العنوان الرد الفقهي الحصيف على فكر "داعش" الضعيف
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-2015
مشاهدات 54
نشر في العدد 2087
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 01-سبتمبر-2015
ـ داعش مؤامرة ضد الإسلام تخدم أهدافاً استعمارية في المنطقة
ـ النصوص الشرعية من كتاب أو سنة لا تقدم أي دليل يؤيد ذبح البشر وتفجير المساكن الآمنة والأماكن العامة
ـ القتل بوحشية سياسة الجبابرة الطغاة في كل زمان
ـ الفقه الإسلامي حرم على المسلمين قتل كل من لا يحاربهم
ـ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المجاهدين عن قتل الشيوخ والأطفال والنساء
ـ الخلافة عند المسلمين ليست لهثًا وراء المطامع وإنما حرص على صلاح الأرض لسكانها بحيث لا ينتشر الفساد فيها
ـ بعض المتهكمين صوروا الخلافة على أنها فرض للصلاة بالعصا ومنع للمرأة من العمل ونشر للدين الإسلامي بقوة السيف
ـ دولة داعش ساهمت في غرق العراق وأخرت انتصار ثورة الأحرار بالشام ومكنت الرافضة الأشرار
يرتكز "داعش" على عدد من الآراء الفقهية الضعيفة والسخيفة يعمل من خلالها على استقطاب مقاتلين جدد خاصة من الشباب بالدول العربية والغربية ممن لهم فقه ضئيل بالإسلام، ومن أهم هذه الأفكار إعلان دولة الخلافة، وإعلان الجهاد، وما ترتب عن ذلك من قتل الصحفيين وترويع المدنيين الآمنين وغيره.. ويرد عدد من علماء المغرب ومشايخهم في هذا التقرير على كل هذه الأفكار بالحجة الدامغة والتحليل العميق.
مؤامرة ضد الإسلام
يقول الشيخ السلفي محمد الفيزازي، في تصريح لـ "المجتمع": إن بضاعة "داعش" العلمية بضاعة مزجاة أصلاً، "وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل" (المتنبي)، ويتساءل مع المتسائلين والمشككين: كيف استطاع هذا التنظيم أن يبقى ويتمدد بالرغم من إعلان 38 دولة بقيادة الولايات المتحدة على محاربته، إن لم يكن مدعوماً بقوى خارجية تخدم أهدافاً استعمارية في المنطقة.
ويضيف الفيزازي حول الرد الفقهي حول مزاعم "داعش": فلا يستدل بنصوص شرعية من كتاب أو سُنة على ذبح البشر، وتفجير المساكن الآمنة والأماكن العامة، والقيام بمفاسد لا أول لها ولا آخر، ولا يبحث عن أدلة فقهية لتجريمها وتحريمها، ويؤكد الفيزازي أن هؤلاء يزعمون أنهم على ملة الإسلام، ونبي الإسلام هو حبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو نبي الرحمة الذي جاء في القرآن الكريم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، ومعروف أن الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر، بمعنى أنه لم يرسل رحمة للمسلمين فقط ولكن رحمة للعالمين، كما أن الإسلام قائم على عدم مؤاخذة أحد بذنب آخر؛ (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الإسراء:15)، فأين نبدأ مع هؤلاء الذين لا علاقة لهم لا بشرع ولا دين ولا قيم ولا بتاريخ الإسلام، ولا بسُنة نبي الإسلام، التنظيم يضم مجموعة من الجهلة الذين يطبعهم الحماس ويبحثون عن المجد بمزيد من الخراب، ومن هنا نفهم أن هناك مؤامرة حقيقية ضد الإسلام الذي هو منهم براء، ومن سفك الدماء، وهؤلاء وبالتالي نتساءل: أين الدعوة إلى الدين بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وأين التعامل مع المخالف بالتي هي أحسن؟ وأين العذر بالجهل وعن التقصي والحذر قبل القصاص؟
أحفاد الخوارج
ويعتقد الشيخ حماد القباج، الداعية السلفي المعروف، في تصريح لمجملة "المجتمع"؛ أن من أشنع التصرفات التي تصدر من مقاتلي "داعش" قتل الصحفيين والقائمين على الأعمال الإنسانية الإغاثة، وغيرهم من الذين لا يقاتلون، وهذا غير مستغرب من أحفاد الخوارج القدامى الذين تجرؤوا على قتل الصحابة رضي الله عنهم، فقد جاء في كتاب الطبري "أخبار الرسل والملوك" ما معناه أن الخوارج دخلوا قريةً، فالتقوا عبدالله بن خباب، فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها، فسلوك القتل بهذه الوحشية وعدم التمييز من صميم فكر هؤلاء.
