العنوان الدوحــــــــــــة المعطـــــــــــــاء
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993
مشاهدات 108
نشر في العدد 1055
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 29-يونيو-1993
إعجاز الجذور اللغوية
أرأيت البذرة الصالحة تكاد تخطئها العين لصغرها فإذا وضعت في أرض
صالحة ومدت بالصالح من الغذاء، إذا بها تنفلق عن عالم من الخير رحيب أوراق وفروع
وغصون وأزهار وإثمار وأشكال وألوان وطيوب وغذاء ودواء ومتعة للناظرين، فلا نملك
إلا أن نهتف مع الكون المؤمن تبارك الله أحسن الخالقين تعال الآن أيها القارئ
العزيز- لتشهد عجائب بذرة أخرى ليست نباتية هذه المرة، وإنما لغوية أو إن شئت الدقة
عجائب «جذر» لغوي.
عائلة الجذر (ص ن ع)
سندخل الآن واحدًا من أحياء العرب اللغوية لنتعرف على ساكنيه في مدخل
الحي يقابلنا أصل الحي، وفي الداخل نجد ذريته أبناء وأحفاد وأقرباء من درجات
وأشكال مختلفة رجالًا ونساء «أصل» الحي الذي نحن فيه الآن اسمه «ص.ن.ع» ومن هذا
الأصل، تناسلت أجيال عديدة. صنع: تولد «أو: اشتق» منه: صنع، صانع، تصانع، اصطنع،
استصنع. ومن كل واحد من الأفعال الستة يمكن أن تتولد عائلات من: الصفات: صانع،
مصنوع، صناع، مصطنع، صناعي، اصطناعي. الأسماء: صنع، صنع، صناعة، صنعة. تصنيع. مصانعة،
اصطناع، استصناع، مصنع، مصانع مصنعية، صنيعة، صنائع. -أفعال أخرى: صنيع، يصنع،
أصنع.
مرونة اللغة العربية واستيعابها للعلوم
كل هذه المشتقات وغيرها من ذرية جذر عربي واحد هو «ص.ن.ع» ولا يزال في
رحم هذا الجذر المعطاء مشتقات أخرى- مواد خام- تنتظر مجريات التطور الحضاري لتؤدي
دورًا محددًا، مثلًا: الفعل «صنع» لم يستخدم بالفعل حتى الآن ولو تصورنا أن التطور
التقني مكن من صنع آلات تقوم وحدها دون تدخل بشري بصناعة منتجات معينة من الألف
إلى الياء عندها يمكن أن نقول أنصنع كذا والأشياء المنصنعة... إلخ. كل هذا الخير
بعض إنتاج جذر ثلاثي واحد وكثير من الجذور الثلاثية العربية- التي تبلغ نحو 5000
على هذا المستوى أو فوقه من الخصب والعطاء، أضف إلى ذلك الجذور الرباعية
والخماسية.
تجول ما شئت في أي من معاجم
العربية أو قواميسها مثل لسان العرب «أو القاموس» المحيط أو حتى المعجم الوسيط
«مجلدان» وزر عددًا من «أحياء» أو «مواطن» المفردات تدخل إليها من باب الأصل لتجد
المضارب والبيوت موزعة هناك طبقًا لنظام معين تعرفه من مقدمة المعجم، وسوف نقف على
مدى الخصب والغنى والسعة والمرونة التي يتميز بها هذا اللسان وهي خصائص وضعت موضع
التجربة والامتحان مرات وأثبتت في كل مرة كفاءتها العالية: أعظمها تجربة التعبير
عن كتاب الله -عز وجل- بآفاقه البيانية السامية ومضامينه التشريعية الخصبة ومن
بعدها جاءت التجربة الأخرى الأرحب مجالًا والأطول عمرًا والأدنى إلى تجربتنا
الحاضرة التي بدت فيها خيبتنا جلية مخزية كانت تلك التجربة الفذة حين ترجم
المسلمون الكثير من علوم الحضارات الأخرى مما لم يكن للعرب ولا للمسلمين عهد به من
قبل ومع ذلك لم يدرسوا أو يؤلفوا ولو لفترة انتقالية بلغة أجنبية، بل ترجمت كل
الكتب من شتى الحضارات وفي مختلف العلوم إلى اللسان العربي فوسعها، ووسع كل
التطورات الحضارية والإنجازات العلمية الرائعة التي قام بها المسلمون، ولذا سميت
تلك الحضارة الحضارة العربية رغم أن جوهرها ومحتواها إسلامي لأنها كتبت باللغة
العربية.
رثاء حال اللغة وتهم العجز
ولم نسمع ممن شادوا هذه الحضارة العريضة، لا في بداياتها ولا في أوجها
أي شكوى من عجز اللسان العربي عن استيعاب كل جديد والتعبير عنه بكفاءة، بل صارت
العربية لغة التعليم والثقافة عند غير المسلمين فقط، في عصور الوهن والتبعية التي
نمر بها اليوم صرنا نسمع كل من هب ودب ينهش في عرض العربية ويتهمها بكل ألوان
النقص والضعف والعجز والجمود، ولو صدقوا لردوا تلك السهام إلى أنفسهم إذ ليس العيب
في المغزل، بل في الغزال وها هي العربية تنادي أبناءها «العققة»:
وسعت كتاب الله لفظًا وغاية ** وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ** وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر
كامن ** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
أرى لرجال الغرب عزًا ومنعة **
وكم عز أقوام بعز لغات
أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا **
فيا ليتكم تأتون بالكلمات
اقرأ أيضا:
مادة صنع