; الرد على دعاوى تغييب العقل.. والسلطة الدينية | مجلة المجتمع

العنوان الرد على دعاوى تغييب العقل.. والسلطة الدينية

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2001

مشاهدات 127

نشر في العدد 1464

نشر في الصفحة 42

السبت 18-أغسطس-2001

تحاول القلة المعارضة لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أن توهم الشعوب الإسلامية أن دعاة تطبيق الشريعة يسعون إلى تغييب العقل وإعادة صكوك الغفران والحرمان التي نبذتها أوروبا.

وقد لخص محمود العالم رأي الدكتور زكي نجيب محمود في هذه القضية باعتباره فيلسوف المذهب الوضعي في العالم العربي، وهو بدوره لخص ما كتب ابن رشد في كتبه فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة وكتاب «تهافت التهافت» وقد استخلص الدكتور زكي نجيب محمود من ذلك الآتي([1]).

١- ليس هناك فارق بين ما جاءت به الشريعة عن طريق الوحي وبين ما يستخلصه الإنسان من الكون عن طريق العقل. 

٢- إذا تعارض النظر العقلي مع ظاهر النص الشرعي فليس هناك من سبيل إلا التأويل. 

٣- يوجد تشابه بين بنية الحركة الفكرية العربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، ففي كلا العصرين هناك اتفاق على أن الشريعة الإسلامية هي الأساس في بنيان الفكر العربي وأن هناك فكرًا آخر من خارج الحدود العربية يختلف عن الفكر العربي، وجوهر الخلاف مازال موزعًا بين ثلاثة اتجاهات هي:

أ - اتجاه يرى أنه لا خطر من الفكر الوافد.

 ب - اتجاه يرى خطورته. 

ج - اتجاه يرى أن بين الفكرين اتفاقًا في الغاية واختلافًا في الوسيلة.

لقد وضع الدكتور زكي نجيب محمود العقل في مكانه الصحيح، فهو من مخلوقات الله ولا تعارض بين ما خلقه الله في الكون وبين ما أوحى به إلى الخلق عن طريق الرسل والأنبياء وأن ما ظاهره التعارض يزول بالتأويل فليس في الإسلام شيء لا يقبله العقل السليم، حتى الإخبار عن عالم الغيب، فقد اكتشف العلماء التجريبيون وجود كواكب أخرى لم ترصدها المناظير البشرية، أي أنها من الغيب بالنسبة للبشر، ولكن أثار هذه الكواكب – وهو الضوء الصادر عنها – قد أدركه هؤلاء العلماء ولهذا أثبتوا وجود هذه الكواكب من اثارها.

 ولقد استنكر الأعرابي إنكار بعض العرب الوجود الله وقال إن الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير، أفلا تدل السماوات والأرض على الله الخالق القدير؟!. 

لقد وجد التعارض بين الدين والعقل قبل الإسلام عندما حرف البعض الديانات السابقة فابتدعوا ما يعارض العقل، وهو ما عرف في اوروبا بالحكم الديني، والحكومة الدينية، حيث يحكم البابوات باسم الله وجعلوا الرجال الكنيسة سلطة الغفران والحرمان وزعموا أن ما يحلونه في الأرض يحله الله في السماء، وما يحرمونه في الأرض يحرمه الله في السماء، ونسبوا ذلك إلى الإنجيل وإلى المسيح عليه السلام وهو برئ من ذلك. 

وقد صدق البابوات هذه الأكذوبة إذ وجدوا فيها الوسيلة السهلة لجمع الثروات والتحكم في الناس فأفتوا في الأمور التي تركها الله للناس يجتهدون فيها بتجاربهم وهي التي عرفت بالعلوم التجريبية، فأنكر البابوات ما توصل إليه العلماء التجريبيون لأنهم يجهلونه، وحرقوا وعذبوا كل من خالف جهلهم وأكثروا من القتل فيهم باسم السلطة الدينية التي زعموا أن الله قد فوضهم إياها. 

وعلى الرغم من أن إنجيل « متى» (٥/٤0-٤٢) نقل عن السيد المسيح عليه السلام وصيته لاتباعه: «لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فأترك له الرداء أيضًا، ومن سخرك ميلًا على الرغم من هذه التعليمات التي تأمر واحدًا، فأذهب معه اثنين». 

على الرغم من هذه المعلومات التي تأمر بالتسامح والمحبة بين الناس جميعًا – وهي جوهر الديانة المسيحية – إلا أن رجال الدين في أوروبا خلال العصور الوسطى خالفوا ذلك واكتسبوا نفوذًا ليس في مواجهة شعب الكنيسة الأعزل فحسب، بل في مواجهة الأباطرة الحكام، مما خلق صراعًا بين السلطتين الدينية والزمنية رجحت فيه كفة رجال الدين حينًا من الزمن لتحصنهم في السلطة الكهنوتية التي تخولهم صكوك الغفران والحرمان، كما حولتهم هذه السلطة الكهنوتية حق التحليل والتحريم، وبهذا أحلوا كثيرًا من المحرمات، وحرموا كثيرًا من المباحات؛ فمثلًا أحلوا عبادة التماثيل وكانت من الوثنية والشرك بالله، كما أحلوا لحم المينة وكانت محرمة في كتبهم، وحرموا استخدام التخدير في العمليات الجراحية، كما حرموا البحث في علوم الطب والهندسة والكيمياء والجغرافيا واعتبروا ذلك من السحر الأسود وعقوبته الإعدام. 

يذكر المؤرخ ويلز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية، أن البابا «أنوسنت» قد شن حربًا مقدسة ضد الكاثاريون الذين لم يتخلوا عن المسيحية، إنما طالبوا بحياة مسيحية حقيقية تستمد أصولها من الكتاب المقدس الذي ينكر على رجال الدين العنف والثراء الفاحش والتحليل والتحريم فما كان من البابا إلا أن مرح لكل نذل زنيم و متشرد أثيم أن ينضم إلى الجيش ليحارب هؤلاء بالسيف والنار، وأذن لهذا الجيش أن يغتصب الحرائر من النساء ويرتكب كل ما يتصوره العقل من المحرمات([2]).

الخلافة والحكم المدني

وقد أبطل الإسلام ذلك كله، ولئن سميت رئاسة الدولة في النظام الإسلامي بالخلافة لكنها خلافة النبي ﷺ في أمر الدين والدنيا معًا، وقد سعى المسلمون أبا بكر خليفة لأنه خلف النبي ﷺ كله في سياسة الأمة وهي تختلف عن الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا في العصور الوسطى في أمور رئيسة أهمها:

 1- أن رئيس الدولة ليس خليفة عن الله ولهذا نهى أبوبكر، وهو الخليفة الأول أن يقال عنه ذلك، وقال «لكني خليفة رسول ﷺ». 

٢- أن خلافته للنبي ﷺ في أمر الدين لا تعني بحال أن له عصمة تخوله التحليل والتحريم أي التشريع بالإلهام أو بأي وسيلة أو طريقة، بل يختص بحراسة الدين وتطبيق الأحكام الواردة في القرآن الكريم وفيما ثبت من السنة النبوية، وهذا هو نفس الاختصاص الذي يقوم به الحكام في الدول الحديثة المتمثل في تطبيق القوانين، لهذا عندما سئل علي بن أبي طالب هل خصكم رسول ﷺ له بشيء؟ قال: «من زعم أن عندنا شيئاً نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات فقد كذب» (أخرجه البخاري (7300)، ومسلم (1370) ، أي أنه لا يوجد اختصاص ديني لأحد بعد النبي ﷺ علة، فقد انتهى الوحي بوفاته. 

٣- أن الخليفة أو رئيس الدولة وكذا سائر اعضاء مجلس الشورى، يختارهم المسلمون اختيارًا حرًا بالوسائل المناسبة لكل عصر ومدينة، فقد أوكل النبي ﷺ إلى الأنصار من أهل المدينة أن يختاروا من بينهم رؤساء لهم فقال: «أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبًا يكونون على موقعهم بما فيهم»، رواه البخاري. 

 فالأمة تختار الحاكم وتحاسبه وتعزله، ولا يوجد في الإسلام رؤساء معينون من الله كما هو شأن النصارى في دعواهم أن البابوات يعينهم الله تعالى ومن ثم فهم معصومون من الخطأ، وما يفتون به هو من عند الله، بل نزل القرآن ليبطل هذه المزاعم قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾  (التوبة: 31)                     

ولذلك فالخليفة حاكم مدني من جميع النواحي، وليس حاكمًا دينيًا يتلقى سلطانه من الله، وتطيعه رعاياه نتيجة لإيمانهم، ففي الإسلام ليس هناك إلا قوة دينية واحدة – إن صح التعبير، هي القوة التي منحها الله لكل المسلمين من أحطهم إلى أعلاهم، وهي حض المؤمنين على العمل الصالح واجتناب المنكر، وليس للقاضي والمفتي وشيخ الإسلام إلا سلطات مدنية فلا يستطيع أحدهم فرض سلطانه على عقيدة مسلم هذا ما أكده «باول شمتز» في كتاب «الإسلام قوة الغد العالمية». يقول «جروينباوم» أجمع المسلمون على وجوب تنصيب الخليفة كرئيس مدني وقالت الدكتورة لورانا جليري. لقد قيل: إن المدنية الحديثة قد حققت كل هذا التقدم المزدهر في أوروبا لأن المسيحية قد فصلت القوة المدنية عن القوة الدينية، ولأن الدول العربية متحررة من نفوذ الكنيسة التي تمتعت به خلال قرون طويلة بينما لا يفصل الإسلام بين الدين والدولة. فكلاهما جزء من كل حسب الشريعة. 

الخلافة والفاتيكان

 ويقول «باول شمتز» قرر المجلس الوطني في تركيا فصل الخلافة عن السلطة، فطبع بذلك الخلافة بطابع الروحانية وحصرها في دائرة السلطة الفكرية الخالصة، فأصبح مجالها مقصورا على الناحية الروحية ومسائل العبادة وهذه صورة لم تعرفها الخلافة من قبل، ولم يعهدها المسلمون في خليفة نبيهم محمد الله ولم نقرأ عنها في تاريخ الإسلام. 

لقد أراد الوطنيون إبعاد الخليفة عن المجال السياسي فكرسوا جهدهم لتحويل الخلافة إلى فاتيكان – أرادوا «فتكنة» الخلافة – ولكن المحاولة بات بالفشل، لأن الخليفة الجديدة المعين، وهو ابن آخر سلطان لتركيا – لم يقبل هذا التحديد، للسلطة إطلاقًا، وعارض اتجاه القوميين الرامي إلى عزل الخلافة عزلًا كليًا عن أمور الدولة السياسية، وأدى هذا الصدام بينه وبينهم إلى الهرب، ومنذ ذلك الوقت تيتمت الخلافة لأول مرة في الإسلام. 

([1]) الوطن الكويتية 1/٥/1414هـ (22/١٠/1993م)

([2]) معالم تاريخ الإنسانية جـ ٣ ص ٩٠٥.

الرابط المختصر :