ويضيف الشيخ القباج أن ذلك من سياسة الجبابرة الطغاة في كل زمان، كما تفعل اليوم الولايات المتحدة الأمريكية في حروبها، ولا تزال مشاهد التدمير والتخريب الذي فعلته في العراق وأفغانستان حاضرة في الأذهان.
أما الفقه الإسلامي، فقد حرم على المسلمين قتل كل من لا يحاربهم، والأصل في ذلك مجموعة من النصوص، منها قول الله تعالى في أول ما أنزل في تشريع جهاد القتال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (ولا تعتدوا) يقول: لا تقتلوا النساء والصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى السلم وكف يده، فإن فعلتم فقد اعتديتم، وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن يحيى بن يحيى الغساني قال: كتبتُ إلى عمر بن عبدالعزيز أسأله عن هذه الآية: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، فكتب: إن ذلك في النساء والذرية، ومن لم ينصب لك الحرب، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: "انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا"، والإمام القرطبي، كما يشدد الداعية القباج، قال: والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والشيوخ والأجراء فلا يقتلون، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية، أخرجه مالك وغيره. (تفسير القرطبي 2/ 348).
وقال في تعداد من يحرم قتلهم:
1- الرهبان:
لا يقتلون ولا يسترقون، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد: وستجد أقواماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له.
2- الشيوخ:
قال مالك في كتاب محمد: لا يقتلون، والذي عليه جمهور الفقهاء: إن كان شيخاً كبيراً هرماً لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يُقتل، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول الجماعة، والثاني: يُقتل هو والراهب.
والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد، ولا مخالف له فثبت أنه إجماع، وأيضاً فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة.
3- العسفاء:
وهم الأجراء والفلاحون، فقال مالك في كتاب محمد: لا يُقتلون، وقال الشافعي: يُقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية.
والأول أصح، لقوله عليه السلام في حديث رباح بن الربيع: "اِلْحق بخالد بن الوليد، فلا يقتلن ذرية ولا عسيفاً".
وقال عمر بن الخطاب: اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذي لا ينصبون لكم الحرب، وكان عمر بن عبدالعزيز لا يقتل حراثاً. (ذكره ابن المنذر).
فثبت بهذا التقرير الفقهي المخرج على الآية الكريمة، أن قتل من لا يقاتل حكمه التحريم في الفقه الإسلامي، ويضيف القباج أن مما يجدر توضيحه أن هذا الحكم يتأكد كلما كان الإنسان غير المسلم بعيداً عن الحرب وأهدافها وقريباً من الخير وأفعاله، ومن أولى الناس بهذا الحكم الصحفيون الذين يوثقون الأحداث كما هي وينقلونها للناس كي يظهر أهل الخير وأهل الشر، وأولى منهم بالحكم أصحاب الأعمال الإغاثية الذين يطعمون الجوعى ويداوون المرضى ويأوون المشردين.
دولة الخلافة
وبخصوص إعلان الخلافة، يقول د. عادل رفوش، المدير العلمي لمؤسسة ابن تاشفين للدراسات المعاصرة والأبحاث التراثية والإبداع الفكري: ليست فكرة عابرة ولا أضغاث أحلام أن يهتم المسلمون بشأن الخلافة، ولم يكن همَّ الصالحين في تعاليم القرآن سجادة ومحراباً فقط، بل كانوا عن الله مستخلفين وعن عمارة أرضه مسؤولين، وهذا هو تشريف التكليف؛ بحيث تُفهم العبادة لا على أنها تحكم إلهي للاسترقاق، بل هي تشريف رباني وتكريم سماوي وتكليف يشعر المكلف مِن اسمه هذا بأهميته عند الله تعالى، وأهمية ما كلفه به أمانةً ليقوم عليه فيحسن تأديته، ويشير إلى أن الاهتمام بموضوع الخلافة عند المسلمين ليس لهثاً وراء المطامع، وإنما هو الحرص على صلاح الأرض لسكانها بحث لا ينتشر الفساد فيها، ولذا كانت الخلافة عنواناً مؤسساً ولافتة بارزة لتنبيه الدارسين على وسيلة من وسائل إصلاح الدنيا؛ وهي اجتماع الكلمة وتوحيد الرؤى على ما يحقق هدف الإصلاح، والذي لن يكون مع الخلاف والاختلاف والنزاع والتنازع، بل لا بد من توحيد الجماعة على قصد الإصلاح، ولا جماعة إلا بحكم ولا حكم إلا بحاكم فاصل قائد مرشد.
