; الدوامة | مجلة المجتمع

العنوان الدوامة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1973

مشاهدات 6

نشر في العدد 173

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 23-أكتوبر-1973

الحرب - بدمائها وآلامها - أفضل من قبول وقف إطلاق النار والدخول من جديد في دوامة اللعبة الدولية.. ومساومات العدو وخداعه.

فمنذ وقف إطلاق النار عام 1967 بل منذ هدنة 1948 والعرب يعيشون في متاهات السياسة الدولية وخداعها.. وخياناتها المتكررة لقضايانا.

ودائمًا كانت فترات وقف إطلاق النار في صالح العدو.. فهي بالنسبة له فرصة سانحة لتكوين نفسه من جديد.. واستجلاب المزيد من المهاجرين.. ومن الإمكانات العسكرية.

فالفترة ما بين 48 - 56 - حيث شن حربًا ضد مصر في ذلك العام - هذه الفترة كانت ذهبية في تقديرات العدو إذ أتاحت له الاستقرار السياسي والاقتصادي والبناء العسكري والصناعي في هدوء تام… وفي جو الاستقرار تدفق مئات الألوف من المهاجرين اليهود إلى فلسطين المحتلة.

والفترة ما بين 56 - 67 حيث شن حربًا ضد مصر وسورية والأردن واحتل سيناء والضفة الغربية والجولان - هذه الفترة كانت في صالح العدو كذلك.. فلقد عاش أحد عشر عامًا 56 - 67 - وهو يتمتع بالاستقرار.. ويسرع في إحضار أكبر عدد ممكن من المهاجرين - أي المقاتلين والخبراء - ومن الطائرات والدبابات والصواريخ. إن السلام - في مفهوم العدو - هو إستراتيجية زمنية وميكانيكية - في التجهيز والإعداد - إستراتيجية تتيح له.. القفز خطوات أكبر في الطريق لعدوان جديد.

  • يؤكد هذا وجوده - ابتداءً - في فلسطين.. فهو يبرر وجوده بمزاعم دينية - يدعي أن التوراة تضمنتها - ومن ضمن هذه المزاعم وعود بأن ملك «إسرائيل!» سيمتد من الفرات إلى النيل.

ومحاولة إقناع أنفسنا بأن العدو سيتنازل عن أطماعه التوسعية أو يتواضع في حدود ملكه المزعوم.. هي محاولة كإقناع اليهود بالحسنى بالرحيل عن فلسطين المحتلة.

هذه أوهام!

فالتوسع.. في نظر العدو خطة متمشية، بل منبعثة عن النقطة الأولى.. نقطة احتلاله لفلسطين.

  • ويؤكد ذلك أيضًا.. الهجرة اليهودية المنظمة والمكثفة والمستمرة إلى فلسطين المحتلة.

فهذا التدفق البشرى المتتابع يحتاج - بداهةً - إلى مساكن.. والمساكن لا تقام في الهواء.. وإنما على الأرض.. وما الأرض إلا بلادنا.

حكاية السلام - إذن - هي إستراتيجية مرحلية للعدو تفيده في الإعداد والاستعداد... والتحضير والتهجير..

والذين نكثوا عهد الله... وخانوا وعود الأنبياء من السهل جدًا أن يغدروا بنا.

أما إن الأمم المتحدة أو مجلس الأمن سيلزمهم بالأدب أو يقنعهم بأن مزاعم توراتهم خرافة؟

هذا احتمال موغل في السذاجة، متى احترم اليهود قرارات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن؟؟.

يقولون: إن روسيا وأميركا تدخلتا هذه المرة.. وتلك ضمانة جديدة.. لم تتوفر من قبل.

ولكن السياسة الدولية ذاتها لا خلق لها أبدًا ولا ضمانات ثابتة فيها.

فروسيا وأمريكا هما الدولتان اللتان وقفتا بحماس وقوة لتأييد الاحتلال الصهيوني لفلسطين عامي 47 - 48 من هذا القرن.

ووقفتا بحماس وقوة لطرد شعب كامل من أرضه.. وهو الشعب الفلسطيني..

وامتدادًا لهذا الموقف الباطل سترى الدولتان - غدًا - أن من مصلحتهما تمكين الغزاة اليهود من تسديد ضربة جديدة للعالم العربي؟

والظواهر تشير إلى ذلك؛ فالروس فتحوا الباب على مصراعيه للهجرة اليهودية.. والروس ليسوا من الغباء بحيث لا يعلمون أن هذه الهجرة تحتاج إلى أرض جديدة... إنهم يعلمون أن كل مهاجر يهودي يجيء للاستيطان في أرضنا.. وتتابع الهجرة ينشئ تراكمًا بشريًا.

والانفجار السكاني يؤدي.. إما إلى الهجرة إلى الخارج - وسياسة العدو ضد ذلك - وإما إلى تحديد النسل - والدعوة إلى تحديد النسل محرمة لدى العدو - وإما إلى الانسياح والتوسع.. واغتصاب أراض جديدة.

هذه بداهات يعرفها الروس.. ومع ذلك فتحوا الباب على مصراعيه للهجرة اليهودية.

فهل هذا الموقف يدعو للاطمئنان؟ أما أميركا.. فلا فرق بينها وبين العدو الصهيوني فهي قد اشتركت معه بسلاحها ورجالها في حربنا.. وهي الدولة التي أعانت العدو المحتل على التمرد على قرارات الأمم المتحدة.. والاستهزاء بمجلس الأمن.. باستمرار.

وأمس أعلن العدو - في مذياعه - أنه وافق على وقف إطلاق النار بعد ضمانات قدمها «أبا إيبان»- نقصد هنري كيسنجر.. ولا فرق!- ومن هذه الضمانات استمرار تدفق الأسلحة الأميركية على العدو.!

فهل هذا موقف يدعو للاطمئنان؟ إنها دوامة السياسة الدولية.

■ ولكن وقف إطلاق النار أفضل من الاستسلام التام أمام العدو.

هذه وجهة نظر يطرحها البعض في مقابل القول بأن الحرب أفضل من وقف إطلاق النار.

والسؤال الطبيعي هنا هو:

هل وصلنا نحن - فعلًا - إلى مرحلة إعلان الاستسلام التام للعدو؟

المؤشرات جميعها تشير إلى العكس.. تشير إلى أننا في موقف قوي.. ومتين.

فآخر البلاغات العسكرية الرسمية تؤكد أن الجيوش العربية على الجبهتين في حالة جيدة وتواصل تقدمها… وتصد بنجاح كل محاولات العدو.. وإننا نملك أسلحة رادعة وأن الجندي العربي يقاتل ببسالة وعزم رائعين.

الموقف العسكري - وفق البيانات الرسمية - في صالحنا، وبناءً على ذلك.. تكون وجهة النظر التي تقول: إن وقف إطلاق النار أفضل من الاستسلام التام.. غير سليمة وغير واقعية وغير أمينة.

أما على المستوى العربي والإسلامي والعالمي وعلى مستوى جبهة العدو فالظروف ذهبية بالنسبة لنا.. ولا نحسبها تتوفر في فترات كثيرة في التاريخ:

  • فلأول مرة يحدث إجماع عربي شامل.. ويندفع العرب بهذا الحماس القوي للاشتراك في المعركة.
  • الدعم المالي - على المستويين الشعبي والرسمي - حقق نجاحات كبيرة وكان يتصاعد ويتسع مع تصاعد القتال واتساعه.
  • البترول دخل المعركة وقطعت الدول العربية النفطية بترولها عن أميركا.. وهذا سلاح فعال ورهيب.
  • سرى في الأمة روح جديد أوقد فيها جذوة الجهاد وحررها من المخاوف.. ورهبة الموت.
  • العالم الإسلامي.. بدأت زحوفه بالتطوع للقتال في الهند وإندونيسيا وباكستان.. و.. و.. ونظمت حركة الدعم المالي والعيني والتبرع بالدم في أنحاء العالم الإسلامي.
  • على المستوى العالمي.. خلال الحرب قطعت ثماني دول إفريقية علاقتها بالعدو... ووقفت دول العالم الثالث معنا.. وعزلت أميركا كما عزل العدو عالميًا، وحتى في أوروبا التمعت ظاهرة جديدة تتأرجح بين الميل إلى جانبنا.. وبين الاعتدال.. وهذا لم يحدث قط في تاريخ صراعنا مع العدو.. وللنفط.. ولمصالح أوروبا الأخرى في منطقتنا الدور الأكبر في هذا التغيير.
  • في جبهة العدو.. تعرض رصيده البشري - وهو أغلى رصيد عنده - للأسر والقتل.. وتعرضت قياداته العسكرية للإعفاء أو للطرد.. وتعرض سلاحه للتدمير والتلف وتعرض اقتصاده لهزات مريعة.
  • أوقف ميزانية التنمية - 640 مليون دولار - من أجل مواجهة أعباء الحرب.
  • سحب العمال من المصانع - ويمثلون قاعدة جيشه الاحتياطي - سحب ثلاثمائة ألف عامل لحشدهم في الجبهة وبذلك أصيب إنتاجه بضربة قاصمة.
  • كان يخسر كل يوم في الحرب ما يقرب من 500 خمسمائة مليون دينار.

فهل هذه الظروف الذهبية الواقفة في صالحنا.. والخاسرة للعدو.. علامة استسلام.. أم ركيزة صمود؟

يقولون: قبول وقف إطلاق النار تكتيك سياسي.. أو مناورة دبلوماسية.

لا بأس!

وحتى لا تتحول هذه المناورة أو هذا التكتيك إلى «ورطة» دائمة.. ينبغي أن نحيطها بالضمانات التي تبقيها في دائرة المناورة والتكتيك.

هذه الضمانات هي:

1.      عدم الاعتراف بالوجود اليهودي في فلسطين المحتلة بأية صورة من الصور؛ إذ إن هذا الاعتراف سيمنح اليهود حقًا ليس لهم ويحول وعد بلفور إلى واقع يقره العرب أنفسهم، وينتزع من الفلسطينيين حقهم المشروع.. ويقنن المأساة أو يشرد أهل وطن كامل.. بقانون! كلا.. ليس من حق أحد أن يدفن قضية فلسطين أو أن يقبل بمعادلة ملتوية تجعل ضياع فلسطين ثمنًا لهذا الإجراء أو ذاك.

2.      إذا عجز هذا الجيل عن تحرير فلسطين فليس من حقه أن يضع معوقات أمام الأجيال القادمة تعيقها عن التحرير الكامل.. من هذه المعوقات وجود روسي - أميركي دائم بيننا وبين عدونا.. ومنها إنهاء حالة العداء - وهي نقطة يصر عليها العدو - ومنها إقامة سلام دائم.. وهذه أخطر نقطة حيث إن أية مناوشة للعدو في المستقبل تعتبر خرقًا لقانون دولي أو عدوانًا على «السلام الدائم». وهكذا يصبح الدفاع عن الحق عدوانًا.. والكفاح المشروع لتحرير الأرض.. خروجًا على القانون الدولي!

3.      ألا يشمل وقف إطلاق النار الحركة الفدائية.. فمن حق مصر وسورية تحرير أرضهما.. كذلك من حق الفلسطينيين أن يقاتلوا دفاعًا عن حقهم.. وتجميد الحركة الفدائية أو إلغاء وجودها هدف مباشر للعدو فلقد بادر إلى تفسير قرار مجلس الأمن.. وقال: إن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل الفدائيين.. وهو بهذا يريد أن يكسب من حرب 10 رمضان.. ما لم يكسبه في حرب 5 حزيران وما لم يكسبه من حالة اللاحرب واللاسلم.

4.      أن تستمر المقاطعة الاقتصادية والسياسية تمامًا وأن يظل الحظر على كل شيء مرتبط بالغزاة المحتلين قائمًا ونافذ المفعول. فإصرار العدو على المفاوضات المباشرة.. إنما هو خطة لفتح الجسور الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بينه وبين العالم العربي. وحين يحدث هذا - العدو يقدر ذلك - يصبح وجوده في المنطقة شيئًا مستساغًا مثل وجود الجزائر وليبيا والسودان ومصر وسورية واليمن إلخ.. بمرور الزمن تنسى قضية فلسطين.. وبمرور الوقت يقع العرب في مخدر طويل الأمد حتى يفيقوا على زلزال السيطرة الكاملة على المنطقة.

5.      المطالبة بإيقاف الهجرة فورًا إلى فلسطين المحتلة إذ لا تفسير للهجرة سوى التوسع.. ولا توسع بغير عدوان.. والعدوان لا يتفق مع إطلاق النار. وروسيا التي صاغت - مع أميركا - مشروع وقف إطلاق النار.. تطلق علينا النار باستمرار عن طريق تدفق المهاجرين منها إلى فلسطين المحتلة. إن الهجرة اليهودية مواد متفجرة مشتعلة تزيد النار وقودًا وسعيرًا.

6.      الاستمرار في إيقاف البترول عن أميركا حتى تتذوق طعم الأذى الذي يمكن أن نلحقه بمصالحها، فمنذ أن احتل اليهود فلسطين.. وأميركا لم تذق - ولو مرة واحدة - مرارة عقابنا لها.. ولذلك استمرت إهانتنا والاستخفاف بنا. وما دامت قد اشتركت بالفعل في حربنا وضربنا وقتلنا... فلنضرب «بالفعل» مصالحها في بلادنا. إن هذا الموقف ضمانة قوية من ضمانات وقف إطلاق النار.

أما اتخاذ أي إجراء قبل توفر هذه الضمانات.. فهو العودة إلى مأزق الدوامة الدولية.. التي تصيبنا بالدوخة والدوار وتجعلنا أسرى دورانها الدائب.. لا نبصر حلًا.. ولا نرى طريقًا.

الرابط المختصر :