; الرجوع إلى الحق من أخلاق الكبار | مجلة المجتمع

العنوان الرجوع إلى الحق من أخلاق الكبار

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2013

مشاهدات 71

نشر في العدد 2039

نشر في الصفحة 39

السبت 09-فبراير-2013

من الحقائق التي يجب أن يعيها الإنسان أن الخطأ في حياة الناس أمر لازم الحدوث لأنه من طبيعة النفس البشرية، ولا يستطيع إنسان أن يدعي العصمة مهما كان شأنه. فيقول: أنا لا أخطئ إلا الأنبياء والمرسلون الذين يعصمهم الله تعالى، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، والخطأ الحقيقي هو عدم الاعتراف بذلك، أو الجدل فيه بالباطل.

ويستلزم لذلك أن يراقب الإنسان نفسه ويرجع عن خطئه عندما يتبين له الصواب. ولأن الرجوع إلى الحق يعنى الاعتراف بالخطأ. وهذا قلما يقبله إنسان في العادة أو يعترف به، ولأن الرجوع إلى الحق قد يجعل الآخرين ينظرون إلى العائد في قراره على أنه ضعيف وغير قادر على المركز الذي يشغله، وقد يسهم في إطلاق سهام النقد مثل الاتهام بالضعف والتردد وعدم الكفاءة، وهذا لا يتحمله إلا الكبار في الهمم، والعظام في النفوس الذين يعلون على الضعف أمام النقد الباطل والوهن الشخصي ليراعوا الصالح العام، في إظهار العدالة وسيادة الحق.

والكبار لهم محطات في حياتهم يراجعون فيها أنفسهم ويصححون فيها مسارهم حتى لا يسترسلوا في خطأ وقعوا فيه أو هوى انساقوا إليه، فإذا كان هناك ثمة خطأ أو هوى عالجوه قبل أن يستفحل، فهم ليسوا كالصنف من الناس الذين يحددون لأنفسهم قناعات لا يحيدون عنها، أو قرارات لا تقبل المراجعة والتصحيح، فحيننذ لن يسلموا في قراراتهم من هوى مطع، أو خطأ مهلك، ورحم الله الشافعي حين قال: قولي صحيح يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.

كما يجب أن نعلم بأن الإنسان بشر. والبشر قد يجتهد ومهما كان اجتهاده للوصول إلى القرار الصحيح، فإن احتمالات الخطأ واردة، ولابد من تداركها، ولن يكون هذا إلا بالاعتراف بالخطأ ابتداء، وصغار النفوس لا يفضلون استشارة من حولهم أو الاستئناس برأيهم حول قضية من القضايا، خشية أن يظهر ذلك عدم كفاءتهم أو عجزهم عن اتخاذ القرارات أو لتكبر جبلت عليه نفوسهم.

أما الكبار فيحرصون على الشورى ويلتمسون فيها الخير والبركة، ولا مانع عندهم من العودة في آرائهم متى رأوا الصواب في غيرها.

وقد يتصرف الواحد منا في غضبه تصرفات فيها الكثير من الأخطاء، ولعله يندم عليها بعد هدوئه وزوال أسباب الغضب والكبار لا يضيرهم أبداً أن يعملوا على إصلاح ما أفسدوه في لحظات الغضب، ولا يكابرون في ذلك، بل ويسارعون إلى الاعتذار إذا كان الأمر يستوجب الاعتذار، ويصلحون من شأن ما أتلفوه إذا كان الأمر يستدعي الإصلاح وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم  ذلك الرجل الذي غضبه بطيء متأخر، وفي الوقت نفسه سريع العودة إلى الجادة والصواب متى أفاق من غضبه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ..... ثم ذكر الأخلاق فَقَالَ: يَكُونُ الرَّجُلُ سَرِيع الغضب قريب الفيئة فهذه بهذه، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة فهذه بهذه. فخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئة، وشرهم سريع الغضب بطيء الفيئة، قال: وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم تتوقد، ألم تروا إلى حمرة عَيْنَيْه وانتفاخ أوداجه فإذا وجد أحدكم ذلك فليجلس أو قال فليلصق بالأرض ...

لا يختلف اثنان على أن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم  هم خير الناس وأتقاهم خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث ثم يجيء قوم لا خير فيهم، ومع ذلك فإنهم لم يكونوا معصومين ولم يدعوا العصمة لأنفسهم، بل إنهم إذا أخطؤوا سارعوا بالعودة والإنابة.

وهكذا الكبار دائما فإنهم لا يصرون على خطأ وقعوا فيه أبدا، بل يسارعون إلى الاعتراف به وتصحيح الوضع القائم﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥ ) ﴾ (آل عمران).

والكبار إذا أصابهم ما يصيب البشر من الخطأ والنسيان عادوا مسرعين؛﴿ إن الذين اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفَ مَنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ (٢٠١) ﴾ (الأعراف).

وفي كتاب عمر لأبي موسى الأشعري في استقلال القضاء ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فالحق أولى بأن يتبع؛ لأن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق

خير من التمادي في الباطل.

والله سبحانه وتعالى يعلم عباده مراجعة أنفسهم، وتصحيح مسارهم فيمهلهم عندما يخطئوا ولا يعجل لهم بالعقوبة، وهي إشارة إلى ضرورة أن يراجع الإنسان نفسه أولا بأول ولا يطيل على نفسه الأمد فيقسو قلبه ويألف المعصية إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشَّمْسُ من مغربها ...

وما الإمهال إلا نوع من إعطاء الفرصة المراجعة النفس، وتصحيح المسار، وتعديل الخطأ الواقع، بل إن الله تعالى يجعل مجرد الاعتراف بالذنب والتوبة عنه كفيلان بقبول توبة التائب، وهذا هو الرجوع إلى الحق بعينه جاء في الحديث: فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه ...

والكبار يحاسبون أنفسهم على أقوالهم وأفعالهم، فإذا كانت خيرا حمدوا الله، وإن كانت غير ذلك عدلوا من أنفسهم وقوموها ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ...

والعودة إلى الله تعالى أحق من أي شيء فإذا قصر العبد في حق ربه فعليه بالمسارعة بالتوبة والعودة من جديد، والكبار هم الذين يحدثون لكل ذنب توبة، ويجعلون دبر كل عمل استغفار، فهم يستقبلون رسائل الله لهم ويفهمونها فيسارعون بالاستجابة لندائه.

ورحم الله أولئك الأفذاذ الذين كانوا أسرع الناس في الرجوع إلى الحق عند تبينه ..

الرابط المختصر :