العنوان الرد على أبي موسى في كتابه «قس ونبي» (15)
الكاتب د. سليمان البدر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 51
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
نجاح وفشل
- القرآن هو الحجة لأنه بيّن وواضح لفظًا ومعنى، فهو النور المبين
والعاصم.
- لم يثبت علميًا وتاريخيًا أن القرآن تعرض لتبديل أو تحريف على عكس
الكتب السماوية الأخرى التي كتبها حواريون أو أسرى يهود.
- بمجرد سماع المسلم لآيات الله يشعر بالاطمئنان وعظمة الرحمن فتخلد
نفسه إلى السكينة.
نعرض في هذه الحقلة لبعض أقسام الفصل
السادس والأخير وهو نجاح وفشل، وقد قسمه المؤلف إلى أربعة أقسام هي:
أولًا: نجاح القس والنبي.
ثانيًا: فشل القرآن.
ثالثًا: محمديون أو قرآنيون.
رابعًا: أسألوا أهل الذكر.
يقدم المؤلف لهذا الفصل بمقدمة تنضح
حقدًا وسمًّا كما هي عناوين أقسام هذا الفصل وفصول الكتاب السابقة، فيقول في
صفحة 199: «يلح على الحق بأن أفلت الله من قيود المتدينين ليتحرر من أيديهم
وتصوراتهم وتخيلاتهم، ويلح على نشدان الحرية بأن أبعد المتدينين عن الله لئلا
تتحكم بهم الطمأنينة على أهون سبيل»، ثم يقول أيضًا: «ولا يزعجني قلقي بقدر ما
يزعجني اطمئنان المتدينين، هم يسيرون مع الله ومع الحقيقة جنبًا إلى جنب، وأنا
أسعى حثيثًا وراء الله والحقيقة، وكلاهما يفلت كالسراب» ثم يصل غرضه الهدام
حين يقول: «رحت أبحث في الله وفي الوحي والتنزيل والنبوة، وفي الحقيقة والشريعة
وكلام الأنبياء، ومن هذا المنطلق رأيت الله يستعمل الإنسان واسطة بينه وبين
البشر، فرأيت القس وراء النبي، والإنجيل العبراني وراء الإنجيل العربي والنصرانية
وراء الإسلام».
مقاصد القس
وفي صفحة 200، يقول المؤلف:
«لقد أدى بي البحث إلى الكلام على مقاصد القس ورقة بن نوفل، وعلى مهمته الصعبة
التي قام بها، وعلى اختياره محمدًا خليفة له على كنيسة مكة، لقد نجح القس في ذلك،
وتوقف نجاحه على نجاح تلميذه، ونجح التلميذ، ومآثر نجاحه يدل عليها أثره الكبير في
تاريخ العالم، بيد أن الأثر الكبير لازمه فشل ذريع، والفشل حدث له بالعرض، بسبب
العصبية القبلية المتأصلة في نفوس المستجيبين، وهذه تعود، لا إلى سوء إستراتيجية
القس والنبي، بل إلى جهل المتدينين حقيقة رسالة القس والنبي هؤلاء المتدينون بدلوا
في الدعوة وبدلوا في الكتاب».
