العنوان الدولة الفلسطينية: هل هي قادمة؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1983
مشاهدات 59
نشر في العدد 604
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 18-يناير-1983
عام ١٩٥٧ انسحبت "إسرائيل" من سيناء وغزة بأمر من أمريكا.
هل تكتفي "إسرائيل" بما سلبته؟ وهل تقبل أجيالنا القادمة بالذل والهوان؟!
ما هو ثمن الانسحاب الذي تريده أمريكا؟!
التصريحات التي صدرت عن ياسر عرفات مؤخرًا على أنه يرى أسوار القدس عبر النفق العربي المظلم وأن جواز سفره المنتهي سيجدده في القدس.. هل تعني أن الدولة الفلسطينية قادمة؟
يقول «أبو ماهر» عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إن اللجنة المكلفة بتحديد موقف فلسطيني موحد حددت الأسس التي تقوم عليها علاقات المنظمة مع الدول العربية وهي:
۱- الالتزام بقضايا النضال العربي.
۲ - احترام القرار الفلسطيني المستقل.
٣ - رفض نهج واتفاقيات كامب ديفيد.
٤ - اعتبار قرارات قمة فاس كحد أدنى للتحرك العربي السياسي.
٥ - عدم إسقاط الخيار العسكري بكل مستلزماته.
٦ - التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني بما فيها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولة مستقلة بقيادة منظمة التحرير.
٧ - الحرص على وحدانية التمثيل والوحدة الوطنية الفلسطينية.
وقد أنهت اللجنة المذكورة اجتماعاتها في ٢/ ١/ ٨٣ ورأس هذه اللجنة خالد الفاهوم رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وضمت هذه اللجنة سبعة أعضاء من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وممثلين عن فصائل المقاومة الفلسطينية، وقد رفضت اللجنة مشروع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان جملة وتفصيلًا.
ومن المعروف أن مشروع الرئيس الأمريكي ينص على أن الولايات المتحدة سوف لا تؤيد إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وغزة، وسوف لا تؤيد ضم "إسرائيل" وسيطرتها الدائمة عليها، ووجهة النظر الجازمة للولايات المتحدة هي أن ممارسة الحكم الذاتي من قبل فلسطينيي الضفة الغربية وغزة بالاشتراك مع الأردن توفر أفضل فرص لإقرار سلام راسخ..
فإذا كان مشروع قمة فاس -وهو الحد الأدنى- يطالب بإنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس. وإذا كان مشروع الرئيس الأمريكي يطالب بحكم ذاتي فلسطيني في الضفة والقطاع تابع للأردن فكيف يمكن التوفيق بين المشروعين؟
ذهب ياسر عرفات إلى الملك حسين للتشاور في الأمر واتفق على إنشاء اتحاد كونفدرالي بين دولة فلسطينية مزمع قيامها في الضفة والقطاع وبين دولة أردنية قائمة شرقي نهر الأردن.
الاتحاد الكونفدرالي:
ومن المعروف أن الاتحاد الكونفدرالي اتحاد ضعيف الروابط يجمع بين دول مستقلة تحتفظ فيه كل دولة باستقلالها وسيادتها النامية مع الاتفاق على بعض القطاعات المشتركة بين الدولتين أو الدول المشتركة فيه. ويشترط في مثل هذا النوع من الاتحاد عادة أن تكون قراراته بالإجماع بل إنها تكون عادة مجرد توصيات ترفع إلى السلطات المختصة في كل بلد على حدة لإقراره نهائيًا. ومعنى ذلك أن هذا النوع من الاتحاد هو أقرب إلى التنسيق منه إلى الاتحاد على أنه كثيرًا ما تبدأ العلاقات بين دول ما على شكل كونفدرالي ثم تحس الدول ذات العلاقة بالحاجة إلى زيادة توثيق عرى الاتحاد فتحوله من كونفدرالي إلى فدرالي كما حدث في الولايات المتحدة وسويسرا. بينما في الاتحاد الفدرالي تكون هناك دولة واحدة بعلم واحد ورئيس واحد وبرلمان واحد وجيش واحد وسياسة خارجية واقتصادية واحدة ولكنها تتكون من ولايات تدير شؤونها المحلية بنفسها.
والملك حسين بدوره صرح أكثر من مرة أنه لا يريد أن يفرض على الشعب الفلسطيني وحدة أو اتحادًا لا يقبله. وفي الآونة الأخيرة أبدى الملك حسين «تفاؤلًا» من أن الرئيس الأمريكي جاد في المضي قدمًا في مشروعه كما أن المسئولين الأمريكان في الآونة الأخيرة أعلنوا عن استنكارهم لبناء المستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية وقطاع غزة وأن ذلك «يعرقل عملية السلام» وأنه أمر غير مشروع.
وبعد اجتماع ياسر عرفات مع الملك الأردني يسافر إلى موسكو ليجتمع مع زعيم الحزب الشيوعي السوفييتي يوري أندروبوف وقد أكد عرفات من موسكو وأثناء حديثه مع قادة المنظمات الاجتماعية السوفييتية أن «أزمة الشرق الأوسط لا يمكن أن تحل إلا من خلال مفاوضات عملية وبناءة» وقد أعلن مؤخرًا أن الروس سيدعمون منظمة التحرير الفلسطينية حتى قيام الدولة الفلسطينية.
بيغن والمخيخ الفلسطيني:
فهل الدولة الفلسطينية فعلًا قادمة؟
يقول السفاح اليهودي مناحيم بيغن تعليقًا على غزو لبنان: «أريد أن أضرب في المخيخ في العقل الفلسطيني الذي يطالب بدولة فلسطينية مستقلة» ويزعم اليهود أن إقامة دولة فلسطينية إلى جوارهم يعني تدمير "إسرائيل" على المدى البعيد ومن هذا المنطلق «المزعوم» يرفضون رفضًا باتًا -سواء كانوا من تجمع الليكود الحاكم أو تجمع المعراج المعارض- إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وحقيقة الأمر أن رفض اليهود لقيام الدولة الفلسطينية له أسباب غير هذه الأسباب المعلنة وهي أنهم لا يعترفون بشعب يسمى الشعب الفلسطيني كما صرحت بذلك سابقًا العجوز الشمطاء اليهودية «غولدا مائير» كما أن الضفة والقطاع التي يسمونها. يهودًا والسامرة -من وجهة نظرهم- جزء من أرض "إسرائيل" فكيف يتنازلون عنها لغيرهم؟! ثم إن حلمهم الأكبر تحقيق «دولة "إسرائيل" من النيل إلى الفرات» فكيف ينكمشون الآن ويتراجعون وهم في حالة انتصار عسكري؟!
الانسحاب له ثمن عند أمريكا:-
ولكن بغض النظر عن الموقف المعلن لحكومة "إسرائيل" نقول بغض النظر لتجربتنا السابقة مع اليهود ذلك أن غولدا مائير كانت تعلن جهارًا نهارًا أنها لن تنسحب من سيناء وغزة في العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، ولكنها انسحبت بأمر أمريكي في عهد «دوايت أیزنهاور» وهي تبكي!؟
إذن لو أرادت أمريكا "لإسرائيل" أن تنسحب فإنها ستنسحب. أما متى تأمر أمریكا "إسرائيل" بالانسحاب؟ فالجواب: عندما تشعر أمريكا «البراجماتية» أن مصلحتها في هذا الانسحاب.
ولكن متى يكون لأمريكا مصلحة في هذا الانسحاب على ضوء الواقع العربي الحالي؟
والجواب: عندما يكون ثمن هذا الانسحاب:
إنهاء ثورة الفلسطينيين وقضيتهم.
اعتراف عربي جماعي "بإسرائيل".
تثبيت أقدام أنظمة الحكم العربية الدكتاتورية.
تخنيع جماهير الأمة العربية وكتم أنفاسها ومنعها من الوعي لذاتها والعودة إلى التمسك بشرع الله وبالتالي النهوض من كبوتها.
عندما تطمئن أمريكا أن هذا هو ثمن الانسحاب فإن "إسرائيل" ما هي إلا أداة صنعها الغرب «الرأسمالي والشيوعي» لتحقيق مآربه التي تلتقي في النقاط آنفة الذكر وبالتالي فلا يسع هذه «الإسرائيل» إلا أن تنسحب من الضفة والقطاع جزئيًا أو كليًا.
ما هي معالم الدولة المقترحة
ولنفترض أن هذا الانسحاب قد تم، فما هو مصير الأرض التي ستنسحب عنها "إسرائيل"؟ هل ستنضم إلى الأردن وهو ما تريده أمريكا علنًا وأطراف غربية همسًا أو تلميحًا؟ أم هل ستكون دولة مستقلة عاصمتها القدس كما تريد منظمة التحرير وحسب قرارات مؤتمر فاس الذي ربما كان هذا البند فيه أقرب إلى المجاملة عند بعض الأطراف العربية منه إلى الموقف المبدئي.. ذلك أن سلسلة التنازلات العربية كما تعودنا لا تقف عند حد، كما أن المواقف المعلنة لم تكن دائمًا هي المواقف الحقيقية على الرغم من أن هذه المواقف -المعلنة- لم تصل يومًا عند الأنظمة العربية إلى الحد الأدنى لتطلعات الجماهير العربية فضلًا عن أن تكون التزامًا إسلاميًا.
وعلى افتراض قيام هذه الدولة الفلسطينية فهل سيكون بها جيش يحميها كما يقول ياسر عرفات أم ستكون منزوعة السلاح؟ وهل ستتحول منظمة التحرير والتنظيمات الفلسطينية الأخرى إلى أحزاب سياسية في دولة ديمقراطية على النمط الشرقي أو الغربي أم على النمط العربي المعروف؟!
والنظام الاقتصادي لهذه الدولة المقترحة هل يستطيع أن يقف على قدميه بدون معونة خارجية وانفتاح على العالم؟ ومن هي الجهة أو الجهات التي ستدعم اقتصاد هذه الدولة؟
وهل يمكن أن تقوم هذه الدولة بدون اعتراف "بإسرائيل" أي بدون تنازل عن حقوق شعب فلسطين في وطنه؟ وهل يملك فرد أو هيئة أو جهة التنازل عن هذه الحقوق؟ وإذا تم هذا التنازل بصكوك ومعاهدات فهل يستمر طويلًا؟! وهل ينتهي صراعنا مع العدو اليهودي في فلسطين؟!
هل يقنع اليهود بما سلبوه ولا يعودون إلى العدوان والمذابح والتوسع متذرعين بأي حجة وأي سبب؟ وهل تقبل أجيالنا القادمة -إذا قبلنا نحن- بالذل والهوان وتنطلي عليها الفلسفة القائلة «العقول اليهودية والثروات العربية تصنع معًا الشرق الأوسط المزدهر»؟!
كم هو مظلم هذا النفق العربي الذي تحدث عنه ياسر عرفات وإذا كان ياسر عرفات يرى أسوار القدس في نهاية هذا النفق المظلم فإننا نكاد نسمع نداء «الله أكبر» ينطلق من المسجد الأقصى فيزلزل الكيان اليهودي الغريب في فلسطين، إننا نكاد نسمع نداء «حي على الجهاد» ينطلق من كل حدب وصوب لتحرير فلسطين كل فلسطين ممن جاسوا خلال الديار وعاثوا فيها فسادًا وعلموا أجيالهم أن فلسطين لهم بنص التوراة وعلموا التافهين من الناطقين بالعربية أن فلسطين لليهود وأنهم أبناء عمومتنا وأننا يمكن أن نعيش معهم في «سلام»!
نقول لليائسين من أبناء أمتنا ما قاله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧).
ويقول أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (الممتحنة: ١٣).