وأشار د. رفوش إلى أن أمر الخلافة ليس كما صورها بعض المتهكمين بما قالوه: طبعاً ستُلغى البنوك غير الإسلامية، وسوف تُشفَّر كل الفضائيات ما عدا الإسلامية، وستُفرض الصلاة فرضاً على الجميع من الأطفال حتى العجزة الشيوخ بالعصا، وما يتبعها من النوم المبكر من أجل الإجبار على صلاة الفجر، أما المرأة ستُمنع من العمل لأنها عورة، وعليها أن تلتف بالسواد، ووظيفتها تقديم المتعة للرجل وتربية الأولاد, وسوف ينتشر مبدأ الزواج المتعدد بشرط المحافظة على العدد أربعة! أما السياسة الخارجية؛ أي علاقة الخلافة بمن حولها ستحكمها قوانين دار الإسلام ودار الكفر، وستسعى هذه الخلافة إلى التمدد ونشر الدين الإسلامي بناء على آية السيف التي نسخت كل آيات الرحمة، وسوف تفرض الجزية على أهل الكتاب، وسيكون هدف السياسة الخارجية "أسلمة" العالم بالقوة، كما سترصد الخلافة جوائز مالية كبيرة لملاحقة وقتل الكتَّاب الإسلاميين المصلحين، وعلى أمير المؤمنين إصدار الحكم والفتوى عليهم بالقتل وما على المجاهدين سوى التنفيذ.
فهذا النظر المشوه لحقيقة الخلافة الإسلامية، حسب د. رفوش، والذي ساهمت في بلورته في عقول هؤلاء الضعفاء تصرفاتُ التنظيمات المشبوهة كـ "داعش" و"داحش" وما حولهما حتى صار مادة للتندر والتمرد، وصار مادة للكوميديا التلفزيونية والسيناريوهات السينمائية بامتياز.
الخرافة الداعشية
ولخص د. رفوش فساد إعلان خرافة الخلافة الداعشية المشبوهة من حيث النظر الفقهي في ستة أوجه:
الوجه الأول: أن الخلافة الحق جامعة، وهذا الباطل مفرقة، ذلك أن مقصد الشريعة من تنصيب خليفة بأوصافه المعتبرة عدالة وحكمة وقوة هو تحقيق اجتماع الناس على ما ينفعهم، أما مسمى "الدولة الإسلامية" التي جهل العلمانيون مقاصدها فسموها "دولة الله" ليتلاعبوا بالعناوين؛ فيسهل عليهم التملص من قطعيات الشريعة، فلا ينظر الشارع إلا إلى مضمونها هل يحقق العدل والإحسان الذي جعله الله أمانةً يتحملها بنو الإنسان أم لا، قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: "وإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفية للمعاني الشرعية، فتقع في أخطاء في الفقه"، والذي جاءتنا به "الداعشية" المظلمة الظالمة - رغم كثرة ضحاياها من الشباب الصادقين وخبايا المكر العالمي فيها - هو مزيد تفرقة وإمعان في تمزيق الأمة ليزيد الكَلَبُ والتكالب، فلم تحقق للخلافة لفظاً، وطلب لبن العصفور أمكن من تحقيقها الخلافة مضموناً وروحاً ومعنىً.
والوجه الثاني: أن الخلافة تمكين للدين، وهذه ترهيب منه، قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) (النور)، قال ابن العربي المالكي في الأحكام (3/409): وقال علماؤنا: هذه الآية وعد حق وقول صدق، يدل ذلك على صحة إمامة الخلفاء الأربعة; لأنه لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فأولئك مقطوع بإمامتهم، متفق عليهم، وسيرة الخلافة الراشدة التي جعلها رسول الله سنة للمقتدين قامت على الدعوة والتبليغ ليدخل الناس في دين الله أفواجاً لا ليخرجوا منه تقتيلاً واعوجاجاً.
