العنوان الدولة الأموية ظالمة مظلومة..«3-3»
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 06-فبراير-2010
مشاهدات 58
نشر في العدد 1888
نشر في الصفحة 44
السبت 06-فبراير-2010
- في غمرة انشغال مروان بن محمد بأحوال الدولة المضطربة فاجأته ثورة العباسيين في خراسان سنة ٧٤٦م.. فتحرك بقواته من حران إلى الموصل وحلت به الهزيمة في يناير ٧٥٠م.
- أخطاء الحَجاّج في الاستهانة بالدماء والأعراض كانت أكبر من أن يمررها التاريخ دون حساب ولو بعد حين.
مرت السنون كأنها رؤيا نائم وليل عرس أو بساط سلاف كما قال أبو الطيب المتنبي، سئل أحد مِن مَن بقي من البيت الأموي -وكان حكيمًا حصيفًا- عن سبب زوال الدولة فقال: «شغلْنا بلذاتنا عن تفقد ما كان تفقّده يلزمنا.. فظلمنا رعيتنا فينسوا من إنصافنا وتمنوا الراحة منا، وتحاملنا على أهل خراجنا فتخلوا عنا، وخربت ضياعنا فخلّت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا، وأمضوا أمورًا دوننا أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم أعادينا فتضافروا معهم على حربنا، وطلبنا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان أستتار الأخبار عنا من أوْكد أسباب زوال ملكنا..».
لكن هذا الشيخ الحصيف نسي أهم ما صدع بنيان الدولة من أيامها الأولى.. وهو الإيغال في الدماء المسفوحة.. كان من الممكن أن يكون موقف يزيد بن معاوية من الحسين رضي الله عنه على غير ما كان عليه، وكان الحفاظ على دمه حافظًا لضياعات كثيرة ترتبت على قتل الحسين.. كان من الممكن أن يكون موقف عبد الملك بن مروان من الزبير على غير ما كان عليه، وكان الحفاظ على آل الزبير حافظًا لخسارات كثيرة.. كانت أخطاء الحَجّاج في الاستهانة بالدماء والأعراض أكبر من أن يمررها التاريخ دون حساب ولو بعد حين وأحايين.
- قلاقل وثورات
بدأت القلاقل والثورات تنخر في عظام دولة العرب الأولى، وما كان أخطر هو خلافات أهل البيت نفسه دون مراعاة لوحدة الأسرة الحاكمة والمحافظة على سلامة الدولة، وأنشغل كلُ بنفسه، ويضاف إلى ذلك أن خلفاء الدولة المتأخرين لم يكونوا على قدر المسؤولية، تجمّع ذلك كله وسار في الاتجاه الطبيعي لمنحنى تاريخ الأمم الزائلة.. حاول مروان بن محمد أن يؤجل وقوع الكارثة ولكن عبثًا حاول.. فكانت الأقدار أكبر منه، فوقع ما ليس منه بد، خلال ثلاثة أعوام جاء ثلاثة خلفاء، الوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة (٧٤٢م)، ثم ثار عليه أبناء عمومته وانتهى الأمر بقتله سنة ( ٧٤٣م). وتولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك الخلافة لكنه عجز عن ضبط أمور الدولة، ولم يتجاوز حكمه ستة أشهر، تاركًا دولته تموج بها الفتن والفوضى، ثم تولى أخوه إبراهيم، لكن الأمر لم يتم له، ولم يستطع أن يمسك بزمام الأمور، حيث نازعه مروان بن محمد الحكم ونجح في إزاحته وتولى بدلًا منه. وفرضت أولويات الأحداث نفسها عليه، فبدلًا من ترتيب دولاب الدولة وكان عليه قادر.. فرضت الثورات والقلاقل نفسها عليه، فكانت ثورة في حمص وأخرى في دمشق وثالثة في الشام.. وهكذا أصبحت البلاد مسرحًا كبيرًا لثورات متتالية..
وفي الوقت الذي كان فيه مروان يقضي على هذه الفتن والثورات في محاولة بدت يائسة لإعادة الهيبة إلى الدولة، كان العباسيون يضعون الخطط الأخيرة للقيام بحركتهم الأولى للانقضاض على الدولة المهيضة. كان العباسيون قد انتقلوا بعد مرحلة الدعوة السرية وجذب الأعوان إلى مرحلة العمل المسلح، ولم تكن هناك فرصة أفضل مما كانت عليه الدولة الأموية في هذه الفترة، ولم يكن هناك مكان أصلح لبدء حركتهم من خراسان ملتقى أنصارهم، وفي غمرة اشغال مروان بن محمد بأحوال الدولة المضطربة، فاجأته ثورة العباسيين في خراسان سنة (746م)، وانتقلت كالسيل المنهمر براياتها السود نحو العراق مكتسحة كل قوة أمامها حتى دخلت الكوفة، وأعلنت قيام الدولة العباسية سنة (750م) ومبايعة أبي العباس السفاح بالخلافة، وفي أثناء ذلك كان مروان بن محمد يستعد للقاء الحاسم لاستعادة دولته ورد العباسيين، فتحرك بقواته من حرّان إلى الموصل والتقى بالعباسيين عند دجلة، وحلت به الهزيمة في «يناير ٧٥٠م»، وفرّ إلى مصر وفيها قتلوه بالقرب من الفيوم (23/7/750م)، وانتهت الدولة الأموية في المشرق.. وبقيت ظلالها في غرب أوروبا.