; الدور الجديد لموسكو في الشرق الأوسط | مجلة المجتمع

العنوان الدور الجديد لموسكو في الشرق الأوسط

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989

مشاهدات 64

نشر في العدد 908

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 14-مارس-1989

قام وزير خارجية الاتحاد السوفياتي إدوارد شیفاردنادزة بجولة طويلة في نهاية شهر فبراير الماضي (۱۷ -٢٦) شملت كلًا من دمشق والقاهرة وعمان وبغداد وطهران... وقد اكتسبت الجولة أهمية بالغة فهي بالإضافة إلى أنها أول زيارة لمسؤول سوفياتي كبير منذ أكثر من عشر سنوات، وتعتبر أيضًا بادرة السعي الجديد للسياسة الخارجية التي يعتزم الاتحاد السوفياتي أن ينتهجها مع الأحداث العالمية. وكذلك تأتي الأهمية لجولة شيفاردنادزة وسط المتغيرات الدولية ومؤشرات الوفاق الدولي والمتغيرات الإقليمية في المنطقة بدءًا بجولات التفاوض بين العراق - إيران من أجل إقرار السلام في منطقة الخليج، ومرورًا بحالة الانفراج في العلاقات العربية – العربية، والتصدي لحلحلة أزمة الشرق الأوسط بين أطراف النزاع خاصة بعد الصمود الذي مثلته الانتفاضة في الأراضي العربية المحتلة. 

وقد اتسمت جولة وزير خارجية الاتحاد السوفياتي بصفة التبشير بإقرار حقوق الإنسان والدعوة للسلام وتحقيق التعاون وحسن العلائق، كما أنه تطرق إلى ضرورة تصفية الأجواء العربية وإقامة تفاهم مشترك بين كل من منظمة التحرير الفلسطينية ودمشق وعمان والقاهرة وبيروت، حتى يدعم ذلك التفاهم الانسياق في تبني موقف عربي واضح تجاه المؤتمر الدولي وتحقيق السلام في المنطقة مما لا يملك معه الكيان الصهيوني إلا التراجع عن الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وغزة والجولان والجنوب اللبناني... وبالرغم من تصريح وزير خارجية الاتحاد السوفياتي بأنه في جولته هذه لا يسعى للقيام بدور تنافسي مع جهود الولايات المتحدة إلا أن المراقبين يرون أن جولة الوزير هي نفي عملي لما تردد سابقًا بأن الاتحاد السوفياتي قد أطلق يد الأمريكان في منطقة الشرق الأوسط نهائيًا.

  • استثمار المواقف:

سارع وزير الخارجية السوفياتي بجولته في المنطقة بعد يومين فقط من رحيل آخر جندي سوفياتي من أفغانستان . وصلة الجولة بهذا الحدث أوضح من أن يشار إليها، فأفغانستان في نظر المنطقة العربية الإسلامية جزء لا يتجزأ من الأمن الإسلامي، وكما أن اجتياح القوات السوفياتية لها كان يرمز باستمرار إلى عظم الشرخ الذي أحدثته السياسة،وعلى العكس فإن الانسحاب يعني هو الآخر التراجع عن ذلك الخطأ الفادح، كما أنه يدلل على حسن النوايا التي يبديها الاتحاد السوفياتي حاليًا أو هكذا يريد وزير خارجيته أن يفهم قادة وشعوب المنطقة. ويأتي استثمار الانسحاب من أفغانستان كجسر للتواصل مع المعتدلين في المنطقة العربية، وبالرغم من أن الجولة لم تشمل دول الخليج العربي إلا أن مدلولاتها قد وصلت عبر كل من عمان والقاهرة وبغداد، وبذلك تبدو إستراتيجية السوفيات الداعية إلى الخروج عن النمط المعتاد للسياسة التقليدية السابقة. 

