العنوان الذرة والخلية: آیتان من آيات الله
الكاتب د. حامد سلام
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1980
مشاهدات 186
نشر في العدد 482
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-مايو-1980
آيات الله في الكون والتي لا تعد ولا تحصى يمكن تصنيفها إلى صنفين:
الأول- واضح منظور، تدركه الحواس، ويحيط بنا من كل جانب، وبالفكر والتأمل ندرك عظمة الخالق -سبحانه وتعالى-؛ فهذا الكون الفسيح بما فيه من شموس، وأقمار، ونجوم، وكواكب تسير وفق نظام دقيق يؤلف بينها، كذلك تقليب الرياح والسحاب المسير بين السماء، والأرض، والليل، والنهار، والأرض وما فيها من إنسان، وحيوان، ونبات، وجماد، وذلك التنسيق المبدع، والدقيق لاستمرار الحياة عليها- كل ذلك من آيات الله الواضحة المضيئة، التي يستطيع كل إنسان عاقل بفطرته أن يدرك من خلالها عظمة الخالق وحكمته بلا جهد أو عناء، وأمثلة ذلك في كتاب الله كثيرة، منها:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164).
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 98).
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إلى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (عبس: 24-23).
فنجد أن هذه الآيات التي تشهد أن لا إله الا الله غاية في البساطة والوضوح؛ إذا توفر العقل السليم، والتفقه، والنظر إليها بفكر مفتوح وفطرة سوية.
أما الصنف الثاني من آيات الله في الكون فهو قد حجب عنا بعيد عن إدراكنا المباشر وبالعلم، والجهد، والمثابرة، والتقوى، وخشية الله نستطيع أن نسبر غور هذه الآيات، باحثين عما وراءها من أسرار وسنن؛ فيغمرنا نور المعرفة، وضياء الحقيقة، وحلاوة الإيمان بحكم الخالق وعظمته، وهناك العديد من الأمثلة في كتاب الله التي تحث على العلم والنهل من بحوره، وتدعو إلى النظر فيما خلق الله في السماوات والأرض، وفي الإنسان نفسه، وفي جميع مكونات الكون صغيرها وكبيرها.
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 13).
﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 219).
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 20-21)
وأنا أقصد فيما ذهبت إليه من حديث أن هناك آيات كونية تدل على الخالق العظيم واضحة لكل ذي عقل سليم، وآيات أخرى خافية يظهر حكمتها العلم والكشوف العلمية، ويحس بها، ويتعرف عليها من آتاه الله علمًا، وفتح عليه، وأفاض له من رحمته، وهداه إلى سواء السبيل.
فالذرة مثلًا عالم غير منظور، لا تدركه الحواس بصورة مباشرة، وفيها من الأسرار ما حير العلماء، وما زال يحيرهم؛ فهي في تصور العلم الحديث تحتوي على نواة موجبة الشحنة، تدور حولها في مدارات محددة عدد من الإلكترونات، تشكل ما يسمى «بالغمامة الإلكترونية».
والنواة ثقيلة جدًا إذا قورنت بالإلكترونيات؛ فمثلًا يبلغ وزن نواة ذرة الهيدروجين 1,7*2410 جم، كذلك وجد أن أبعاد هذه النواة صغيرة جدًا بالنسبة لأبعاد الذرة، مما يدل على أن المادة خالية بصورة عامة إلا من النويات بصورة رئيسية.
وتتكون النواة من عدد من الجسيمات الدقيقة «كسكان دائمين» تسمى بالنيوكلونات، تربطهم طاقة ربط هائلة، تحافظ على عالمهم من التفكك والانهيار، فمثلًا في حالة ذرة الديوترون (۲ فيوكلون) تكون هذه الطاقة في حدود ۲,۲ ملیون إلكترون فولت، وفي حالة الرصاص (۲۰۸ نيوكلون) تكون هذه الطاقة في حدود ١٦٣٦,٥ مليون إلكترون فولت (الإلكترون فولت وحدة علمية لقياس الطاقة).
وبجانب هؤلاء السكان الدائمين (النيوكلونات) يوجد سكان غير دائمين (رحل) يجيئون ويذهبون دون أن نعلم من أين جاءوا، وإلى أين يذهبون، ويستمر وجود بعضهم لفترة زمنية تقرب من 1*2310 ثانية، وخلال هذا التواجد والاختفاء يسببون تأثيرات وظواهر غريبة، تتحكم فيها قوانين غاية في الدقة والتعقيد الذي لا يخل بالنظام، وبعض هذه القوانين اكتشفه العلماء، ومعظمها لا يزال في كبد المجهول، وسكان هذا العالم المتناهي في الصغر، عظيم الطاقة، عالم نواة الذرة تتراوح من حيث الحيز من الجسيمات التي تسمى بالباريونات ذات الكتل في حدود 2410 جم وأنصاف أقطار في حدود 13١٠ سم، إلى الجسيمات المسماه بالنيوترينات، ذات اللاكتلة واللاحيز طبيعي ظاهري .
هذه الجسيمات تتواجد وتتعايش في ظل قوة رهيبة، تعرف بالقوى النووية، لها صفات وخصائص تختلف اختلافًا كبيرًا عما ألفناه من قوى؛ حيث إنها لا تعتمد مطلقًا على الشحنة؛ فهي متساوية تمامًا بين الأجسام المشحونة (البروتونات)، كما هي بين الأجسام المتعادلة الشحنة (النيترونات)، وتعمل في مسافات متناهية في الصغر، وهي قوة جذب شديدة في مجال المسافات أقل من 1210 سم، وسرعان ما تنقلب إلى قوى تنافر رهيبة جدًا، عندما تقرب المسافة بين النيوكلونات إلى 0.4 x 1210سم، وهكذا يعيش سكان هذا العالم في حركة دائبة من كروفر محكومين بنظم غاية في الدقة والتعقيد تسيطر عليهم قوى رهيبة تحافظ عليهم، وتشملهم برعايتها، وتحميهم من التفكك والانهيار.
هذه بعض الملامح البسيطة جدًا عن عالم النواة في الجماد، فماذا عن عالم الأحياء وأصغر مكوناته.
تعتبر الخلية حجر الأساس في بناء الكائن الحي، وهي تتكون من حجرة مملوءة بمادة سائلة أطلق عليها السيتوبلازم، ويغلفها غشاء، وتستقر فيها نواة يكمن فيها سر الحياة، وتبلغ وزن الخلية «نطفة الرجل مثلا» حوالي 9١٠جم، ويبلغ قطر الخلية (كرة الدم الحمراء) حوالي x 7 610، والنواة عالم قائم بذاته، يحيط بها غشاء دقيق، ويتواجد فيها نوية صغيرة، وعدد من الكروموسومات التي تحدد الجنس، وصفات النوع إلى الأجيال القادمة.
وللخلايا أعمار فمنها التي تعيش أيامًا قليلة، ومنها التي تعيش بالشهور، ومنها التي تعيش ما عاش الإنسان (وهي التي تختص بنشاط البدن، وفعاليته، والنشاط الفكري، والتخيل، والشخصية).
وفي السائل الخلوي تسبح العديد من العناصر الغير حية بجانب وجود النواة التي تعتبر مركز الحياة، وبدراسة النواة وخاصة بعد استخدام الإمكانيات التكنولوجية الحديثة من مجاهر عظيمة كالمجهر الإلكتروني، وجد العلماء أن النواة يسكنها سكان دائمون، لهم أشكال ثابتة، وفي كل انقسام للخلية إلى خليتين جديدتين تكون الخلية الجديدة مشابهة تمامًا للخلية الأم، ووجد العلماء أن هذه الجسيمات الدقيقة هي المسؤولة عن انتقال صفات الآباء للأبناء (الصفات الوراثية)، وهنا تبرز علامة لون الشعر، شكل الأنف، المزاج، الصوت، فتحة العين، من الآباء للأبناء؟
ومن بين العناصر غير الحية التي تسبح في السائل الخلوي يوجد عنصر مسؤول عن تنظيم عملية الانشطار للخلية، يساعد عنصري الكروموسوم المنقسم في الوصول إلى طرفي الخلية التي تنقسم إلى خليتين جديدتين، والآن وبعد هذه النظرة البسيطة داخل قطاع صغير جدًا في عالم الجماد والأحياء، الذرة، والخلية، نواة الذرة، نواة الخلية، تقفز إلى أذهاننا تساؤلات عديدة متتابعة سريعة النبضات والطلقات:
- من الذي أودع تلك الكمية الهائلة من الطاقة داخل هذا الحيز المتناهي في الصغر (حيز النواة)؟
- من الذي علم الجماد أن يقوم بكل هذا الإبداع والنظام والحركة الدائبة الحكيمة ليحافظ على بناء المادة في الجماد، وانقسام الخلية، واستمرار الحياة في الأحياء؟
من سن كل هذه القوانين؟
-من أودع في هذا الحيز المتناهي في الصغر حيز نواة الخلية أقدس وأرقى أسرار الكون، الحياة؟
وسرعان ما نجد الرد في كتاب الله، ذلك النبع الذي لا ينضب من الحكمة والرحمة، ويجيء الرد بمنطق معجز، وسهولة ويسر في التعبير.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: 68-74).
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (سورة الملك: 23)
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ (المؤمنون: 13-15).
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {26} تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (آل عمران: 26:27).
صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل