العنوان الذهنية الأمنية تغتال الوطن والمواطنين
الكاتب محمد المحمود
تاريخ النشر السبت 11-يناير-2003
مشاهدات 428
نشر في العدد 1534
نشر في الصفحة 24
السبت 11-يناير-2003
تهديدات أمنية للمعارضة بالسعي لربطها بحملة الإرهاب الدولي، يعززها إقدام السلطات على تسليم واشنطن (٤٠) ألف وثيقة تتعلق بسوريين وعرب.
في جسد القطر السوري دمامل مزمنة، إحداها حظر الجوازات والوثائق وتثبيت الشخصية ومشتقاتها على أطراف المعارضة المهجرة قسريًا منذ ما يزيد على ربع قرن، ونعني بأطراف المعارضة كل الطيف المعارض، لا التيار الإسلامي وحده، أول وآخر محاولة (تجريبية) للتعامل مع هذا (الدمل) المستفحل، الذي يطال ثلاثة أجيال من المهجرين، كانت في شهر مارس من عام ٢٠٠١م حين أصدرت السلطات قرارًا يمنح المغتربين إمكان تجديد وثائق سفرهم لمدة سنة واحدة، على أن يعاد النظر بهذا المنح تجديدًا لمدة ست سنوات، أو التوقف، ومثل الكثير من القرارات والمراسيم التي تحمل نوعًا من الانفراج في ليل القطر السوري، تم وأد هذه المحاولة، وتكرس الحرمان، وشمل ما لا يقل عن (۹۰) ألفًا من المهجرين المنتشرين في الأقطار العربية والأجنبية.
وللعلم صدر القرار المشار إليه في بداية ولاية الرئيس الجديد، وفي مناخ الانفتاح النسبي، وتم التراجع عنه في توقيت الإجهاز على (ربيع دمشق)، حين اعتقل الناشطون العشرة.
في أحد اجتماعات وزراء الداخلية العرب ألقى وزير الداخلية السوري السابق محمد حربة خطاب احتجاج على الدول العربية، لا سيما دول الجوار؛ بسبب سكوتها عن الجوازات السورية غير الرسمية، فسقط بيده حين أجابه زملاؤه وزراء داخلية تلك الدول أنتم السبب، لماذا تحرمون مواطنيكم من وثائق سفرهم، وهم بالآلآف؟ ولماذا تضطرونهم إلى هذا المركب الصعب نحن أولى بالاحتجاج على تصرفاتكم؟
مع بداية العهد الجديد بولاية الرئيس (بشار وخطاب القسم) استبشر المواطنون المقيمون والمغتربون بوعود الخطاب، ولا سيما ما يتعلق بالرأي الآخر وبحقوق الإنسان، لكن سنتين انقضتا على الخطاب، ولم تحل هذه الإشكالات، بل لم توضع بعد على سلم الاهتمامات الرسمية، ولا نريد أن نقول حصلت انتكاسات في ذلك، إن الذي نكأ الجرح، وأثار مواجع هذا الدمل المزمن تلك الواقعة الجديدة المتمثلة بإقدام السلطات الإيطالية على تسليم محمد سعيد الصخري المحكوم في سورية بالإعدام، بتهمة الانتماء لحركة الإخوان المسلمين وزوجته ميسون أحمد لبابيدي، وأطفالها الأربعة رغدة (۱۱عامًا) ومحمد (۸أعوام) ومروة (9أعوام) وردينة عامان ونصف العام إلى السلطات السورية، وكانت الحكومتان الألمانية والبلجيكية سلمتا اثنين من المعارضين السوريين مما أثار موجة غضب كبيرة في صفوف منظمات حقوق الإنسان والبرلمانيين الأوربيين، وقد أفادت اللجنة العربية لحقوق الإنسان أن الأسرة السورية وصلت مطار (فلنسيا) قادمة من الأردن يوم 23/11/2002، وتقدمت بطلب اللجوء السياسي في إيطاليا، ثم أعلنت المحامية أنتونيلا بيزون أن الأسرة قد نقلت إلى دمشق يوم28/11/2002، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخبارها، هذه واقعة صارخة تكشف انتهاك السلطات الإيطالية لحقوق الإنسان، وتنكر لمبادئ اتفاقية جنيف لعام ١٩٥١م الخاصة باللجوء، وإمكان تعرضها للمساءلة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على تصرفهاالمدان وفي الواقعة أيضًا، وهو الأهم انكشاف لاستمرار السلطات السورية في عقليتها الأمنية المخالفة للأعراف القانونية ولحقوق الإنسان في ملاحقتها لمواطنيها بعد مضي أكثر من ربع قرن بتهمة سياسية أصلها جائرة، وهي الحكم بالإعدام استنادًا لقانون (49) الصادر عام ۱۹۸۰م بحق كل منتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين، أي حكم بالإعدام بسبب الخلاف في الرأي، وهو حكم لا مثيل له في تاريخ البشرية قديمًا ولا حديثًا، زد على ذلك حرج الظروف المحيطة بالقطر والمنطقة، مما يحوج إلى مزيد من التلاحم الوطني، وتوجيه الجهد الأمني لمواجهة التحديات الخارجية بصف وطني متماسك، أما في الداخل فهناك اقتراب استحقاقات مفصلية في تاريخ سورية، ألا وهي انتخابات مجلس الشعب، والتمهيد لصدور قانون جديد للأحزاب، والتبشير بأوضاع جديدة منفتحة على حين تسرب الجهات الأمنية تهديدات من وراء الحدود الأطراف المعارضة، مفادها: أنها -أي الجهات الأمنية- سوف تربط المعارضة زورًا وبهتانًا بما يسمى الإرهاب الدولي لدى الإدارة الأمريكية وحلفائها، وعززت تهديداتها الشفوية بتسليم أربعين ألف وثيقة للإدارة الأمريكية، تتعلق بالمعارضة السورية، وبالمواطنين العرب الآخرين، فهل أثمرت الجهود الأجنبية والسلطة السورية في (مقايضة المصالح) بصرف النظر عن الحقائق والمبادئ، وسرت المقايضات على بعض الدول الأوربية مثل إيطاليا؟ وما نشرته الإدارة الأمريكية حتى الآن في شأن العلاقة مع النظام السوري يدل على أن الأمريكان لم يقبلوا تسويق السلطة السورية لخلافها مع المعارضة، وفسرته على أنه مشكلة تخص سورية والسوريين وحدهم، ولا علاقة لهذه المعارضة بما يسمى بالإرهاب الدولي، ونقدر أن أجهزة الأمن الأوروبية ومنها إيطالية لا تقل فهمًا ووعيًا لحقيقة الإشكال السوري والمعارضة، سيما وأن الجاليات السورية لديها ذات أداء حسن في التعايش السلمي المدني، وفي خدمة المجتمعات التي تعيش فيها، وفي انضباطها الطوعي الحضاري بحقوق الضيافة والاغتراب، ومنها نخبة تعمل في الجامعات ومؤسسات الطب والهندسة والتجارة وحقوق الإنسان، ولم يعرف عن المعارضة السورية نقلها لمعارضتها خارج حدود القطر.
فما الجديد؟
المستجد الأول: أن تحذيرات أنصار حقوق الإنسان ومخاوفهم من استغلال الحكومات للحملة الأمريكية الدولية على ما يسمى الإرهاب- قد تحققت في اقتراف الأنظمة مزيدًا من الارتكابات والتضييق على حقوق الإنسان، نخص بالذكر الأنظمة ذات الطابع الشمولي فقد وجدتها فرصة سانحة، فشددت قبضتها الأمنية وشرعت بتسديد (فواتير) حساباتها المحلية، ويسهل هذا تجانس القمع الحكومي، ولعبة المقايضات في المصالحغير المشروعة.
المستجد الثاني: أن المعارضة السورية بخطابها السلمي المدني قد خطت خطوات داخل سورية في إعادة السياسة المصادرة إلى صاحبها الأصيل -المجتمع الذي اغتصبت منه طوال أربعين عامًا- وفي خارج سورية تم توضيح الإشكال السوري للرأي العام العربي والإسلامي والدولي، بشكل مقبول، يمكن تنميته ومتابعته.
المستجد الثالث: وصول الأوضاع السورية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حال الانسداد الذي يفرض حلًا سياسيًا ينقل القطر من حال إلى حال آخر، يتواكب مع حاجات المواطنين وطموحاتهم، ومع مقتضيات العصر والتحديث، ويبدو أن هذا لا يروق لقوى الشد العكسي، أو ما يسمى بالحرس القديم وذراعه الأمنية.
بمناسبة هذه الواقعة الإنسانية صرح د هيثم مناع -المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان- قائلًا: رب ضارة نافعة، وأوضح مراده من هذه العبارة بقوله: إن إقدام السلطات الإيطالية على تسليم المعارض السوري السيد صخري، وتكتم السلطات السورية على تسلمه وعلى مصيره ومصير أفراد أسرته الخمسة -على ما في ذلك من مأساة إنسانية- تفتح الباب على مصراعيه، لبسط قضية السوريين المهجرين قسريًا، البالغ عددهم تسعين ألفًا، وحرمانهم وأولادهم وأولاد أولادهم (ثلاثة أجيال) من حقوقهم الإنسانية في العودة الكريمة إلى الوطن وأحضان الأهل والأصدقاء، وإسهامهم في حماية وطنهم وبنائه وتقرير مصيره، فضلًا عن حصولهم على وثائق السفر ووثائق تثبيت الشخصية التي يحتاج إليها الإنسان حاجته إلى الماء والهواء.
ولكي تكون هذه الواقعة الضارة نافعة، نطالب الحكومة الإيطالية بالتكفير عن غلطتها وذلك بمتابعتها لمصير المعارض الصخري وأسرته لدى السلطات السورية، كما نطالبها ونطالب الدول الأوروبية عمومًا بتفهم القضية السورية، وقضية المهجرين السوريين خصوصًا، وباحترام حقوق الإنسان تجاه رعاياها السوريين على أراضيها، وهم قدوة في التعايش والبناء والانضباط الحضاري.
كما نطالب أحرار العالم شعوبًا وحكومات ومنظمات حقوق إنسان بالقيام بواجبها الإنساني في التنديد بواقع حقوق الإنسان السوري، والضغط على السلطات السورية في هذا الاتجاه، ووضع حل وطني إنساني المشكلة المهجرين لا يقل عن العودة الآمنة الكريمة، والحصول على وثائق السفر والتثبت من الشخصية.
إن أصحاب القضية السوريين داخل القطر وخارجه هم الأولى بالتحرك لشرح قضيتهم، والمطالبة بحقوقهم، أفرادًا ومنظمات وأحزابًا، وهي قضية حق وعدل، يشرف، ومن يعمل لخدمتها، ويلقى من يتحدث بها من يستجيب لها ولو طال الزمن.
أما أصحاب الذهنية الأمنية المتعايشون من عرقلة الإصلاح والتغيير، جهلًا أو خوفًا على مصالحهم الشخصية الضيقة، فلن يكتب لهم البقاء أمام حاجات القطر الملحة في الحياة الطبيعية، وأمام التحديات المعاصرة وتحرير الأراضي المقدسة.
الموافقة على تجديد جوازات السفر للمغتربين أضاء بصيصًا من الأمل سرعان ما اختفى بإلغاء القرار الذي كرس الحرمان لدى (٩٠) ألف سوري.
في أحد اجتماعات وزراء الداخلية العرب احتج الوزير السوري على بعض الدول لسكوتها على تزوير الجوازات السورية على أرضها، فأجابه الوزراء ولماذا تحرمون مواطنيكم من وثائق سفرهم؟