; الرحمة- جوائز رمضان | مجلة المجتمع

العنوان الرحمة- جوائز رمضان

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005

مشاهدات 71

نشر في العدد 1672

نشر في الصفحة 46

السبت 08-أكتوبر-2005

الله تعالى يحط الخطايا ويستجيب للدعاء.. وينظر إلى عباده نظرة رحمة في أول ليلة منه.

■ الرحمات تتدفق وتسيل كرما وفضلا من الله عز وجل في هذا الشهر الكريم.

أقبل الشهر الكريم، شهر رمضان المعظم، فكل عام وأنتم بخير وأهلا ومرحبا به من ضيف كريم مكرم فبظهور هلاله ها هي بشائر الخير قد أقبلت وهلت، ونفحات الرحمة قد أتت وحلت، وها هي نسائم هداه رفرفت وأطلت.. ومع مقدم هذا الضيف العزيز تنهمر علينا الجوائز والأعطيات تترى وتفيض المنح والحوافز غيثا ومطرا فالجوائز والأعطيات لمن قام بالواجبات واستعلى على الهوى والشهوات، إنها لمن هل عليه هلال رمضان فعمل بصدق وإخلاص، أما المنح فهي لمن أعطى ومنح، الله تعالى يحط الخطايا ويستجيب للدعاء.. وينظر إلى عباده نظرة رحمة في أول ليلة منه.

إنها الجوائز الربانية المصاحبة لشهر الصيام، وفيض الرحمات الإلهية التي لا يمسكها أحد إلا الله.. ﴿ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا (فاطر:2)

إنه شهر عظيم أولى جوائزه الرحمة كما أخبر بذلك سيد الخلق ﷺ فقال: «وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وأخره عتق من النار»(البيهقي).. نعم إنه شهر الرحمة.. ولم لا يكون رحمة ونحن نحقق بصيامنا العبودية لله وقد وفقنا فيه لصالح العمل، وغيرنا قد حرم هذا الشرف العظيم. فهو يلهو ويلعب ويعرض عن ذكره؟ ثم لا يكون رحمة علينا وقد أمد الله في أعمارنا فبلغناه دون كثير من الناس؟ لم لا يكون رحمة وقد فتحت فيه أبواب الجنان لتنعم بنفحات رمضان الطيبات، كما جاء في الحديث: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين، ونادي مناد: يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر» (الترمذي). لم لا يكون رحمة وفيه ليلة خير من ألف شهر تنزل فيها كلام الله وختمت فيه الرسالات ببعثة الرسول ﷺ؟ إن الرحمات لتدفق وتسيل كرمًا وفضلًا من الله عز وجل في هذا الشهر الكريم الذي اصطفاه وفضله على سائر الشهور وجعله سيدا عليها.

الرحمة في رمضان

بشرنا رسول الله ﷺ صلى بنزول رحمة الله فيه فقال: «أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، وينظر إلى تنافسكم في الخير، ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل» (البيهقي). 

في هذا الشهر المبارك تخترق الرحمة شغاف القلوب فتغيرها وتصلحها، وتسري بين ثنايا النفوس فتنقيها وتهذبها، وتطل على الأعمال فتصفيها وتخلصها، فتلين الجلود والقلوب إلى ذكر الله من بعد قسوة طالت أو قصرت، وتبكي العيون من خشيته بعد قحط وجفاف قل أو كثر، ندمًا على ما فات، وطلبًا للرضا والمحبة، وشوقًا إليه سبحانه، إنها رحمة الله التي يطلبها الجميع في شهر الصيام، ومن أجل الحصول عليها نصوم ونتطهر من الذنوب والآثام، فيعود العبد الآبق إلى مولاه، ويرجع من شد ونأى إلى حماه فتكون الكرامة الربانية مغفرة من الرحمن وعتقًا من النيران. لذا فقد استحثنا رسولنا ﷺ على طلب المزيد من هذه الرحمة الخاصة بشهر رمضان وانتهاز الفرصة واغتنامها، وحذرنا أن نكون من المحرومين الأشقياء حين قال: «فاروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل». إنها الرحمة التي لا يعلم منتهاها إلا الله الرحمن الرحيم. 

من رحمة الله بعباده في شهر رمضان أنه تعالى يحط خطاياهم، ويستجيب دعاءهم.. وينظر إليهم نظرة رحمة في أول ليلة منه.. كما أنه تعالى يجعل ملائكته تستغفر لهم كل يوم وليلة، ويأمر جنته بالتزين للصائمين، وله عز وجل عتقاء من النار وذلك كل ليلة، وقد جعل ثواب الصائم وأجره لا حد له وهو سبحانه الذي يجزي به، فأي بشارة وعقبى لهؤلاء، وأي حرمان وخسران لمن قصر، وأي شقاء وعناء لمن نأى وأعرض؟! كذلك من رحمة الله تعالى بالصائمين -وهو أعلم بحاجتهم للطعام والشراب- أن فرض الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ونهى عن الوصال، وشرع السحور لنا وجعله عبادة، ولم يفرض الصوم على الصغير حتى يبلغ، وأباح للمريض الإفطار ثم القضاء بعد برئه، وكذا للحائض والنفساء والحامل والمرضع والكبير على تفصيل يرجع فيه لأهل الفقه والعلماء.

الرحمة.. معناها ومظاهرها

ذكرت كلمة الرحمة ومشتقاتها في القرآن الكريم، كما ذكرت في أحاديث كثيرة من أقوال الرسول ﷺ. والرحمة خلق عظيم من أخلاق الإسلام كتبها الله على نفسه فهو سبحانه الرحمن الرحيم الذي قال: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام:12). وقد جعلها من صفات الأنبياء والمرسلين، ووصف عباده المؤمنين بها فقال عنهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح:29) والرحمة هي الشفقة واللين والرأفة، وهي مطلوبة من الإنسان تجاه أخيه الإنسان. وتجاه الحيوان وكل ذي كبد رطبة، تلك الرحمة التي تشمل الكون كله، كما قال ﷺ: «لن تؤمنوا حتى تراحموا». قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: «إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة». إنها رحمة بين المسلم وأخيه المسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه). وبين الوالد وولده. من لا يرحم لا يرحم (متفق عليه). وبين الزوج وزوجه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم:21). بل لقد امتدت إلى الطير والحيوان فها هو رسول الله ﷺ يقول: من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة (الطبراني). وهي رحمة بين الإنسان وأخيه الإنسان فهي التي جعلت عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو أمير المؤمنين يرق لرجل مسن من أهل الذمة فيسقط عنه الجزية ويصرف له نفقة شهرية من بيت المال رحمة بشيخوخته وسنه، وجعلت صلاح الدين القائد الفاتح يرق لامرأة غير مسلمة سرق طفلها فلم يهدأ حتى رده إليها، إنها رحمة عامة يحث الإسلام أبناءه عليها لأن دينهم هو دين الرحمة، ونبيهم هو نبي الرحمة ورسالتهم نشر تلك الرحمة لتلين النفوس وتشرق بنور الله تعالى. 

وإذا كان رمضان شهر الرحمة، فإن التخلق بخلق الرحمة واجب وهو دأب المسلم. في كل وقت وحين، لكن طلبه في رمضان أكد وأشد. ويتحقق ذلك بالصيام وآدابه، الصيام الصادق الحقيقي الذي يثمر التقوى ويوجب الرحمة والمغفرة والعتق من النار، الصيام الذي يفجر الرحمة في قلوب الصائمين فيحس الصائم بغيره من الجائعين، ويرق عليهم ويحنو يسد جوعهم، ويكسو عاريهم ويؤثرهم على نفسه، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم حين ارتقى فهمهم لمعنى الصيام فتراحموا فيما بينهم وجادوا بما عندهم بحب وإيثار.. قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان:8). فطهرت نفوسهم ولانت واستحقت رحمة الله عز وجل: فهذا ابن عمر رضي الله عنهما بلغ من رحمته بالمساكين أنه كان لا يفطر إلا معهم. وجاء رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وكان صائمًا فدفع إليه رغيفين كان قد أعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائمًا.. إن هذه رحمة يحبها الله لكن الرحمة ليست قاصرة على إطعام الطعام أو إظهار الرقة للمساكين والمحتاجين، بل قد تبلغ الرحمة مبلغًا عظيمًا منك حين تأخذ بيد العاصي إلى طريق الله برفق ولين وحكمة رحمة به، لتنقذه من عذاب الله، لا أن تتركه وذنبه فيتمادى فيه ولا أن تفضحه على الملأ فيجهر بمعصيته بعد استتار .

كيف تطلب رحمة الله عز وجل؟

بالإيمان بالله والاعتصام به.. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء:175).

بتقوى الله والإيمان برسوله.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحديد:28)باتباع القرآن الكريم، قال تعالي: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام:155).

- بطاعة الله ورسوله، وبكل عمل صالح قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71). بالإحسان.. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف:56)

- بالاستغفار.. قال تعالى: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النمل:46). 

بالاستماع والإنصات للقرآن الكريم عند تلاوته.. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف:204).

-  بالدعاء. قال تعالي: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران:8)

ببلوغ شهر رمضان والصيام.. قال ﷺ:«أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة..» (البيهقي).

بقيام الليل.. قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلا قام من الليل، فصلي، وأيقظ امرأته

فصلت ...».

- بتلاوة القرآن ومدارسته والاجتماع على ذلك.. قال رسول الله ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (مسلم).

- بالتراحم بين الزوجين.. قال رسول الله ﷺ «إن الرجل إذا نظر إلى امرأته، ونظرت إليه نظر الله تعالى إليهما نظرة رحمة، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما» (رواه ميسرة بن علي).

- برحمة الناس وكل ذي روح.. قال رسول الله ﷺ: «ارحموا ترحموا..» (أحمد).

الرابط المختصر :