إن ما جاء في مقدمة هذا الفصل فيه من
الجرأة على الله ما يكفي لدمغ المؤلف بالكفر، فهنا، وللمرة الثانية، يتعامل مع
الخالق جل وعلا تعامله مع بشر، فأي حق يوجب على المؤلف أن يتفوه بما تفوه به؟ إن
كان يعتبر نفسه من المسلمين، هو أمر مشكوك فيه فإن الحق يوجب عليه الإذعان
والتسليم لأمر دينه والدفاع عن عقيدته، وله بعد ذلك أن يتصرف في أمر دنياه كما
يشاء ويبتعد عن أمور دينه وشعائر الإسلام كما يحلو له، فأمره في النهاية إلى رب
العالمين، ولكن الحق الذي يدعيه هو رغبته الدفينة في الدس على الإسلام، ولا تبتعد
أقواله عن أقوال المبشرين، وأظنه واحدًا منهم، فهو بأقواله وبأسلوب كتابته ومضمون
دعواه، قريب من «الأستاذ الحداد» المبشر اللبناني، الذي أصدر في
عام 1968، أربعة كتب بعنوان مشترك هو «دروس قرآنية» وهذه الكتب
الأربعة هي: «الإنجيل والقرآن»، و«القرآن والكتاب» ويحمل رقم (302)،
والرابع «نظم القرآن والكتاب»، وقد تولى الأستاذ محمد عزة دروزة في
کتابه «القرآن والمبشرون»، بيروت 1972، كشف هذا المؤلف والرد عليه، وقد
أورد أن «الأستاذ الحداد» هو يوسف إلياس الحداد ويلبس لبوس الخوارنة
المسيحيين»، ولا أستبعد أن يكون موسى الحريري هو خوري آخر، والله أعلم، ولكن لا
يختلف الاثنان في دعوتهما وأسلوب عرضهما وطريقة استشهادهما بالآيات القرآنية كما
أنهما يلتقيان على هدف الإسلام وشريعة القرآن.
رغبة المؤلف
إذن يريد المؤلف أن يبعد الله عمن
آمن به واتقاه، كما يريد أن يبعد المتدينين، الذين آمنوا بالله ربا وبالقرآن
كتابًا وبمحمد رسولًا، عن ربهم كي يتسنى له الخوض في الاثنين، كما أن ما يقلقه
ويزعجه هو اطمئنان المسلمين إلى ربهم وإلى عقيدتهم لأنهم يسيرون مع الله بينما هو
يريدهم مثله يسعون وراء الله بحثًا عن حقيقة أخرى غير الإيمان بما جاء به محمد r، لقد
من الله جل وعلا على المؤمنين بهذه الطمأنينة والإذعان، ولكن أبا موسى الحريري
يريد إخراجهم من دينهم وإيمانهم ليعرفوا الحقيقة العظيمة التي اكتشفها من وراء
جريه وراء الله، هذه الحقيقة هي أوهى من بيت العنكبوت، خلاصتها أن الله اختار القس
ورقة بن نوفل وسيطًا له إلى محمد، أما لماذا لم ينزل الله وحيه مباشرة إلى محمد
فعلم ذلك عند الحاقدين الموتورين.
لقد كفانا القرآن الرد على هذا
المؤلف بافترائه على الله ومحاولاته نزع الطمأنينة من قلوب المؤمنين بالله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ
عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ
ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 54).
قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ
أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ
الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ
لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس: 62-64).
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ
ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ
وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ﴾ (الرعد: 28 -29).
(انظر أيضًا: سورة
المؤمنون: 1 – 11، 54 – 61، وسورة الكهف: 30، 31، وسورة الفرقان: 63 –
76، وسورة فصلت: 30 – 32، وسورة الإنسان: 5 – 11).
الإيمان بالقس !
إن العديد من آيات القرآن الكريم،
وبمجرد سماع المسلم لها، يشعر بالاطمئنان وعظمة الرحمن فتخلد نفسه إلى سكينة يحسده
عليها أمثال الحريري، الذين أشد ما يغيظ قلوبهم الإيمان والتسليم الله تعالى، ولذا
يسعى هو وأمثاله إلى الطعن في رسالة نبي الإسلام وتصويره تلميذًا حقق حلم أستاذه،
وإن كان قد نجح في الأمر إلا أنه فشل فشلًا ذريعًا بسبب جهل المتدينين الذين آمنوا
به، إن المؤلف يريد من المسلمين، كي تزال عنهم سمة الجهل وترفع عن نبيهم تهمة
الفشل، أن يؤمنوا بالقس وبالإنجيل، ويا حسرة على العقل والمنطق اللذين يتشدق بها
أعداء الدين، أليس من العقل والمنطق أن يتقدم القس مباشرة داعيًا إلى إنجيله بعد
أن يسميه قرآنًا؟ ألم يمكث القس زهاء القرن في مكة؟ إذن لماذا لم يدع إلى دينه؟
ويحق لنا أن نستمر في تساؤلاتنا، فأين هو المنطق والعقلانية عندما يتهم المؤلف
هؤلاء الجهلاء بأنهم بدلوا في الدعوة وبدلوا في الكتاب؟ أليسوا هم الذين ينادون
ليل نهار بإبراز الأدلة على تحريف وتبديل القرآن؟ إن المسلم لا يتطرق إليه شك في
رجال كانوا حول رسولهم أدوا الأمانة ونصحوا الأمة وكانوا على هدى محمد، ولم يثبت
علميًا وتاريخيًا أن القرآن تعرض لتبديل أو تحريف على عكس الكتب السماوية الأخرى
التي كتبها حواريون أو أسرى يهود، وإن لنا لعودة إن شاء الله إلى هذا الموضوع.