والوجه الثالث: أن الخلافة حسن تدبير وهذه فساد وتدمير، وقد بين الله سبحانه ذلك في آية الحج، قال القاسمي رحمه الله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً) (الحج)؛ أي لولا كفه تعالى المشركين بالمسلمين، وإذنه بمجاهدة المسلمين للكافرين، لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها.
والوجه الرابع: أن الخلافة هي على منهاج النبوة، وهذه لا تختلف عن حكم الطواغيت واشتباه علاقاتهم بأعداء الأمة، فنحن لا نرى فرقاً - مع اعتبار شدة التباس الأمر ووقوع الضحايا واستدراج الأبرياء لهذه الساحات العمياء بحيث لا نعمم في المؤاخذة ولا نتناسى أياً من الدواعش وعلى رأسها أمريكا وإيران - بطش الطاغية "الأسد" وإجرام العسكر "السيسي" وفتنة الحوثيين، وبين ما تفعله "الداعشية "المظلمة، فكلهم منكَر على الأمة واغتصاب لخيراتها وأخيارها.
فهذه الأجواء المشحونة بأشباه الطواغيت وبالتطرف والغلو والتكفير والتفجير وتخوين بعض لبعض حتى اسودت الحال وتعاظمت الضغائن، وصاروا يعملون لمصلحة العدو؛ فساهموا في غرق العراق وسطوة المالكي المجرم، كما أخروا انتصار ثورة الأحرار بالشام ومكنوا للرافضة الأشرار، وهكذا رفع أعلام الخلافة الراشدة أم أنه تنكيس لأعلام الأمة وتمريغ لماضيها وحاضرها في التراب لم يستفد منه إلا الطغاة وأعوان الظلمة من علماء السوء وإعلام بني علمان، فألحقوا المظلوم بالظالم والعالم بالجاهل والبريء بالمتهم وعقلاء الأمة العلماء العاملين من سلفيين وإخوان مسلمين وغيرهم من الحركات الإسلامية من الصالحين الوسطيين المصلحين بالسفهاء التكفيريين المخربين.
الوجه الخامس: أن الخلافة رضا ومشورة، وهذه فلتة أمر دبّر بليل لا يُدرى ما وراء أكمتها والله بما يعملون محيط.
وإذا تأملنا في الظروف والملابسات التي قارنت هذا الإعلان الغاشم وجدناها غير متوافرة على أدنى درجات الإشهار المعتبر، والرضا والمشورة التي تجمع خيار الأمة وتوحد اتفاقها على ما يصلحها، بل إنها حققت الضد تماماً حتى عند من يسمون بعلماء الجهاد الذين ينتمون لفكرهم الضال، فضلاً عن علماء العلم والدعوة والاعتدال، وعلى رأسهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بيان الخامس من رمضان 3/7/2014م ممثلاً في الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، ومن معه من إخوانه العلماء شرقاً وغرباً كالشيخ مفتي المملكة العلامة عبدالعزيز آل الشيخ، ود. أحمد الريسوني، والشيخ محمد الحسن ولد الددو، حفظ الله الجميع، فخلافة تخلو من مباركة كبار خيار الأمة بمختلف شرائحهم ومذاهبهم وبلادهم بل وتحظى هذه الخلافة الخرافة بخلافهم وانتقادهم وامتعاضهم وإنكارهم، أنى لها أن تحقق للأمة أهدافها أو تسمو بها إلى عليائها!
أما الوجه السادس: أن الخلافة رأس ونخبة وأمة ومشروع وعمل؛ إن هذا الفضل الإلهي على العالمين بجمع كلمتهم وترتيب أمورهم بحيث لا يخربون دنياهم ولا آخرتهم هو أمر يجمع بين الشرع والقدر، وليس شيئاً يأتينا بغتة في ساعة من نهار، بل هو امتثال شرعي وناموس كوني، إن حققنا له شرائطه ومهدنا له بوادره أتم ربنا وأعان، وإلا فما هو إلا أضغاث أحلام وأوهام وراء أوهام، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (محمد)، فلا ينبغي للأمة أن تتهاوى فتستصعب الأمر، ولا تعمل مكوناتها على حسن تحصيله؛ لأنه مطلب شرعي بإجماع، ولا بد من بذل أسباب التدافع إصلاحاً وتقليلاً للفساد، كما نشهد من محاولات الصادقين في الأمة شرقاً وغرباً، ولا ينبغي لها أيضاً أن تتماهى فتظن الأمر يأتي بالتمييع أو بالترقيع؛ فتنجرف وراء كل ناعق وتميد بها كل ريح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل