا موجز للتعديلات المطروحة، وقد أثارت بعض الخلاف ولا سيما بالنظر لوضع غير المسلمين.

•ما هي حقيقة الأوضاع في جنوب السودان؟

◘جنوب السودان كما تعلم بشكل أزمة سياسية للسودان منذ الاستقلال نظرًا للفوارق الثقافية الموروثة ونظرًا للتباين الشاسع في التطور الاقتصادي إضافة إلى عوامل دولية كانت قديمًا منها حرص الغربيين أن يصبح الجنوب حاجزًا في وجه امتداد الكيان العربي الإسلامي إلى وسط إفريقيا، وفي الوقت الحاضر تحرص القوى الدولية السياسية في إثيوبيا وفي ليبيا ومن ورائها روسيا للكيد للسودان لا سيما السودان المسلم، ولما كان نسبة مشكلة الجنوب إلى الشريعة يجلب دعمًا غربيًّا فقد ظهرت بذلك اتجاهات صليبية وشيوعية استغلت هذه المسألة بالرغم من أن الأزمة الحالية في الجنوب نشأت عن الأحداث السابقة لتبني التشريع الإسلامي، ولكن استقر الأمر في الجنوب وتقبل الجنوبيون الوضع التنظيمي في اللامركزية في السودان، ونتيجة للحوار المكثف بيننا وبينهم أخذوا يتفهمون أن الإسلام لن يضر بهم وبحرياتهم الدينية والثقافية أو في حقوقهم من حيث هم مواطنون في البلاد.

•تشاع شائعات كثيرة تفيد أن كثيرًا من الدول التي تقدم معونات للسودان سوف تقطعها.. ما صحة هذه الشائعات؟

◘صحيح أن بعض الدول حملت على السودان حملة إعلامية شرسة إذا تحرر السودان من نظمه الغربية واستقل بأصالته الإسلامية، وصحيح أن البعض لوح من بعيد بأن إصرار السودان على اختياره هذا الاختيار السياسي قد يكلفه سحب الدعم الاقتصادي، ولكن عندما توكلنا على الله سبحانه وتعالى وثبتنا على قرارنا واعتبرناه قرارًا مصيريًّا وضح أن هذه النذر لم تكن صادقة، والواقع أن برامج التعاون الاقتصادي الغربي للسودان تمضي الآن كما كانت في الماضي ولم تتأثر إلا لوقت ما، وأما الدعم الذي يأتي من البلاد العربية الإسلامية فقد تأثر لأنه كان موصولًا بالبرنامج الغربي ولكنه لم يتخلف ولم ينقطع.

•هل تعتقد أن السودان مؤهل لتحكيم الشريعة الإسلامية من حيث وجود الكوادر الإسلامية المدربة لإنجاح هذه التجربة؟

◘الله أعلم حيث يجعل رسالته، وحيثما قدر الله سبحانه أن يبتلي الناس بأمر الإسلام عليهم أن يقوموا به مهما كانت مؤهلاتهم، مهما يكن فالسودان بوجه عام مؤهل، وسيكون من السابقين في هذا السبيل، لأن لديه قيادات مثقفة لسنوات طويلة ظلت تلتزم بالإسلام وافتها الآن قيادة سياسية ظهر أنها أكثر القيادات الإسلامية صدقًا في التوجه الإسلام، وأنا أعلم أن مشكلة التطبيق الإسلامي في السودان تسير عبر تحديات أكثر مما هو في أي بلد آخر، فالسودان ليس قُطرًا محدودًا مثل بعض البلاد العربية، وليس قطرًا مستقلًا في إمكاناته الاقتصادية الذاتية وليس قُطرًا في وسط العالم العربي، حيث هو من الثغور التي تدور من حوله الصراعات العالمية للسيطرة على إفريقيا، وهو من البلاد الفقيرة، وهو عرضة للضغط عليه من الناحية الاقتصادية، وهو بلد واسع ومركب ومعقد، ولكن برغم تلك الصعوبات مجتمعة، فقدر سبحانه وتعالى أن يكون هو البادئ في تحكيم الشريعة الإسلامية، ورجونا أن تكون البلاد الإسلامية مددًا له.

