العنوان الرابحون والخاسرون.. ومستقبل الحصاد المُر
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008
مشاهدات 67
نشر في العدد 1795
نشر في الصفحة 28
السبت 29-مارس-2008
الرابح الأكبر من هذه الحرب هم الذين كسبوا من ورائها مليارات الدولارات.. والخاسر الأكبر هم العراقيون.
إعادة بناء العراق تحولت من مهمة بعيدة الاحتمال إلى مهمة مستحيلة!.
العراق تحول من بلد موحد إلى فراغ في السلطة يتم التستر عليه بما يشبه الدولة، أو حزمة من الكيانات قد تصير دولًا.
خمس سنوات مشحونة بالقتل والدمار والمآسي، بدأت بأكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقي لأهل الأرض، وتنتهي بحقيقة الدمار الشامل الأمريكي لأهل العراق.. وبين تلك الأكذوبة وهذه الحقيقة ارتفعت أكاذيب الأمن والحرية والرفاهية والديمقراطية، بل وأكذوبة جورج بوش الكبرى بأنه انتصر!!
مات من أهل العراق مئات الآلاف، ونزح وهاجر خمسة ملايين ومن بقي منهم بات مهددًا في بيئة تهشمت فيها البنية التحتية. وتهان فيها كرامة الإنسان. وفي هذا السياق أفردت الصحف البريطانية صفحات كثيرة لتغطية الذكرى الخامسة لاحتلال العراق.. في صحيفة الـ إندبندنت كتب روبرت فيسك، في صفحتها الأولى (تتصدرها صورة مركبة لاجتياح قوات الإسكندر المقدوني المدينة بابل ولدبابة أمريكية في العراق) إن ما
تعلمناه من دروس التاريخ هو أننا لم نتعلم الدرس!
وكان عنوان الافتتاحية بعد خمس سنوات من الاجتياح.. فشلنا ذريع وتام وتقول الصحيفة: إن ما يمكن أن يحسب في خانة الربح هو إزاحة صدام حسين، وفي خانة الخسارة تعدد الصحيفة (آلاف القتلى استفحال العمليات الانتحارية، فتور اتجاه الديمقراطية، فشل أمني، وانبعاث إيران لتملأ الفراغ الذي خلفه صدام)، وإن بريطانيا وأمريكا فقدنا من وزنهما على الساحة الدولية وصارتا دويلتين صغيرتين. وتطالب الصحيفة بإجراء تحقيق شامل في الظروف التي سبقت اتخاذ قرار اجتياح العراق(۱).
أما صحيفة الـ «إندبندنت أون صنداي» فترى أن الرابح الأكبر من هذه الحرب هم أولئك الذين كسبوا من ورائها مليارات الدولارات، وتقول: اليوم يوجد في العراق عدد من الجنود الأمريكيين أكبر مما كان في بداية الغزو وليست هناك مؤشرات على وجود مخرج واضح من هذا المأزق(۲)
الرابحون
أهم الرابحين حسب الصحيفة – من هذه الحرب هي إيران وتنظيم القاعدة، فلا يبدو أن أحدًا في واشنطن كان يعتقدأن إسقاط صدام سيؤدي إلى منح السلطة لأغلبية طائفية في العراق ستوجه وجهها نحو إيران واحتلال العراق منح إيران رهينة، لم تكن أبدأ تحلم بها، فالرئيس الأمريكي وجنوده موجودون الآن حيث تريد إيران.. والرابح هم رجال المال فهناك مقاولو الشركات الأمنية. وخبراء الأعمال، ومخططو مشاريع البناء. ومستشارو الحكومة وكثير من هؤلاء وضعوا حياتهم في خطر بينما ربحت مؤسساتهم مليارات الدولارات، ومن بين هؤلاء نائب – الرئيس الأمريكي ديك تشيني، الذي ضمن الآن معاش تقاعد مريحًا، بعد أن حققت مؤسسته هالیبرتون، أرباحًا طائلة من صفقات العراق.. والرابح هم الأكراد العراقيون الذين صار لهم وطن ذو حكم ذاتي.