أول نجاح للقس!
يقول المؤلف في القسم الأول
إن «أول نجاح حققه قس مكة كان في اختياره محمدًا.. ثم إعلان مسؤوليته
وتعيينه خليفة له من بعده على كنيسة مكة.. فكان محمد «أول المسلمين»،
كما كان القس «رئيس النصارى»، وراح يهتم بمسؤوليته الجديدة هذه وينصرف إليها،
فكانت كمسؤولية أي قس في كنيسة الله، وهى التالية: تعليم الناس الكتاب
والحكمة وتزكيتهم من خطاياهم وتلاوة آيات الله عليهم وتذكيرهم بقصص الأنبياء
الأقدمين وأخبارهم... إلخ» (ص 201)،
كما تقوم مهمات محمد الرسولية أيضًا على وضع وفروض العبادات.. وغير ذلك من
مسؤوليات هي من اختصاص أي رجل دين یعني دوره (ص 202)، ويستطرد المؤلف
موضحًا أن النجاح الثاني الذي تحقق على يد القس هو نقل الإنجيل العبراني إلى لسان
عربي مبين، ويقول أيضًا: «وسمي النقل قرآنًا، والقرآن هو في حقيقته القراءة
العربية للكتاب العبراني إلا أن ناقلها «تصرف» بها بما يناسب أحوال
مدعويه»، ثم يبين المؤلف في صفحة 204 النتيجة التي تحققت فعلًا على يد
القس والنبي وهي «أن القرآن العربي هو أولًا الترجمة المفصلة للكتاب العبراني،
وثانيًا هو الكتاب الذي نسخ الكتب السابقة، وأخذ من «الصحف
الأولى» و«جمع» بينها ووحد تعاليمها.. وهو نجاح خطير لأنه تحقق في
حين أن محاولات أخرى حدثت في تاريخ الكنيسة ولم يتحقق لها النجاح».
وهكذا يستمر هذا الجاهل المأفون في
هذيانه ليشرك القس في كل شيء مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى درجة
القول: إن محمدًا والقس ورقة لم يردا العرب عن إيمانهم السابق ولم يكفرا هم
بما كانوا يؤمنون به، بل كان همهما أن ينضم الناس إلى الإسلام ويجتمعوا تحت
رایته»، ثم يستشهد بقول الله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ
تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي
قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ
أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات:14)، والانضواء
تحت لواء الإسلام في رأي المؤلف هو والاقتصار على عقيدة التوحيد في الله، ولكن ليس
أي إله كان بل هو إله بنى إسرائيل، وشهادته قول الله ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا
ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ (يونس: 90).
ثم يختم المؤلف هذا القسم بقوله:
«وهكذا تحقق النجاح المنشود، ولم يكن ليتحقق لولا وجود «خبير حكيم» عارف
بالخلافات وهويات الأحزاب، وحكمة الداعي إلى توحيدها تقتصر على القول بإله واحد،
وكتاب واحد، وأمة واحدة، وسوى ذلك ليس من الإسلام في شيء». ص 208.
وفي مقام بولس
لا يزال المؤلف مصرًّا على موقفه
بشأن دعوة محمد فهو يوفض أن يرى فيه رسولًا نبيًا ويعيد مكررًا المنصب الذي ارتضاء
للرسول المصطفى فيجعله بذلك في مقام الرسول بولس بالنسبة لنبي الله عيسى، وليس من
واجب الرسول محمد سوى التبليغ، وهي وظيفة القس في كنيسته، ويورد المؤلف بهذا الصدد
جميع أوامر رب العالمين ويجعلها أوامر القس ورقة يقوم بتنفيذها محمد بن عبدالله،
ابتداء من تلاوة الذكر والتبليغ بالرسالة إلى العبادات كالصوم والصلاة والحج
والزكاة، إلى سن الشرائع كتحريم الربا وقطع يد السارق وجلد الزاني والزانية.
أليس في هذا الموقف المشين ما يكشف
عن سواد قلب المؤلف وربما عن شخصيته، إننا كلما ازددنا قراءة وتمحيصًا للكتاب كلما
ازددنا تيقنًا بأن مؤلف «قس ونبي» لا بد وأن يكون خوريًا أو مبشرًا أو
راعيًا لكنيسة أغاظه القرآن فبدأ يعمل على تجريحه، وتملك قبله الحقد على رسول الله
فأخذ يطعن برسالته وبمكانته وينفي الوحى عنه، فادعى زورًا وبهتانًا أن القرآن ما
هو إلا ترجمة للإنجيل، ولكن حين تسأله عن هذا الإنجيل لا يعرف أصله الذي أخذ
القرآن منه تعاليمه وترجمها، وادعى أيضًا أن الرسول المصطفى لا ترقى مرتبته إلى
جانب الأنبياء إلا إلى مرتبة الرسول بولس أو متى أو يوحنا وقد أعمى الحقد قلبه
فجعل ورقة بن نوفل شريكًا لمحمد، بل أستاذًا له، ونسي أو تعامى عن حقيقة القس
ودوره بل وحياته أو الأيام التي قضاها عند نزول الوحى على محمد صلى الله عليه وسلم، ألا
يعلم هذا الحاقد أن ورقة مات ولم يقم بعد بالدعوة إلى الإسلام صراحة وعلانية؟ أليس
هو القائل بأن القس قد مات في أول الدعوة؟ فكيف إذًا تستمر هذه المشاركة حتى
انتقال النبي إلى المدينة؟ ودليله على ذلك إيراد قوله بأن هم الرسول والقس أن يسلم
الأعراب ثم يأتي بآية نزلت في فترة لاحقة، وهي الآية 14 من سورة الحجرات.
افتراءات أخرى
أما افتراءاته الأخرى وتطاوله على
آيات القرآن الكريم وتفسير معانيها، فهو أمر واضح، فهو يقول بأن كلا من القس
والنبي شهدا على كتابهما بأنه يجمع بين الكتب السابقة
بل «يستنسخانها» ويورد قول الله: ﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ
عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(الجاثية: 29) بينما تبطل شهادته ويخسر قضيته لو كان قد أورد الآيات كاملة، والتي
هي: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً
ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا
نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية:27-29).
وفي هذه الآية يخبر الله تعالى أنه
مالك السموات والأرض والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، وفيها وصف لحال الكافرين
والجاحدين يوم القيامة، فإذا جيء بجهنم جاءت كل أمة على ركبها، ثم يدعو المنادي كل
أمة ويعلن عليها أعمالها المدونة من غير زيادة ولا نقصان، ويبين الله تعالى أن هذه
الأعمال مكتوبة من قبل الملائكة الحفظة فهم لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة من أعمال
العباد إلا ودونوها لتشهد عليهم يوم القيامة، هذا هو المعنى الواضح من الآية كما
فهمها المسلمون ويفهمونها، لا كما يحاول المؤلف أن يوحى بأنها استنساخ الكتب
القديمة.
السابق واللاحق:
ويورد المؤلف قول الله
تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ﴾ (الأعلى:
18)، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: 192)، ﴿بِلِسَانٍ
عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ. وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (الشعراء: 195- 196)،
ليدلل على أن ما جاء في القرآن كان موجودًا سابقًا، ولا شك أن بتره للآية أو
إنقاصها فيه تحريف لها أو لمعناها.
يقول الله تعالى في سورة الأعلى
الآيات 18- 19: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ صُحُفِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾، وتتناول آيات سورة الضحى فلاح المؤمن وتطهير نفسه من
الأخلاق الرذيلة، وذلك لا يتم إلا بإقامة الصلاة وذكر الرحمن واتباع ما أنزل على
محمد والإذعان لأوامر الله، ويبين الله أن الإيمان والعبادات وذكر الرحمن وطلب
الآخرة وعدم إيثار الدنيا كلها تعاليم من رب العالمين جاءت في كتبه السابقة،
وبالتحديد في صحف إبراهيم وموسى، وقد أورد المؤلف «بالصحف الأولى» ليضمن
فهم القارئ بأن المقصود بها الإنجيل الذي يدعو إليه، أما في سورة الشعراء
الآيات 191 - 196، فيقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ
الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ
الْأَوَّلِينَ﴾ (الشعراء: 191- 196).
حذف أواسط الآيات للتمويه
وأول ما يلاحظ القارئ هو أن المؤلف
حذف أواسط الآيات بقصد التمويه ولأن إيرادها يفقد ادعاءه، فيكفي أن يتبين أن الذي
جاء بالتنزيل هو جبريل، جاء بالقرآن إلى محمد ليكون من المنذرين لقومه وللناس
كافة، وتتعلق هذه الآيات بالتنزيل الرباني على قلب محمد، فالقرآن هو الحجة لأنه
بين وواضح لفظًا ومعنى، كما أن ذكر هذا القرآن والتنويه به موجود في كتب الأولين
المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به، ومعنى الزبر هنا الكتب ومفردها زبور، كما أن
الزبور هو كتاب نبي الله داود عليه السلام،
فإذًا من أين لهذا المؤلف أن يتبجح بأن القرآن وتعاليمه وتشريعاته مشتقة من إنجيله
الذي لا وجود له الآن.
الأحزاب اليهودية
ويزعم المؤلف كاذبًا ومفتريًا، بأن
القرآن سعى جاهدًا إلى لم شمل الأحزاب اليهودية ويدعوهم إلى الوحدة والاعتصام وأن
يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، ثم يورد قول الله تعالى من سورة آل عمران
الآية 103 على هذا النحو: «اعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا»، والنص
الصحيح الكامل هو: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأصبحتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ
شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وفي هذه الآية أمر صريح من الله
تعالى إلى المسلمين سبقه أمر منه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم
مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102)، وفي هذا دعوة للذين استجابوا لرسالة محمد أن يتقوا
الله ويجاهدوا في سبيله ويبتغون مرضاته وأن يحافظوا على الإسلام، ثم جاء الأمر
الثاني بالاعتصام بحبل الله أي بعهد الله وهو القرآن النور المبين والعاصم والمنجي،
وحذرهم من التفرق ثم بين الله منته على المسلمين إذ ألف بين قلوبهم بالإسلام الذي
أنهى العداوة بين الأوس والخزرج فأصبحوا بذلك إخوانًا أقوياء، وقد نزلت هذه الآية
بشأن الأوس والخزرج حين حاول اليهود مرة أخرى الإيقاع بينهم بعد دخولهم الإسلام.
وأخيرًا يوجه المؤلف الأنظار إلى أن
الإله الذي دعاه إلى عبادته القس والنبي هو الذي آمنت به إسرائيل، والحقيقة أن
الآية التي استشهد بها بعيدة عن خدمة غرضه إذ هي تتعلق بفرعون عندما نطق بالإسلام
والإيمان حين أدركه الغرق، وقد ورد في قول الله تعالى في سورة يونس،
الآية 90 ما يصور هذا الأمر، حيث يقول جل وعلا: ﴿وَجَاوَزْنَا
بِبَنِي إسرائيل الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا
وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ
إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائيل وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس:
90)، وقد سبق وأن استشهد المؤلف بهذه الآية محرفًا معناها ومتغافلًا عن موضعها
وكنا قد فندنا بطلان استشهاده في حلقات سابقة.
ونأمل في الحلقة القادمة أن نستكمل
ما تبقى من الفصل السادس إن شاء الله تعالى.