•تُردد المصادر الغربية أن الشركات البترولية الغربية ستنسحب نسبة لتدهور الوضع الأمني بالجنوب.. ما مدى صحة هذه الأخبار؟

◘لا تكاد تجد بلدًا تمضي فيه إجراءات التنمية في مناخ من الأمن المطلق، فحتى البلاد الأوروبية الآن فيها كثير من النشاط الإرهابي كما يقولون، والتنمية في أمريكا وإفريقيا وآسيا عبر تاريخها الطويل اعترتها ظروف الاضطراب الأمني والسياسي، ولذلك نحن لا نقبل هذه الحجة، صحيح أن توقفًا حصل في بادئ الأمر، ونحسب أنه كان نوعًا من الضغط الناعم علينا ولكنه عندما تبين للجميع أننا ماضون في هذا السبيل -توقف التنقيب أو لم يتوقف- انسحبت الشركات أو لم تنسحب- رجعت الشركات ببرنامجها كما كانت في الماضي وأحسن بكثير، واتضح لنا أن قضايا الصراع الاقتصادي قضايا توكل إيمانية وليست هي حساب من أوزان الدول الكبرى، فالله هو المتصرف الوحيد في أمر الكون، وليس هذا من قبيل الإيمان بالغيب وحده ولكنه يظهر جليًّا للمعتصم بدينه أن الله هو المتصرف بأمر هذا الكون وفي أقدار الحياة كلها.

•من تقييمكم لتجربة تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان بعد مضي عام على تحكيمها، هل تعتقد أن التجربة تسير بصورة مطمئنة؟

◘ننظر إلى تفاصيل التجربة، التي علمتنا أولًا أن الكمال في تطبيق الإسلام يجب أن يسار إليه سلفًا، ولا يمكن أن يتحقق مع عشية وضحاها، وعلمتنا أيضًا أن نركز على قضية التحول من النظام الوضعي إلى النظام الشرعي ومن التوجه غير الإسلامي إلى التوجه الإسلامي، ولن نتجاوز كثيرًا عن عيوب التطبيق، وعن العيب في الرجالات الذين يتولون هذا التطبيق، فالمهم هو السنة التاريخية العامة التي تنتقل بالبلد من وضعه القديم إلى الوضع الجديد بإذن الله، وقد ظهر أن التطبيق الإسلامي هو طريق للتطهر.. تتطهر العناصر الحاكمة.. يتوب بعضها.. ويستيقظ الإيمان في بعضها فيبتعد الذي لا يستطيع أن يواكب هذا التطبيق، وأن ثغرات التطبيق الإسلامي تنسد واحدة بعد الأخرى.. وتعلمنا أن الاستمساك بالمثل الإسلامية ينبغي ألَّا ينسي الإنسان أن السيْر إليها يقتضي البدء بخطوة واحدة، ولكن بعون الله تكثر الخطوات وتتبارك حتى يرقى الإنسان في درجات الكمال.

•ما هو الدور الذي يمكن أن تسهم به الدول الخليجية في دعم هذه التجربة الإسلامية الخيرة في نظرك؟

◘أحسب أن التحديات التي تجابه التجربة الإسلامية في السودان اليوم تتمثل أولًا في التحدي الاقتصادي، ففي عجز السودان الاقتصادي يمكن أن يكون عرضة لضغوط دولية تؤثر على خياره السياسي، وبؤس الحال الداخلي قد يكون سببًا في الفتنة، وهذا جانب يمكن أن يتكامل به الجهد الخليجي مع الجهد السوداني لمصلحة تنمية السودان على أساس من الشريعة الإسلامية، وعلى أساس من الاستثمار والاقتسام في الربح، فذلك يوفر للخليج بعض حاجاته من الغذاء في بلد صديق قريب ويوفر للسودان كذلك استغناء من أن تكون حاجته عند من لا يعطف على توجهاته، هذه واحدة.. والأمر الثاني أننا نواجه تحديًا ثقافيًّا من نشر اللغة العربية في الجنوب، وأن العاملين للإسلام في السودان يقابلون تحديًّا بعيدًا لمنافسة القوى الكنسية التي تعمل في كل المجالات الصحية والتعليمية.. وأنني لأهيب بدول الخليج للعمل على نشر اللغة العربية في إفريقيا عامة وجنوب السودان خاصة وأهيب بأهل الخير من المسلمين الخليجيين أن يهبوا على نصرة إخوانهم الواقفين على حدود الملة الإسلامية، لأن إفريقيا بلد خصبة تستقبل الإسلام.

•شكرًا جزيلًا للدكتور الترابي وندعو الله أن يتمم هذه المسيرة الخيرة وندعوه أن تعم العالم الإسلامي كله، فالمسلمون بأمس الحاجة إلى أن تنقذهم شريعة الله مما هم فيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :