العنوان الذكرى الـ ٥٠٠ لطرد المسلمين من الأندلس.. وفي فبراير ١٥٠٢م صدر مرسوم إيزابيلا
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1489
نشر في الصفحة 44
السبت 16-فبراير-2002
▪ ضياع الأندلس صورة مأساوية لزوال مجد المسلمين.. بعد أن غرقوا في متع الدنيا ونسوا العدو المتربص بهم
▪ قصة سقوط غرناطة.. وأول معاهدة تلزم المسلمين بدفع الجزية
▪ ما زالت إسبانيا تنتهج نفس سياسة التطهير العرقي في سبتة ومليلية بطرد المغاربة ومحاربة الإسلام ومنع المسلمين من إقامة احتفالاتهم وأعيادهم
الذين يحسبون أن التاريخ لا يستعاد إلا باعتباره ماضيًا قد ولى، يخطئون مرتين واحدة في حق شعوبهم، والأخرى في حق التاريخ الذي لا يعرف منطق الحلقات المنفصلة، فهو كالسيل المنهمر في الزمن المتصل لحلقات بحيث لا يأتي وحدها، إن لم تكن وراءه قوة تدفعه، وتلك القوة هي منطق التاريخ.
وأحسب أن جزءًا كبيرًا من هزائمنا، بل جميعها، وليد غياب إدراك هذا المنطق التاريخي الصارم والقاسي معًا، ووليد احتقارنا للوعي التاريخي الذي من دونه لا تستطيع أمة صناعة مستقبلها والتحكم في حاضرها.
إن القرآن الكريم يعرض علينا مصائر الأمم السالفة لا من أجل الحكايات، بل لنمتلك حاسة الوعي التاريخي والحضاري ننظر جيدًا إلى الماضي لنسير بثقة إلى المستقبل.
لم نعد نحفل بالتاريخ جعلناه خلف ظهورنا واهمين أن المستقبل له طريق مختلف ناسين أننا نجر وراءنا هذا التاريخ بكل خيباته وهزائمه، شئنا أم أبينا، لذلك يكون من الطبيعي أن نتخبط اليوم في حياتنا، ونتعرض لأبشع أنواع الظلم والاحتلال والتخلف والتجزئة دون أن يكون لنا ناظم لسلوكياتنا أو منطق سليم لسياستنا لقد قرأ اليهود تاريخنا، وعرفوا كيف يتسربون إلى ديارنا، ودرس الغرب ثقافتنا وتجاربنا الحضارية، وأدرك أين يوجد المقتل فدخل منه، إن وراؤنا خمسة عشر قرنًا من التجارب مع اليهود، ومن التوجيه القرآني عن اليهود، ومع ذلك ما زال فينا من يثق بهم ويريد أن يعقد معهم سلامًا هذا مثل واحد عن التخبط وغياب الوعي التاريخي الحضاري.
عندما فكرت في الكتابة عن الذكرى الخمسمائة لطرد أجدادنا المسلمين من الأندلس أحسست بالألم مرتين، الأولى لمأساوية الحدث الجلل المدوي في أعماق كل مسلم يري حدود الإسلام تقضم قطعة قطعة، والثانية لأن مسلمي اليوم ما زالوا يدفعون الجزية الحضارية والتاريخية لمستعمري الأمس، كان ذلك التاريخ ليس تاريخهم.
ففي مؤتمر مدريد التاريخي في أكتوبر ١٩٩١م ذهب العرب طواعية لتسليم فلسطين لليهود في قلب الأندلس، وفوق قبور المسلمين هناك مثلما سلم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة لملك قشتالة عام ١٤٩١م، أي خمسمائة سنة قبل مؤتمر مدريد، ولم يكن اختيار المكان اعتباطيًا، وإنما لتذكير العرب والمسلمين بتجربة أجداهم، وإمعانًا في الكيد والإذلال، وبعد اجتماع مدريد بأربع سنوات جاء مؤتمر برشلونة في المنطقة نفسها التي حكمها المسلمون من قبل ليرسم مخططًا استعماريًا جديدًا اسمه الشراكة الأورو، متوسطية بين العرب وأوروبا، ماذا تريد أوروبا المنتصرة من المهزومين؟ إنها تريد خيراتهم عبر اتفاق رسمي في برشلونة كل شيء يتم باتفاقات يمليها المنتصر: اتفاق تسليم غرناطة، اتفاق تنصير مسلمي الأندلس، اتفاق مدريد، اتفاق أوسلو، اتفاق برشلونة.