الخاسرون
الخاسر الأكبر في مأساة الاحتلال هم العراقيون ويناقش المؤرخون الآن ما إذا – كان بوش هو أسوا رئيس في التاريخ الأمريكي وإن كان، ديك تشيني، ووزير. الدفاع السابق دونالد رامسفيلد هما من يجب أن يوجه إليه اللوم أكثر فإن بوش هو المسؤول عما لحق بمكانة الولايات المتحدة على مستوى العالم.. ومن الخاسرين أيضًا – رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. وإن كان المال الذي يجنيه الآن من بيع كلامه يجعله من الرابحين.. ويعتبر المحللون أن الفلسطينيين أيضًا من الخاسرين حيث إن أمريكا بحجة انشغالها في العراق لم تعبأ بممارسة أي – ضغوط على إسرائيل بشأن إرهابها أو تركها للمحادثات...
كما يعد الإعلام الأمريكي من الخاسرين بعد أن فقد مصداقيته واهتمامه بالحقائق نتيجة اندفاعه به هستيريا الحرب وراء أكاذيب وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات البريطانية.
الأوضاع الإنسانية
على صعيد متصل، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا تحت عنوان: «بين المجازر واليأس» في العراق، تناول أوضاع حقوق الإنسان في العراق بعد مرور خمس سنوات على الغزو الأمريكي ووصفها بـ الكارثة، وقال: إن العراق أصبح أخطر دول العالم. وإنه يتخبط في الفوضى وتسوده ظاهرة الإفلات من العقاب، ويعاني اقتصاده من وضع مزر، وتشهد أزمة اللاجئين فيه تفاقمًا مستمرًا، وإن حكم القانون والتعافي الاقتصادي أصبحا حلمين بعيدي المثال بالنسبة للأغلبية العظمى من العراقيين الذين يعانون من الفقر وشحالغذاء والماء والبطالة، وإن أربعة من كل عشرة عراقيين لا يتقاضون أكثر من دولار واحد في اليوم وهو معيار الأمم المتحدة القياس الفقر المدقع، بينما تقف قطاعات التعليم والرعاية الصحية في البلاد على حافة الانهيار (۳).
المهمة المستحيلة: وفي صحيفة الـ فايننشيال تايمز، ينقل مراسلوها وجهات نظر تصف يعون الوضع في العراق بأنه ورطة للدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي فقدت الكثير من سطوتها في العديد من المناطق، قد تكون أكثر أهمية من الشرق الأوسط مثل أمريكا اللاتينية وبعض جهات آسيا، وذلك من أجل التفرغ للعراق. لكنها لم تجن الثمار المرجوة من مهمتها العراقية (4)
وحسب ستروب تالبوت، أحد مساعدي وزيرة الخارجية في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون، فقد تحول العراق من بلد موحد يخضع للديكتاتورية إلى بلد على حافة الدولة الفاشلة، أو إلى فراغ في السلطة يتم التستر عليه بما يشبه الدولة، أو حزمة من الكيانات قد تصير دولًا.
وفي صنداي تايمز: يلخص أحد كتابها مستقبل العراق تحت عنوان «الإمبريالية المخففة تطيل أمد الرعب العراقي» فيقول: إن إعادة بناء العراق تحولت من مهمة بعيدة الاحتمال إلى مهمة مستحيلة(٥) .
الهوامش
1 – Robert Fisk: The only lesson we ever learn is that we never learn The Independent. Wednesday, 19 March 2008
2 – Iraq: Who won the war? The Independent. Sunday. 16 March 2008
3 – Iraq: Five years of carnage and de- spair.www.amnesty.org
4 – US pays a price in power. The Financial Times. March 19 2008
5 – The rise of imperialism lite is pro longing the Iraqi horror. The Sun- day Times2008. March 16.