; الرجل النخلة! | مجلة المجتمع

العنوان الرجل النخلة!

الكاتب رمضان علي

تاريخ النشر السبت 27-مارس-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1594

نشر في الصفحة 56

السبت 27-مارس-2004

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (إبراهيم: ٢٤)، والشجرة الطيبة هي النخلة كما روي عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنهما. وفي الحديث كما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفًا ولا شتاءً تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله: هي النخلة. فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. فقال: ما منعك أن تتكلم؟ قلت: لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا.

وقال: مثل المؤمن كالنخلة إن صاحبته نفعك وإن جالسته نفعك وإن شاورته نفعك كالنخلة كل شيء منها ينتفع به... وقال الضحاك: كل ساعة من ليل أو نهار شتاءً وصيفًا، يؤكل ثمرها في جميع الأوقات. وكذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها. وقال العلماء: شبه المسلم بالنخلة في كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة، ومن خشبها وورقها وأغصانها، فيستعمل جذوعًا وحطبًا وعصيًّا ومخاصر وحصرًا وحبالًا وأواني وغير ذلك، ثم آخر شيء منها نواها، وينتفع به علفًا للإبل، ثم جمال نباتها، وحسن هيئة ثمرها فهي منافع كلها، وخير وجمال، كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه، ويواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره والصدقة والصلة وسائر الطاعات، وغير ذلك...

شجرة الدعوة ثابتة سامقة مثمرة، ثابتة لا تزعزعها الأعاصير ولا تعصف بها رياح الباطل، ولا تقوى عليها معاول الطغيان وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان، سامقة متعالية تطل على الشر والظلم والطغيان من أعلى، وإن خيل إلى البعض أحيانًا أن الشر يزاحمها في الفضاء، مثمرة لا ينقطع ثمرها لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنًا بعد آن... والشجرة الثابتة ترسم جو الثبات أصلها مستقر في الأرض وفرعها سامق ذاهب في الفضاء على مد البصر قائم أمام العين يوحي بالقوة والثبات.

 المؤمن الذي يتصف بهذه الصفة:

 يثبته الله في الدنيا والآخرة بكلمة الإيمان المستقرة في الضمائر الثابتة في الفطر المثمرة بالعمل الصالح المتجدد الباقي في الحياة ويثبته بكلمات القرآن وكلمات الرسول وبوعده للحق بالنصر في الدنيا والفوز في الآخرة... وكلها كلمات ثابتة صادقة حقة لا تتخلف ولا تتفرق بها السبل ولا يمس أصحابها قلق ولا حيرة ولا اضطراب... والخير الأصيل لا يموت ولا يدوى مهما زاحمه الشر وأخذ عليه الطريق... والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به فقلما يوجد الشر الخالص. وعندما يستهلك ما يلابسه من الخير فلا يبقى فيه منه بقية فإنه يتهالك ويتهشم مهما تضخم واستطال...

وما أروع ما ذكره الإمام ابن القيم -رضي الله عنه- في معرض التشبيه بين النخلة والمؤمن في كتابه القيم مفتاح دار السعادة حيث قال: 

ثبات أصلها في الأرض واستقراره فيها وليست بمنزلة الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

 الثاني: طيب ثمرتها وحلاوتها وعموم المنفعة بها، كذلك المؤمن طيب الكلام طيب العمل فيه المنفعة لنفسه ولغيره.

 الثالث: دوام لباسها وزينتها فلا يسقط عنها صيفًا ولا شتاءً، كذلك المؤمن لا يزول عنه لباس التقوى وزينتها حتى يوافي ربه تعالى.

 الرابع: سهولة تناول ثمرتها وتيسره، أما قصيرها فلا يحوج المتناول أن يرقاها، وأما باسقها فصعوده سهل بالنسبة إلى صعود الشجر الطوال وغيرها فتراها كأنها قد هيئت منها المراقي والدرج إلى أعلاها، وكذلك المؤمن خيره سهل قريب لمن رام تناوله لا بالغر ولا باللئيم.

 الخامس: أن ثمرتها من أنفع ثمار العالم فإنه يؤكل رطبه فاكهة وحلاوة، ويابسه يكون قوتًا وأدمًا وفاكهة ويتخذ منه الخل والناطف والحلوى ويدخل في الأدوية والأشربة وعموم المنفعة به.

 السادس: من وجوه التشبيه أن النخلة أصبر الشجر على الرياح والجهد وغيرها من الدوح العظام تميلها الريح تارة وتقلعها تارة وتقصف أفنانها ولا صبر لكثير منها على العطش كصبر النخلة، فكذلك المؤمن صبور على البلاء لا تزعزعه الرياح.

 السابع: أن النخلة كلها منفعة لا يسقط منها شيء بغير منفعة فثمرها منفعة وجذعها فيه من المنافع ما لا يجهل للأبنية والسقوف وغير ذلك، وسعفها تسقف به البيوت مكان القصب ويستر به الفرج والخلل، وخوصها يتخذ منه المكاتل والزنابيل وأنواع الآنية والحصر وغيرها، وليفها وكربها فيه من المنافع ما هو معلوم عند الناس. وقد طابق بعض الناس هذه المنافع وصفات المسلم وجعل لكل منفعة منها صفة في المسلم تقابلها، فلما جاء إلى الشوك الذي في النخلة جعل بإزائه من المسلم صفة الحدة على أعداء الله وأهل الفجور فيكون عليهم في الشدة والغلظة بمنزلة الشوك، وللمؤمنين والمتقين بمنزلة الرطب حلاوة ولينا: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾  (الفتح: ٢٩).

 الثامن: أنها كلما طال عمرها ازداد خيرها وجاد ثمرها وكذلك المؤمن إذا طال عمره ازداد خيره وحسن عمله.

 التاسع: أن قلبها من أطيب القلوب وأحلاه وهذا أمر خصت به دون سائر الشجر وكذلك قلب المؤمن من أطيب القلوب.

 العاشر: أنها لا يتعطل نفعها بالكلية أبدًا، بل إن تعطلت منها منفعة ففيها منافع أخرى حتى لو عطلت ثمارها سنة لكان للناس في سعفها وخوصها وليفها وكربها منافع. وهكذا المؤمن لا يخلو عن شيء من خصال الخير قط. إن قل أو جف منه جانب من الخير أخصب منه جانب فلا يزال خيره مأمولًا وشره مأمونًا. في الترمذي مرفوعًا إلى النبي الله: خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره...

سيد الخلق وخلقه العظيم

كان من صفات النبي ﷺ وأخلاقه السعي في نفع الخلق والسؤال: بماذا استدلت خديجة رضي الله عنها أن ما حصل في غار حراء لا يمكن أن يكون شرًا؟ لماذا استدلت؟ بخلق النبي -عليه الصلاة والسلام- قالت: أبشر. فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف. كان النبي إذا سئل عن حاجة لم يرد سائلًا عن حاجته قال جابر: ما سئل رسول الله شيئًا قط فقال: لا.

الصديق على نفس الدرب

وقد شابه الصديق نبيه ﷺ في صفاته حتى وصفه بذلك رجل من المشركين شهد له بأخلاق مثل أخلاق صاحبه لما خرج أبو بكر مهاجرًا قبل الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة سيد القارة «حي من المشركين» قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال أبو بكر: أخرجني قومي من هذا البلد، فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يُخرج. قال: فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق.

قال ابن القيم رحمه الله -في وصف شيخ الإسلام ابن تيمية- كان شيخ الإسلام يسعى سعيًا جادًا لقضاء حوائج الناس. كان علي بن الحسين رحمه الله يحمل خبزًا إلى بيوت المساكين في الظلام، فلما مات فقدوا ذلك، كان ناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين معاشهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كان يأتيهم بالليل.

مدرسة البنا: ولقد قدمت مدرسة حسن البنا نماذج من هذا الطراز في كل حي، وفي كل قرية، وفي كل مدينة، وفي كل بلد، وفي دول كثيرة على مستوى العالم، وهذه الشجرة المباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

الرابط المختصر :