▪ ضياع الأندلس
إن ضياع الأندلس صورة مأساوية لضياع مجد المسلمين، وحضارتهم وعزهم في التاريخ لكنها كذلك صورة المتخاذل العربي والإسلامي عن النصرة وانشغال المسلمين بأنفسهم وبالدنيا، وعمق التشتت والانقسام والتناحر في الأمة.
شاء القدر للأندلس أن تكون بين البحر والجبهات الصليبية المتعددة التي كانت تتربص بها الدوائر، فظلت ثمانية قرون، أي منذ افتتحها القائد المسلم الأمازيغي طارق بن زياد، تغالب النصرانية بالإسلام، وتقاوم تحرشات الصليبيين لكن دولة الإسلام كانت ماضية نحو الاضمحلال والتفرق بفعل الأمراض الداخلية التي إذا لاحت في حضارة أهلكتها، وبفعل العوامل الخارجية المتمثلة في الممالك النصرانية التي كانت تتجمع لغزوها، وتنتزع تباعًا قواعد وثغور دولة الإسلام حتى إذا كان القرن الثامن الهجري لم يبق في دولة الإسلام الشامخة في الأندلس سوى مملكة غرناطة الصغيرة، تواجه منفردة أعدائها الصليبيين الذين تجمعوا حول قصعتها.
وطوال عهود المواجهة والتحدي الصليبي، ظل المسلمون في الأندلس يستنجدون بعد الله بأبطال المغرب الأقصى ويستمدون منهم العون وهؤلاء لا يبخلون بإرسال الجيوش والمقاتلين، فعندما اشتد الخناق على إشبيلية وقرطبة، وجه الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين من سبتة أسطولًا من سبعة آلاف جندي نحو الجزيرة الخضراء ثم قصد حسن ألفونسو السادس ملك قشتالة، والتقي الجمعان عند مكان اسمه «الزلاقة» حيث جرت الموقعة التاريخية الشهيرة بهذا الاسم أوائل رمضان ۱۷۹ هـ وانتصر فيها المسلمون.
لكن دولة الموحدين التي ورثت المرابطين سرعان ما دب في أوصالها الوهن والضعف إلى درجة أن المأمون بن المنصور الموحدي عقد في عام ٦٢٤ه معاهدة مع ملك قشتالة الصليبي فرناندو الثالث يتعهد له فيها بدفع جزية كبيرة، ويسلم عشرة من الحصون التي يختارها الصليبي ويبني له كنيسة في مراكش، وإذا أسلم نصراني يتعهد الموحدون بإعادته إلى النصارى، وإذا تنصر مسلم ليس للمسلمين عليه سبيل.
وهكذا لم يجد مسلمو الأندلس من يحمي ديارهم، ودخل أمراء الممالك الأندلسية في صراعات على النفوذ والسلطة، ودب بينهم الخلاف الذي أغرى بهم الأعداء، وبدأ بعضهم يعطي الولاء للصليبيين لمعاونتهم ضد إخوانهم المسلمين فهذا محمد بن عبد العزيز بن عامر حاكم بلنسية، يتحالف مع الملك القشتالي ألفونسو السادس، ويدفع له الجزية ويتنازل له عن الكثير من الحصون والقلاع الاستراتيجية، مما ساعد الفونسو على الاستيلاء على طليطلة عام ٤٧٨هـ، وهذا محمد بن يوسف بن الأحمر، الذي أسس مملكة غرناطة، يعقد اتفاقية مع فرناندو الثالث، يتعهد له فيها أن يكون من أتباعه، ويعترف بسلطته على مملكة غرناطة، ويدفع له الجزية ويصبح عضوًا في الكورتيس القشتالي «البرلمان»، بل يتعهد بمساعدته على قتال المسلمين، حتى إن جيش غرناطة اشترك وفق الاتفاقية مع جيوش قشتالة في حصار أشبيلية عام ٦٤٦ هـ، ما أدى إلى سقوطها بيد النصارى.
▪ حصار غرناطة
وما إن جاء القرن التاسع الهجري، حتى كانت أطراف الأندلس قد دخلت تحت مظلة الصليب ولم يعد بيد المسلمين سوى مملكة غرناطة التي دبت فيها نار الحرب الأهلية، فحاصرها الصليبيون بقيادة فرديناند الخامس، بعد سنوات قليلة من المقاومة البطولية من طرف محمد بن سعد المعروف بالزغل، وجنود المسلمين والسكان، ودخل فرديناند الخامس سهول غرناطة بجيش قوامه أربعون ألف راجل وعشرة آلاف فارس، وأعمل في المسلمين كل أنواع الفلك والتنكيل، فأتلف المحاصيل وأحرق المنازل، وذبح السكان العزل، وشدد الحصار على آخر معقل من معاقل الإسلام في الأندلس، وأوفد المسلمون الرسل يتوسلون النجدة من مصر والروم، لكن دون جدوى.
كانت جميع قواعد الأندلس الأخرى في مالقة، وألمرية، ووادي أش، والحامة، وبسطة قد أصبحت تابعة لمملكة قشتالة، وعين فيها حكام من النصارى ودان أهلها بالطاعة لملك النصارى، بل ارتد عدد من المسلمين إلى النصرانية، وفر آخرون نحو المغرب خشية القتل والمطاردة، وهرع آخرون إلى غرناطة للاحتماء حتى غصت بالوافدين الجدد.
وكان سلطان غرناطة يراقب هذه الحوادث ويشعر أن سقوط مملكته مسألة وقت ليس إلا، لكنه أدرك خطاء في التآمر ضد عمه الزغل الذي كان أقوى عضد يمكن الاعتماد عليه في مثل الظروف الحالكة السواد، وسرعان ما ظهرت علامات النهاية حين بعث فرديناند إلى أبي عبد الله محمد بن يوسف يطلب إليه تسليم الحمراء والبقاء في غرناطة تحت طاعته وحمايته، فاكتشف أنه خدع حين تحالف مع ملك قشتالة، فجمع الكبراء في المملكة الذين أجمعوا على رفض التسليم وقرروا الدفاع حتى الموت عن دينهم وأرضهم، وأعلنت غرناطة حالة الحرب، وحمل أبو عبد الله شعبه على القتال، وخرج في قواته يحاول استعادة القواعد والحصون المسلمة المجاورة، وثار أهل البشرات المطلة على بحر الزقاق «مضيق جبل طارق»، وما حولها على النصارى ووقعت بين هؤلاء والمسلمين معارك انتصر فيها المسلمون فغضب فرديناند لهذا النصر غير المنتظر، وخرج بعد عام من ذلك، أي عام ٨٩٦ه ، في جيش ضخم مزود بالمدافع والذخائر الوفيرة، وسار إلى غرناطة ونزل بمرجها الجنوبي، وأنشأ لجيشه في تلك البقعة مدينة صغيرة مصورة سميت «سانتافي» أو الإيمان المقدس رمزًا للحرب الدينية ضد الإسلام، وما زالت هذه القلعة إلى اليوم، وبدأ حصار غرناطة من جديد في جمادى الآخرة سنة ٨٩٦ه (مارس ١٤٩١م).
▪ نهاية دولة الإسلام في الأندلس
عندما أطبق الحصار على المسلمين في مملكة غرناطة لأيام، وهددهم الجوع والعطش والموت، لم بعد أمامهم سوى الحرب حتى آخر رجل، أو التسليم للصليبيين، فكانوا يخرجون للمواجهة ثم يعودون وقد تساقط منهم الكثير، لكن نفاذ المؤونة ودخول الشتاء وانتشار المرض والجوع، أقنع أبا عبد الله بالتفكير في مفاوضة فرديناند في التسليم غير ما مرة، لولا اعتراض موسى بن أبي الغسان الذي قاد المعارك في جبال البشرات، وعندما تقدم حاكم المدينة أبو القاسم عبد الملك ورأى المؤن تكاد تنقذ، وأنه لا جدوى من المقاومة قرر أبو عبد الله ومن معه التسليم، فأرسل أبا القاسم لمفاوضة فرديناند، أما أبو موسى بن أبي الغسان فقد أمتطى جواده ورحل رافضًا الذل والمهانة، وقيل إنه أجهز على الصليبيين وفتك بالكثيرين منهم قبل أن يسقط من على ظهر جواده، ورفض الرأفة التي عرضوها عليه، واستمر يقاتل بصمود حتى خارت قواه ثم رمى بنفسه في النهر.
واتفق الطرفان على شروط التسليم التي وضعها فرديناند ووزراؤه إذا لم ترد للمسلمين نجدة من البر أو البحر خلال شهرين سلموا مدينة غرناطة للمسيحيين، وعندئذ يكون على السلطان والقواد والوزراء والشيوخ أن يقسموا يمين الطاعة لملوك قشتالة، ويمنح أبو عبد الله بعض الأملاك في البشرات ويؤمن ملك قشتالة المسلمين على أرواحهم وأملاكهم وأسلحتهم وخيولهم دون قيد أو شرط، ويسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية بحرية، ويصون جوامعهم ومؤسساتهم الدينية، ولا يمنع المؤذنين من الأذان للصلاة، ويسمح لهم بالاحتفاظ بعاداتهم ولغتهم وزيهم، وأن يفصل في قضاياهم قضاة من المسلمين وفق شريعتهم، ولا تفرض عليهم ضريبة تفوق ما كانوا يؤدونه لملوكهم، ولا يسمح لمسيحي بالدخول إلى بيت مسلم عنوة أو يهينه إطلاقًا، ويطلق سراح جميع الأسرى المسلمين، ويسمح لكل من يرغب في العبور إلى إفريقيا من المسلمين ضمن مدة معينة أن يفعل ذلك في سفن قشتالة دون استيفاء أجور تفوق أجور السفر العادية، ولا يمنع بعد انقضاء المدة المعينة أي مسلم من السفر إلا بعد أن يدفع علاوة على أجرة السفر عشر أمواله التي يحملها معه، ولا يضطهد أو يعاقب مسلم بجريمة غيره ولا يجبر أي نصراني اعتنق الإسلام على الارتداد إلى دينه القديم، ويمنح أي مسلم يريد اعتناق النصرانية بضعة أيام للتفكير ويناقشه قاضي مسلم بحضور حاكم مسيحي، فإذا أصر على موقفه سمح له باعتناق المسيحية، ويحرم على الجنود المسيحيين إساءة معاملة المسلمين أو نقلهم من منازلهم دون إرادتهم، ويؤمن المسلم الذي يرغب في السفر أو الإقامة بين المسيحيين على سلامته وأمواله، ولا يجبر المسلمون على حمل علامات مميزة كالتي كان يحملها اليهود.
وهكذا أذعنت غرناطة وانتهت دولة الإسلام بالأندلس في شهر صفر ٨٩٧هـ ديسمبر ١٤٩١م، وطويت تلك الصفحة المجيدة من الدنيا، وقضي على تاريخ الحضارة هناك أما الملك النعس أبو عبد الله فقد قضت عليه معاهدة التسليم بأن يغادر غرناطة إلى البشرات.
ولما ذاعت أخبار التسليم وشروطه المذلة المهيئة سخط المسلمون عليه، فاستعد للرحيل، وفي نفس اليوم الذي دخل فيه النصارى غرناطة، غادر أبو عبد الله قصره وموطن عزه ومجد آبائه، وتقدم نحو فرديناند ومد إليه مفاتيح الحمراء قائلًا له: «إن هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة العرب في إسبانيا، وقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا، هكذا قضى الله، فكن في ظفرك رحيمًا عادلًا» وتقدم صحبة فرديناند نحو الملكة إيزابيلا لتحيتها، وغادر المكان، وعندما أشرف في مسيره على منظر غرناطة انهمر دمعه وأجهش بالبكاء، فصاحت به أمه عائشة: «أجل فلتبك كالنساء، ملكًا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال» وما تزال إحدى الصخور في إسبانيا تحمل اسمًا مؤثرًا لهذا المكان «زفرة العربي الأخيرة» وتقول إحدى الروايات إن أبا عبد الله رجا فرديناند أن يغلق الباب الذي خرج منه لآخر مرة حتى لا يجوزه من بعده إنسان.
▪ سياسة التطهير الصليبية
ولكن هل وفي الصليبيون بعهودهم؟
كلا.. فلم يكن في نية فرديناند وإيزابيلا التقيد بالشروط التي عقدها مع المسلمين، لأن تلك الشروط كانت مجرد خدعة للاستيلاء على المدينة، لقد كان هناك نظام عالمي جديد يتشكل بلغة واقع اليوم، يقف على رأس الهرم فيه الصليبيون الجدد، وكان هؤلاء يراقبون الأوضاع في العالم الإسلامي وفي قلب الإمبراطورية العثمانية التي كانت تتحلل بالتدريج بفعل الضربات من كل جانب، ولم تكن تنقضي سنة واحدة حتى أصدر فردیناند مرسومًا يقضي على المسلمين بالتخلي عن دينهم أو مغادرة البلاد، ثم شرع في إنشاء المحارق ومحاكم التفتيش، وأكره المسلمين على التنصر بالقوة، وفي ١٤٩٨م تعرض المسلمون لاضطهاد عام، إذ خيروا بين التنصر والإعدام فخضع البعض منهم، ولكن الكثيرين تمسكوا بدينهم والتجأوا إلى جبال الألب، فلحق بهم الصليبيون وذبحوا عددًا كثيرًا منهم بوحشية، وفر الباقون في اتجاه المغرب الأقصى ومصر.
وأطلق على المسلمين الذي بقوا في غرناطة وباقي مدن إسبانيا تسمية الموريسكيين احتقارًا، أو «المسيحيون الجدد» ومنع هؤلاء من استعمال لغتهم العربية، وفرض عليهم طرح أزيائهم، والتخلي عن عاداتهم وتقاليدهم، أما الشعائر الدينية فقد كانوا يمارسونها خفية وراء الجدران حتى لا يتعرضوا للحرق أو القتل أو النفي، ويشكك في اعتناقهم النصرانية، وفرض عليهم التسمي بالأسماء الإسبانية، والكتابة والحديث بالإسبانية كما تم وضعهم في أدنى السلم الاجتماعي للقضاء على أي بروز جديد لأي معالم حضارية إسلامية.
وتحققت نوايا الصليبيين في طرد المسلمين من إسبانيا الكاثوليكية عندما أصدرت الملكة إيزابيلا في فبراير ٢-١٥ مرسومًا يقضي بطرد المسلمين خارج إسبانيا، وبدأ تطبيق سياسة التطهير العرقي بعد سياسة الإبادة، حيث طرد ملايين المسلمين وكما قال أحد المؤرخين كانت: «ساعة شؤم تلك التي حل فيها الصليب محل الهلال على أبراج غرناطة».
▪ ما أشبه الليلة بالبارحة
ضاعت الأندلس، ولكن كم أندلس جديدة في تاريخنا الحديث نراها تضيع أمام أعيننا ونحن نبكي ما لا تستطيع الحفاظ عليه مثل الرجال، كما قالت أم أبي عبد الله؟ كم من اتفاقيات تعقد مع أعدائنا وخصومنا ولا تنفذ ومع ذلك نستمر في توقيع الاتفاقيات؟
المؤسف أننا ننسى وأعداؤنا لا ينسون، فها هو الملك خوان كارلوس الأول ملك إسبانيا يعترف بالخطأ الذي ارتكبته إيزابيلا في حق اليهود الذين طردوا من إسبانيا بمقتضى قرارها الصادر في ٣١ مارس ١٤٩٢م، ويقدم اعتذاره رسميًا إلى رئيس الكيان الصهيوني، دون أن يفعل الشيء نفسه إزاء المسلمين الذين كانوا سادة الأرض والحضارة هناك، بينما لم يكن لليهود ملك قائم، ولكن عاشوا تحت حكم الإسلام قبل أن يأتي الصليبيون، فكيف يعتذر ملك إسبانيا لبضعة آلاف كانوا أهل ذمة ولا يعتذر لعدة ملايين كانوا الصحاب الدولة والحكم والحضارة؟
وما تزال إسبانيا اليوم تنهج نفس السياسة التطهيرية في سبتة ومليلية اللتين تحتلهما منذ القرن الخامس عشر الميلادي بطرد المغاربة، ومحاربة الإسلام والمسلمين ومنعهم من إقامة احتفالاتهم وأعيادهم الدينية وبناء المساجد.
نعم ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه الأندلس بفلسطين وسبتة ومليلية والشيشان والبوسنة والهرسك وكشمير وجنوب السودان، ومن يقرأ هذه الأبيات التي يبكي فيها أبو البقاء الرندي ضياع الأندلس يجد أنها تحكي مأساة ما يعيشه المسلمون اليوم:
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف***كما بكي لفراق الألف هيمان
على ديار من الإسلام خالية***قد أسلمت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما***فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة***حتى المنابر ترثي وهي عيدان