; الدين.. والأمن الغذائي | مجلة المجتمع

العنوان الدين.. والأمن الغذائي

الكاتب سعد النشوان

تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022

مشاهدات 83

نشر في العدد 2171

نشر في الصفحة 29

الأربعاء 31-أغسطس-2022

لم تترك الرسالات السماوية أي شيء في مصلحة البشرية إلا وجعلت منه تشريعاً أو طريقة تعامل؛ لأن من غايات هذه الرسالات تنظيم حياة البشر، والسير بنظام وضعه رب العالمين لتدوم الحياة بكل أريحية، ومن ذلك الأمن الغذائي الذي هو عماد الحياة الإنسانية. 

وينطبق تنظيم الأمن الغذائي في الرخاء والشدة، ففي حال الشدة عندما فسَّر سيدنا يوسف عليه السلام رؤيا ملك مصر: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (يوسف: 43)، جاءه الرد النبوي الذي يعتبر نظاماً فريداً في الأمن الغذائي: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ {47} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ {48} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف)، فنظام التوفير والادخار الغذائي ليس جديداً على البشرية، بل هو قديم منذ الأزل، وكلنا نعرف قصة سيدنا موسى عليه السلام عندما سقى لابنتي شعيب التي ذُكرت بالقرآن،  وتدل على أهمية الماء والتنافس عليه حتى من قديم الأزل، ومن قبل سيدنا إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة: 126)، فلم ينسَ أبو الأنبياء الدعاء بالرزق والثمرات لأهمية هذه القضية في حياة الناس وخاصة في صحراء الجزيرة العربية القاحلة. 

وعندما ختم الله تعالى الرسالات بنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم أرسى الإسلام بشرائعه منهجاً عملياً للأمن الغذائي؛ فمنع الغش والتدليس وأخرج صاحبه من الدين،  فقال صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، وكذلك فُرضت الزكاة، ونهى الله تعالى عن الإسراف، قال عز وجل: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31).

وقد حث الإسلام على التوفير والادخار وعدم الإسراف، ولو أخذت المنظمات الدولية المعنية بالغذاء، مثل «فاو»، و»أونروا»، بالتوجيهات النبوية لما وجدنا أزمة في الغذاء،  وإذا كانت الأمم المتحدة تفتخر باتفاقيات المحافظة على المدنيين في الحروب والأزمات، فنحن المسلمين، قبل أربعة عشر قرناً، نفتخر بتعليمات النبي محمد صلى الله عليه وسلم  في الحروب: «.. ولا تُغرِقُوا نَخلاً، ولا تَحرِقُوا زَرعاً، ولا تَحبِسوا بَهيمةً، ولا تَقطَعُوا شجَرةً مُثمِرةً، ولا تَقتُلوا شَيخاً كبيراً، ولا صَبيّاً صغيراً»، وإهمال الفرائض الإسلامية وخاصة الزكاة سبب من أسباب الفساد في الأرض وانعدم الأمن الغذائي.

يعيش العالم الآن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية الكارثية، التي أعطت درساً عظيماً لجميع الدول بضرورة الاعتماد على النفس وتقليل الاعتماد على الآخرين، وأن استصلاح  الأراضي الزراعية هو الحل لبناء أمن غذائي، فليس من المعقول أن تعاني دولة كمصر أو السودان من خلل في مخزون القمح، ومن غير المعقول أن تعاني دول غنية كدول  مجلس التعاون الخليجي من تصحر في ظل وفورات مالية ضخمة، أو أن تعاني دول المغرب العربي من خلل في أمنها الغذائي مع ما يتوافر فيها من أراض خصبة.

قيل كثيراً، ونكرره هنا، وسنظل نقوله: إن الشراكة والتكامل بين الدول العربية والإسلامية الحل الأمثل في مسألة الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وإذا صدقت النوايا في هذا الأمر  لأصبحنا القوة الأعظم في العالم.

الرابط المختصر :