وندلل على ذلك أن وزير الخارجية السوفياتي كان حريصًا على التأكيد بمناسبة أو بدون مناسبة بأن سياسة المحاور التي كان الاتحاد السوفياتي ينتهجها قد ولت إلى غير رجعة، وأن سياسة «إعادة البناء» سوف تمتد بالضرورة إلى السياسة الخارجية... كما يتضح هذا النهج في «المهمات» التي أراد شيفاردنادزة معالجتها أو إبداء الرأي فيها، خاصة دعوته للمصالحة بين منظمة التحرير ودمشق، وحرصه على أن يتم ذلك في أسرع فرصة ممكنة، كما أنه حاول جاهدًا من لقاء عرفات في دمشق إلا أن التراكمات السلبية حالت دون ذلك. ويتمثل الاستثمار أيضًا في جولة شيفاردنادزة في أن المنطقة العربية مهيئة لإيجاد دور سياسي مواز للتدخلات الأمريكية التي كادت أن تحيل المنطقة إلى قدرية الاستفراد الأمريكي في القرارات وتمثل الأحداث.

  • مرتكزات جديدة:

يعلق المحللون الأمريكان على سياسة الاتحاد السوفياتي تجاه المنطقة العربية الإسلامية بقولهم «إن السوفيات مصممون على أن يصبحوا أكثر احترامًا» والتوجه لإقامة جسور علائقية مع المنطقة العربية على أسس ومرتكزات جديدة تنبذ القولية الفكرية العقائدية للعلاقات، وتؤكد على الانفتاح المتصل بتحقيق المصالح، وهو سعي جديد كليًا لمن عرف طرق التعامل السابق للسوفيات. كما أنه في الوقت ذاته لا يخلو من الغرابة حيث إن السياسة الخارجية للسوفيات على أيام بريجنيف وأسلافه كانت تعتمد اللاسياسة بمعنى عدم رسم الإستراتيجية السياسية خارج نطاق الدول المحورية التي تتصل أسس التعامل معها بصورة مسبقة وفقًا للنهج الاشتراكي.. 

وعلى أحسن تقدير كان الموقف السوفياتي يتبنى سياسة رد الفعل للقرار الأمريكي؛ مما أفقد السياسة السوفياتية الاستقلالية في النهج وفقدان الموضوعية المنطقية في تكييف الأوضاع والأحداث... أما أن يتجه المجهود السوفياتي إلى صياغة العلائق وفقًا للمصالح وضرورة المتغيرات والثوابت في العالم، فالمسألة تعني أكثر من مجرد تعديل في أسس الصياغة... وهو وضع لو استوى على سوقه يضيف بعدًا حقيقيًا للتوازن الدولي في العلاقات، ويجعل الخيار الأمريكي في موضع اختبار لمصداقيته إن توعت إرادة القوى السياسية في المنطقة العربية والعالم.. وكسر الاحتكار الأمريكي في فرضية الإلزام الأحادي في العلائق، يفسح للدول النامية بأن تصوغ إستراتيجياتها المستقبلية وفقًا للتوازن الدولي الذي يمكن أن يلعبه الحضور السوفياتي... بالرغم من أن السوفيات في التقويم النهائي للتوصيف الدولي هو عبارة عن دولة من العالم الثالث ذات قوى عظمى في مجال التسلح والإستراتيجيات العسكرية.

  • دوافع التسابق:

التجربة التي خاضها الروس في السبعين عامًا الماضية كفيلة بإبداء أكثر من سبب في التنصل عن التعبد في محراب القدسية العقائدية، فقد وصمت المساعي السوفياتية بلعنة التآمر الانتهازي وإقامة خلايا «الطابور الخامس» العقائدي بين الجبهة الداخلية للدول... وهو ما يهدد باستمرار إمكانية تطوير العلائق مع السوفيات، كما أن سوء الظن المبيت أدى هو الآخر إلى عزلة الدول المرتبطة بالسوفيات وإقامة سور حديدي حولها، وهذا ما جعل الموقف الروسي بعين الكثيرين يتسم بالتنافر وعدم التناغم، ولهذا فإن «إعادة البناء» التي أرادها غور باتشوف لا بد أن تعتمد إعادة النظر في السياسة الخارجية حتى تفارق القمقم الذي سجنت نفسها فيه طيلة الفترة الماضية... وإن كان استبطان التجربة السابقة حتم ضرورة المراجعة وإعادة النظر فإن دوافع أخرى بدت أكثر إلحاحًا من أجل صياغة السياسة الخارجية.

 فالمتغيرات الدولية التي اصطبغت بها الإستراتيجية المستقبلية لأوروبا الغربية تدق أجراس الحيازة بعد أن حزمت مواقفها من أجل قيام كتلة وحدوية تصوغ الهم الأوروبي بعين أحادية.. وهذا التحدي يضاف إلى أن التسابق حول إقامة علائق جديدة ومميزة ليس أمرًا ميسورًا، ويشير بأن الزمن ليس في صالح البناء المتأني لأسس تلك العلائق سواء كانت في المنطقة العربية أو في بقية دول العالم. فالمنافس لم يعد واحدًا، وإنما هناك أكثر من جهة نريد أن تعيد صياغة العلائق الدولية.

  • مداخل:

حتى تبدو صورة العمل الدبلوماسي السوفياتي أكثر إشراقًا، فإن شيفاردنادزة جاء يحمل هموم المنطقة وإن كان لم يحدد هذه الهموم في شكل مشروع أو مشاريع سوفياتية إلا أنه وضع خطوطًا لاحتواء إطار الأزمة القديم والإضافات تبدو في جانب العدو الصهيوني أكبر من تلك التي أولاها للمجموعة العربية، فالاتحاد السوفياتي طيلة الفترة المعنونة «بالبيروستوريكا» درج على بناء خطوات قوية تجاه «الكيان الصهيوني»، كما أن اللغة المستخدمة مع اليهود بدأت تأخذ مصطلحات ناعمة وتحمل كثيرًا من ألفاظ التودد والاستحباب، حتى أن أحد المعلقين اليهود قال «للمفارقة فإن المكان الوحيد الذي تحسنت فيه صورة «الكيان الصهيوني» هو الاتحاد السوفياتي في الوقت الذي تضررت فيه سمعتها بسبب الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ».

 ولأول مرة منذ ٢٢ سنة رست إحدى السفن السوفياتية في ميناء يهودي، وبدا أن السوفيات قادمون لإقامة علاقات دبلوماسية مع دولة الكيان الصهيوني حتى بلغ الأمر من التأكيد شأوا مما جعل المستشار السياسي لياسر عرفات يتصل بشيفاردنادزة طالبًا منه عدم إعادة العلاقات.. واستدعى ذلك وزير الخارجية لكي يوضح موقف بلاده، وعلى كل حال فإعادة العلاقات لم تعد مسألة موضوعية بقدر ما إنها قضية شكلية لا تولد إحساسًا بالفقدان لدى دولة الكيان الصهيوني.. أما في الجانب العربي فإن موسكو بدأت تتطلع إلى دور الوسيط المشارك في قضية السلام ونزع فتيل الحرب والسعي لعقد المؤتمر الدولي وهي دعوى تجد صداها لدى جمع غفير من الدول العربية، كما أن منظمة التحرير تجد فيها تعزيزًا مباشرًا لنهجها الجديد الساعي لاستثمار الدبلوماسية من أجل إرجاع الحق المغتصب.... 

وأكثر من ذلك فإن موسكو تتطلع لمزيد من التقارب من أجل السلام بين بغداد وطهران، كما أنها أبدت رغبة في التوسط من أجل المصالحة بين طهران وبريطانيا فيما يتعلق بقضية سلمان رشدي والقضية الأخيرة بالذات تعني أن لغة وتصورات موسكو قد تغيرت فعلًا... وهي التي في السابق كانت ترى الدين كل الدين أفيون للشعوب. 

وإن كانت الخطوة السوفياتية موفقة في العودة للشرق الأوسط، فإن الطريق أمامها ما زال طويلًا لصياغة علائق تستوعب تناقض وتطلعات دول المنطقة، كما أن التناقض بين العرب المسلمين والكيان الصهيوني المغتصب أكبر من السياسات ذات البعد التوازني... غير أن موسكو ترى في السلام مدخلها الأساسي من أجل عودتها الحقيقية للمنطقة ، وأي موقف خارج إطار السلام يعني تدمير الإستراتيجية السوفياتية الخارجية لأنها لا تريد أن تتخذ مواقف تحد من انتشارها مرة أخرى. فهل تستطيع موسكو أن تدفع بقطار السلام نحو محطات جديدة؟

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

299

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان