; الديمقراطية.. والمصداقية الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان الديمقراطية.. والمصداقية الأمريكية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989

مشاهدات 86

نشر في العدد 920

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 13-يونيو-1989

 كانت أحداث المظاهرات الصينية طيلة الأيام الماضية مثار اهتمام كافة أجهزة الإعلام الغربية التي كانت تعكس الاهتمام البالغ لواشنطن والعواصم الأوروبية.. وعلى الرغم من أن أحداث الصين- والصين بلد كبير مفضل على شعوبه- إنما هي أحداث داخلية محضة، فإن اهتمام القيادات السياسية في العالم الغربي وصل إلى تجميد العلاقات كما فعلت باريس مع حكومة بكين، أو الاحتجاجات ذات اللهجة الشديدة، كما صدر عن دول السوق الأوروبية المشتركة، أو التعبير الرسمي عن الحزن كما أعلن الناطق الرسمي في بريطانيا، أو الاحتجاج مع التعبير عن القلق البالغ كما أعلن ذلك في واشنطن الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه.

 

وهكذا استأثرت أحداث الصين الداخلية على اهتمام حكومات العالم الغربي دون سائر القضايا في العالم.. ولا سيما العالم الإسلامي الذي تتفنن المؤامرات عليه، ويبدع المتآمرون في صنع أساليب التآمر وصياغتها ضده.. وقد يعتقد بعض المراقبين أن المحاولات الغربية في التدخل بأحداث الصين إنما هي من أجل تعزيز المطالب الديمقراطية لشعب الصين الذي طحنته الحكومات الشيوعية التي تعاقبت عليه قبل مجازر الثورة الثقافية الحمراء وبعدها، وبحسب هذا الظن يظهر الغربيون كنصراء للشعوب من ناحية، إضافة إلى التظاهر بحمل لواء الديمقراطية على المستويات العالمية، أما المراقبون الإسلاميون.. بل والشعوب الإسلامية الواعية.. فكلهم يدركون أن الموقف الأمريكي- الأوروبي من أحداث الصين حددته عدة قضايا انبثقت عن الرؤية الغربية منها.

 

١- العداء التقليدي للغرب مع النظم الشيوعية، وإذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت سابقًا في دق إسفين العداء بين النظامين الشيوعيين الجارين في موسكو وبكين، فإن البيت الأبيض بعد موت ماوتسي تونغ تمكن من دفع الحكومة الشيوعية في بكين باتجاه خطوات تراجعية أسقطت معها «الماوية» وقربت السياسة الصينية خطوات نحو الغرب، ولكن ذلك لم يكن كافيًا للانفتاح الصيني الذي تريده أمريكا على الغرب.. ومن هنا يمكن فصل الموقف الغربي عن الرغبة المجددة لشيوع الديمقراطية في الصين.

 

٢- ن الغرب ينظر إلى شعب الصين على أنه أكبر كتلة بشرية «استهلاكية» وإيجاد حكومة الانفتاح الديمقراطي البديلة سيحطم الإقفال الفولاذية المثبتة على أبواب الصين منذ عقود عدة، وستخترق الآلة الغربية أسواق بكين وشنغهاي وغيرها الأمر الذي سيساعد الغربيين في حل مشكلتهم مع الركود الاقتصادي للصناعات الاستهلاكية.. وطالما أن الدعوة الديمقراطية تحقق بعض الطموحات الغربية السياسية والاقتصادية في الصين، فإن العواصم الغربية ستظل تعبر عن قلقها عما يجري في الصين.. ولو كان ذلك شأنًا داخليًا محضًا.

 

٣- وتبقى قضية استراتيجية مهمة في الرؤية الغربية.. وهي تلك القضية المتعلقة في سباق التحالفات بين المعسكر الغربي الرأسمالي.. والمعسكر الشرقي الشيوعي.. ولا بد وأن الغربيين يعتقدون أن سقوط الشيوعية وزوالها في الصين لا بد وأنه سيؤثر على الاتحاد السوفيتي وكتلة حلف وارسو.. وسيجد الاتحاد السوفيتي نفسه محاصرًا بحليف أمريكي في الجنوب.. الأمر الذي يزيد في الرصيد الاستراتيجي للمعسكر الغربي الرأسمالي الذي يسعى للمحافظة على تفوقه على المعسكر الشيوعي.

 

ولعل أحداث الصين.. وموقف أمريكا والغرب منها تشتمل على جوانب أخرى كثيرة، ولكن أهم ما يثير الدهشة في العالم العربي والإسلامي هو الموقف الأمريكي - الغربي المتناقض من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان بل وحق تقرير المصير وحق الاستقلال والحرية لبعض الشعوب العربية والإسلامية.

 

وبنظرة سريعة على خارطة العالم الإسلامي تجد أن عددًا من الشعوب المسلمة تعاني من الظلم والاضطهاد والعدوان وعلى رأسها شعب فلسطين المسلم، وعلى امتداد خارطة العالم تجد أن معظم الأقليات المسلمة ما زالت مضطهدة تتحمل كل جور وعسف فالهند تستعبد الشعب الكشميري وتنصب له المذابح، كما أن الأقلية المسلمة داخل الهند لقيت من صنوف القهر والتعذيب على مرأى العالم ومسمعه دون أن تعلن واشنطن والعواصم الأوروبية عن أي عطف.. أو استنكار لما يحل بالمسلمين هناك.. أما شعب إريتريا المسلم فإن ما ينزله به الإثيوبيون وفق سياسة حرب الأرض المحروقة لم يحدث لأهل الصين أو لغيرهم من الشعوب الأخرى.. ومع ذلك تتلقى العواصم الغربية تفاصيل اضطهاد المسلمين عبر الأقمار الصناعية مباشرة دون أن يحرك ذلك عرقًا إنسانيًا ينبض مع هؤلاء المضطهدين من المسلمين.

 

على أن مقارنة الموقف الأمريكي- الأوروبي من أحداث الصين، مع الموقف الغربي العام من قضايا العالم الإسلامي وفي مقدمتها قضية فلسطين تكشف عن عدد من الحقائق الواضحة التي نود أن نلفت إليها أنظار حكومات العالم الإسلامي.. بل وأنظار دعاة الحرية وحقوق الإنسان في العالم أجمع.

 

١- إن الانتصار الغربي للمبادئ الديمقراطية مسألة نسبية تتحدد بحدود المصلحة التي يمكن أن تحققها العواصم الغربية نفسها من ذلك الانتصار.. وتعتبر ما يحدث في الصين.. وما حدث في بولندا من النماذج العارضة للرغبة الغربية في المساهمة من إجل إسقاط الشيوعية كمذهب سياسي ومنهج اقتصادي.

 

٢- وعلى العكس فإن السكوت على اضطهاد الشعوب الإسلامية المستضعفة والمظلومة هو الموقف الذي يتبناه الغرب طالما أن ذلك الاضطهاد والصمت عليه يعزز مواقع حلفاء أمريكا والغرب في البلدان الإسلامية، بل إن المثال الأوضح على هذه الحقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين تدعم سائر النظم العسكرية في العالم الإسلامي.. وهؤلاء هم ألد أعداء المبادئ الديمقراطية.

 

٣- أما في فلسطين التي يسام فيها شعبها المسلم سوء العذاب وألوانه.. فهي ليست في متناول المنظور الديمقراطي للولايات المتحدة وحلفائها، على الرغم من أن الحكومة اليهودية حكومة مغتصبة.. وإن الشعب اليهودي شعب وافد للاستيطان على أرض ليست أرضه.. بل هي أرض للمسلمين جميعًا.. وشعبها- شعب فلسطين- يعاني فيها تحت نير الاحتلال الغاشم.. وهاهنا يختفي النداء الإنساني في الغرب.. وهاهنا تصبح الديمقراطية شعارًا منسيًا، ليقتل اليهود في كل عام الآلاف من الشهداء الأبرار، ولتقصف مدافعهم البيوت والمنازل والقرى كاملة على رؤوس أهاليها.. وهكذا يموت المسلمون في فلسطين وهم أصحاب حق.. بل هم أصحاب الأرض وما فيها.. بينما تناصر الولايات المتحدة وحلفاؤها حكومة اليهود.. وشعب اليهود وتقدم له كل مقومات الاستيطان وأدواته ووسائله.

 

إننا نسأل الولايات المتحدة وحلفاءها.. وأصدقاءها في العالم العربي أيضا:

 

أين هي المصداقية في النداء الديمقراطي؟

وما حقيقة الموقف الأمريكي من حقوق الإنسان العربي والمسلم؟

وإننا إذ نسأل عن المصداقية الأمريكية التي تعتقد أنها ما زالت مفقودة.. لنأمل من أمريكا.. ومن أصدقاء أمريكا في العالم العربي مراجعة الموقف من قضايا أمتنا المصيرية وفي رأسها قضية فلسطين التي لن يتخلى عنها المسلمون.. وما طلائع الجهاد الفلسطيني التي يشهدها العالم الآن إلا بداية للعمل الجهادي الإسلامي المتكامل الذي لن يتوقف حتى تتحرر أرض المقدسات كاملة غير منقوصة من رجس المغتصب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل