العنوان رقعة الشطرنج- الدولة الفلسطينية بين المحاور الدولية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1979
مشاهدات 84
نشر في العدد 454
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 14-أغسطس-1979
لُوحظ في الأسابيع الماضية أن الحديث عن قيام دولة فلسطينية أصبح ذا لهجة غير عادية، بحيث إن المراقب للأوضاع الداخلية والخارجية في الوطن العربي بدأ يظن أنَّ ما يُسمَّى بالقضية الفلسطينية عبارة عن كرة مربوطة بحبال منفذة.. وقد أمسك بهذه الحبال لاعبون كثيرون!
هكذا بدأ الناس يتصورون.. بید أن الفلسطينيين الذين يتميزون بالوعي الذي ينأى عن التصورات العاطفية للمستقبل، يعرفون تمامًا أن هذه الحبال هي نفسها التي كان يلعب عليها في الماضي الملوك والحكام السابقون:
- فالملك فاروق وحكام المنطقة العربية الآخرون، كثيرًا ما لعبوا بالكرة الفلسطينية؛ حتى حطَّموها ومكَّنوا اليهود من تأسيس دولتهم على رؤوس الفلسطينيين.
- والقيادات الفلسطينية السابقة، والتي كانت تتعامل مع فاروق ورفاقه.. ساهموا عن قصد أو غير قصد – من خلال تعاملهم مع الحكام الخونة في الفترة الأولى لغزو اليهود – بتكريس الإمكانية الفعلية لقيام الدولة اليهودية.
- وقادة الدول الكبرى في تلك الفترة كانوا يحركون أولئك السدنة والعملاء الذين يقبضون على حبال الكرة الفلسطينية بأيديهم. واليوم.. ماذا حصل للكرة الفلسطينية يا ترى؟ لعل المقولة التي قالت ذات يوم: «إن التاريخ يعيد نفسه» باتت مقولة معقولة، فهي منطبقة على فلسطين الكرة أو فلسطين النكسة.. أو فلسطين النكبة.. أو فلسطين الدولة.. لا فرق.
نعم: لقد قال لي أحد الفلسطينيين المسلمين ذات يوم:
«لقد باعنا فاروق وصحبه.. ثم بدأ (يزايد) علينا عبد الناصر وصحبه.. ثم باعنا وباع الأمة كلها تابعوه».
وكان لهذه الكلمات صدى عميق في آذان من كان يسمع صاحبي، ولعل المراقب الذي يشاهد موقع قضية الشعب الفلسطيني في المحاور الدولية سوف يلاحظ:
- المستوى العربي:
فلسطين الدولة.. وفلسطين الشعب.. تدخل كقضية ضمن شعارات تبدو متنافرة في كثير من الأحايين، فالسادات ما زال يزايد على أرض فلسطين وشعبها على مرأى ومسمع من جميع الحكومات العربية، والحكومات الثورية الأخرى ترفع اليافطة الفلسطينية في دمشق وبغداد وطرابلس وعدن على نفس الطريقة التي كان ينادي بها عبد الناصر.. ذلك الذي كان سوف يوقع على بيع فلسطين وسيناء والجولان ضمن معاهدة روجرز، وما تبقى من حكام هذه الأمة ما زال يفكر بأنجح الطرق لمعالجة القضية في الأروقة الدولية!
- المستوى العالمي:
أما على المستوى العالمي فيبدو أن كل الأطراف الدولية الكبرى تعتبر مسألة الدولة والشعب الفلسطيني مسألة تدخل في حيز التوازنات الدولية؛ بحيث يبقى الأمر في النهاية لا يتعدى حدود الرغبة اليهودية:
- فالسوفييت ما زالوا يعلنون حتى اليوم عن حق اليهود بأرض فلسطين التي تعود ملكيتها – كما يزعمون – إلى أجداد اليهود، والسوفييت أنفسهم هم المصدر البشري الأساسي للدولة اليهودية كما هو معروف.
- والولايات المتحدة تنظر للدولة الفلسطينية بمنظور الكونغرس ومجلس الشيوخ الأميركي الذي يسيطر عليه اليهود، بل إن الرئيس كارتر نفسه ينظر إلى الدولة الفلسطينية من خلال رغبته بكسب الأصوات اليهودية في انتخابات الرئاسة القادمة.
- والمحاور الأوروبية التي تحاول القيادات الفلسطينية الاعتماد على جهودها الآن (مشاورات ياسر عرفات مع مستشار النمسا والمستشار الألماني الغربي) كشفت مؤخرًا عن ولائها الصهيوني، فقد أكد فيلي برانت رئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي الغربي أن ولاءه لحكومة العدو الإسرائيلي لن يضعف بطريقة أو بأخرى. على الرغم من اجتماعه مع السيد ياسر عرفات.. وقال: «سنستمر في النظر إلى معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية على أنها ذو أهمية عظيمة».
ولعل صوت الزعيم الألماني الغربي يُعبِّر عن حقيقة الموقف الأوروبي الذي تزعمته في الفترة الأخيرة فرنسا، والتي يسعى رئيسها فاليري جيسكار ديستان لإعادة بناء الجسور مع المستعمرات الفرنسية السابقة عبر الطائفة النصيرية في سوريا والمارونيين في لبنان.
بقي أن نُلخِّص مواقف المحاور العالمية من الدولة الفلسطينية فنقول: إنها مواقف مصلحية البتة، تنظر إلى قيام الدويلة الفلسطينية من خلال الموازنة بين نقطتين:
الأولى: المصلحة الذاتية التي ستحققها الدويلة الفلسطينية.
الثانية: نظرية الأمن الإسرائيلية التي ما زالت تهيمن على الفكر السياسي في الغرب.
ومن هنا فإن الدولة الفلسطينية ما زالت هي الكرة المربوطة بالحبال القديمة الجديدة.. أما اللاعبون فما زالوا يتجاذبون الحبال.. بانتظار التوقيع الجماعي على صك التنازل عن فلسطين لليهود.. وإلى أن تحين تلك اللحظة المشؤومة.. سيبقى كلٌّ يُغني على ليلاه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل