العنوان الدولة الأموية ظالمة مظلومة.. (٢٠١)
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010
مشاهدات 99
نشر في العدد 1886
نشر في الصفحة 42
السبت 23-يناير-2010
● حكام الأمويين أربعة عشر خليفة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد
● الدولة الأموية أكملت ما بدأه أبو بكر وعمر وعثمان من الفتوح ولم يكونوا أباطرة طغاة ولم يفرضوا شرعيتهم بالقوة
● في العصر الأموي ارتفعت راية الإسلام من الصين شرقا إلى الأندلس و جنوب فرنسا غربا ومن بحر قزوين شمالا حتى المحيط الهندي جنوبا
حكم الأمويون العالم الإسلامي إحدى وتسعين سنة (٤١ - ١٣٢هـ)، وتولى الحكم منهم خلال هذه الفترة أربعة عشر خليفة أولهم معاوية بن أبي سفيان وآخرهم مروان بن محمد، فشملت القرون الثلاثة التي هي خير قرون الأمة، قرن الصحابة وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين هي التي نشرت الإسلام في آفاق الأرض، وفتحت الفتوح شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وكان لها جيوشها في البر، وأساطيلها في البحر، وهي التي أكملت ما بدأ في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والسنوات الأولى من عهد عثمان رضي الله عنه من الفتوح، لم يكونوا على تلك الصورة التي ثبتتها بعض المصادر التاريخية وركزت على وصفهم بأنهم كانوا أباطرة طغاة فرضوا شرعيتهم على الأمة بالغلبة، وأنهم أحدثوا فتقا في البنيان السياسي للأمة اتسع على كل رتق بعدها ...
وهو كلام شبيه بالحق.. ولكنه ليس بحق لغياب أهم عامل موضوعي للحكم على الأحداث.. وهو زمن وقوعها والمؤثرات المحيطة بها .. وأشير هنا إلى قراءة الأستاذ العقاد للفتنة الكبرى بين الإمام علي ومعاوية رضي الله عنهما ... فقد رأى أن الزمن والناس بعد عمر رضي الله عنه كانا قد تغيرا .. وجاء الإمام علي رضي الله عنه ليسير في الناس بسيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكن مع رعية أرغب وأعسر من رعية عمر .. وأخذ نفسه بما أخذ به عمر نفسه، ولكن مع افتراق الشمل واختلاف الرأي وانشقاق العصا .. فلم يكن الأوان مناسبا لنهج عباقرة الرجال ممن هم مثل عمر وعلي.. لكنه كان مناسبا للزعامات والقيادات السياسية الماهرة ممن هم مثل معاوية ومروان.
يصف رشيد رضا الأمويين فيقول: «أعطوا الملك حقه من الفتوح والتغلب والعدل في القضاء وحفظ الأمن، وكيف لنا بمثل ذلك اليوم.. ولذلك كان الفقهاء يعتبرون خلافتهم شرعية.. نعم، كان هناك أخطاء وكان هناك ظلم واستبداد ولكن ليس بمعنى الاستبداد المتعارف عليه اليوم؛ لأن تطبيق الشريعة وقيام العلماء بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع الاستبداد الذي يراه الناس اليوم من بعض الحكام....
كل ذلك في جانب، وكون الأمويين شيدوا حضارة إنسانية عظيمة عابرة للقارات والأعراق في جانب آخر تماما ... لذلك فلابد لميزان التاريخ في الحكم عليهم أن يتوازن وهو ما يدعو إلى ذكر مآثرهم ورجالهم على نحو أكثر تحقيقا وإنصافا ..
وحسنا فعل د. يوسف القرضاوي بكتابته عنهم منصفا لهم ولغيرهم ممن مالت عليهم كتابات المؤرخين.. وفي الأغلب نستطيع أن نصفهم بلا تحامل عليهم - أنهم أصحاب غرض - وذلك في كتابه المهم تاريخنا المفترى عليه... وليس معنى هذا أن أعمالهم كانت كلها صائبة أو بريئة من الأخطاء، بل كانت لهم أخطاء وتجاوزات.. وهو ما يعتبره الدارسون أمرا أقرب إلى أن يكون عاديا في مرحلة التأسيس الأولى لدولة بهذا الامتداد الجغرافي وبهذا التنوع العرقي، ولها من الأعداء في الخارج والثائرين في الداخل ما يهددها تهديدا حقيقيا : لذلك فقد كان هدف تكريس فكرة الدولة المركزية ذا أولوية قصوى لديهم.. ولعل السعي لهذا الهدف هو ما جعلهم تاريخيا موصوفين بأنهم أصحاب نظرية الملك الجبري، على أن أكثر خلفائهم تميزوا بأنهم كانوا رجالا على مستوى المسؤولية سواء في الفتوحات الممتدة أو في القيام على مصالح الناس أو في صون الدين والعمل على إقامته.
ولعل أهم وأعظم ما سجله الأمويون على صفحات التاريخ هو جهدهم الهائل في ميدان الفتوحات.. فرغم المصاعب الكثيرة التي واجهتهم في طريق تحقيق وحدة الأمة والتمكين لفكرة الدولة المركزية.. رغم كل ذلك فقد قاموا بفتوحات تاريخية عظيمة غيرت الخريطة السياسية للعالم.. فرفعوا راية الإسلام من الصين شرقا إلى الأندلس وجنوب فرنسا غربا، ومن بحر قزوين شمالا حتى المحيط الهندي جنوبا.. جهد هائل... نستطيع أن ندرك قدرة من تقدير ما يلزم تلك الجيوش الفاتحة من إعداد للقيام بما قامت به.
ومن المهم بمكان أن نعلم أن هذه الفتوحات لم تكن أبداً غزوا عسكريا لبسط النفوذ واستغلال ثروات الشعوب وإكراههم على دين جديد، وحق القول: إن التاريخ لم يعرف أرحم من العرب والمسلمين فاتحين ومحررين.
إنما كانت فتحاً حضارياً بالدرجة الأولى.. وهو ما ظهر في معاملة أبناء البلاد المفتوحة من احترام لهم وصون لعاداتهم وعقائدهم ومعابدهم الأمر الذي هياهم فيما بعد لقبول الإسلام دينا لهم عن رضا واختيار كاملين...
نجح الأمويون في صهر الداخلين الجدد في الإسلام ووقفوا جنبا إلى جنب مع العرب في حمل الفكرة الإسلامية والعمل على تحرير الشعوب المستضعفة .. ظهر ذلك مع الفرس والأقباط والهنود والبربر .. وباقي القوميات الأخرى، وكان هذا التعاون الوثيق بين العرب وبين العناصر المسلمة الجديدة في ظل الدولة الإسلامية من أقوى الأسباب في مد نطاق الفتوح الإسلامية في هذا الطور الثاني الذي تضاعفت فيه رقعة الدولة الإسلامية.
ويعود لبني أمية الفضل في توحيد ثقافة العالم الإسلامي الجديد - إذا جاز الوصف - على امتداد رقعة واسعة من الأرض تضم شعوباً عديدة وثقافات متنوعة ... تعرضت لتأثيرات يونانية ورومانية وسريانية وآشورية، وكان هذا ناتجاً من إحساس عميق بالقيم الفكرية والخلقية للتراث العربي والمعرفة الواسعة بالإسلام الدين والرسالة والحضارة والرغبة الصادقة في أداء الواجبات الرئيسة لحكمهم، والتي تتمثل كما ذكرنا في حماية الدين والعمل على نشره وإقامة الحياة العادلة بين الناس.. إضافة لصفة أخرى مهمة تميز بها الأمويون كقادة سياسيين، وهي صفة التفتح العقلي واستعدادهم الطبيعي لاستيعاب تجارب الغير وخبراتهم ولعلنا نذكر حوار معاوية مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وقت ولاية معاوية على الشام.
عمل الأمويون على إنشاء المؤسسات التي تقوم على ترسيخ الإسلام ونشر اللغة العربية بين المجتمعات الإسلامية الجديدة فأكثروا من فتح الكتاتيب وأولوا عناية خاصة لأعلام الفكر والأدب وحافظوا على المدارس الأجنبية وعدم التعرض لنشاطها ؛ مما ساعد تلك المدارس على الاستمرار في أعمال الترجمة والاستعانة بأهل البلاد المفتوحة من عرب وغيرهم للمساهمة في المجالات الحياتية الجديدة، وأعطى للعلوم الإنسانية عناية متميزة فظهرت علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والسير والمغازي وكانت العناية بتلك العلوم في هذه الفترة ضرورية بغرض تعميق المعرفة بالدين الجديد .
كل ذلك أدى إلى المسارعة بتكون عالم إسلامي واحد أخذ يشق طريقه تدريجيا نحو الاندماج الكامل.. عادات وتقاليد وأخلاق ومعاملات.. وصهر الإسلام الجميع في مبادئه وقيمه وأخلاقياته السامية الرفيعة، وحقق للجميع العزة والكرامة والحرية والمساواة في إطار حضارة رائدة وأمة واحدة.
الحديث عن الدولة الأموية وتجاربها و دورها في صنع الحضارة الإسلامية مليء بالمعاني والعبر والدلالات.. وسأكتفي في هذه الحلقات بالحديث عن أهم الأحداث في تلك العقود التسعة.
وهي عملية انتقال السلطة من معاوية ليزيد، ودولة عبد الملك بن مروان المرحلة العمدة في الدولة الأموية، والذي نسبت إليه بعض الكتب التاريخية قوله: «من قال لي: اتق الله قطعت عنقه»، ثم دولة عمر بن عبد العزيز كتجربة إصلاح فوقي من سدة الحكم، ثم نهاية الدولة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل