; الرسائل العامة الموجهة إلى الملوك والوزراء. | مجلة المجتمع

العنوان الرسائل العامة الموجهة إلى الملوك والوزراء.

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 58

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

عاشت مصر النصف الأول من القرن العشرين فترة اضطراب وعدم استقرار، واستنزف الاستعمار الإنجليزي خيراتها ومواردها طيلة حربين عالميتين: الحرب العالمية الأولى «١٩١٤م- ۱۹۱۸م»، والحرب العالمية الثانية: «١٩٣٩م-١٩٤٥م».

ثم كان ظهور الوليد الجديد سنة ۱۹۲۸م على يد الشيخ حسن البنا باسم «الإخوان المسلمين»، وكانت الجماعة ترسي قواعدها وتنتشر شعبها في المدن والقرى المصرية، ويزيد تيارها قوة ترهب الأعداء، في الوقت الذي كان فيه المستعمر الإنجليزي يوسع من نطاق سيطرته على السياسة المصرية في توجيه الأمور، واختيار الوزارات، وكان المندوب السامي البريطاني في القاهرة هو أهم شخصية في الساحة المصرية.

ومما يدل على اضطراب الأمور، وتخبط الحكم واهتزاز النظام السياسي كثرة تغيير الوزارات فمن سنة ۱۹۲۸م سنة قيام جماعة الإخوان، إلى أن استشهد مرشدها توالت على مصر قرابة عشرين وزارة أي بواقع وزارة كل عام. 

ومن رؤساء الوزارة في تلك الفترة: محمد محمود، ومصطفى النحاس، وعدلي يكن، وإسماعيل صدقي، وعبد الفتاح يحيى، ومحمد توفيق نسيم، وعلي ماهر، ومحمود فهمي النقراشي.

وبعض هؤلاء تولى رئاسة الوزارة مرة واحدة كعبد الفتاح يحيى، وبعضهم تولاها مرتين كإسماعيل صدقي، أما مصطفى النحاس فقد تولى رئاسة الوزارة خمس مرات([2])

الإخوان والمجتمع... وآليات الدعوة:

ومن منطلق الفهم الصحيح للإسلام، وأنه دين ودولة، وعبادة وقيادة، وسيف ومصحف عاش حسن البنا والإخوان في قلب الأحداث، وكان لهم دور كبير في توجيه المسار المصري والعربي والإسلامي، وكان للإمام البنا وسائل وآليات وظفها لنشر الدعوة وتحقيق مبادئها عمليًا على أوسع نطاق.

 وتتلخص آليات الدعوة عند الإمام الشهيد حسن البنا فيما يأتي:

  1. الخطب والمحاضرات.
  2. الكتب والرسائل المكتوبة.
  3. التربية العملية.
  4. تربية العقل بالقراءة والاطلاع.
  5. تربية الجسم بالرياضة، والنظام الكشفي«الجوالة».
  6. تربية الروح بنظام الأسر، والتزام التقوى وأداء المطلوبات الدينية على أكمل الوجوه([3])
  7. الرسائل العامة الموجهة: وهي تلك التي وجهها المرشد الإمام إلى الملوك والرؤساء والشخصيات القيادية في مجال السياسة والدين والوطنية، وهي تعبر عن فكر جماعة الإخوان المسلمين وتوجهاتها وتوجيهاتها في مسألة أو مسائل معينة تثور، وتشغل الساحة. 

كيف كان الإخوان أقوى حائط صد في وجه التبشير والصليبية والإلحاد

وهو في هذا المسلك الأخير إنما يقتدي برسول الله ﷺ حين أرسل رسائله إلى الملوك والحكام وأصحاب النفوذ الديني كالمقوقس عظيم القبط في مصر. ([4])

رسالة المرشد إلى الملك فؤاد ([5]):

وكانت أولى هذه الرسائل تلك التي وجهها باسمه واسم مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين المجتمعين في مدينة الإسماعيلية في ٢٢ من صفر سنة ١٣٥٢هـ.

وكان الدافع إلى هذه الرسالة استشراء نشاط المبشرين في مصر، وتفاقم خطرهم متسترين وراء التعليم والإحسان إلى فقراء المسلمين ([6])

والرسالة تدعو الملك إلى العمل على حماية الشعب المسلم من الهجمة الصليبية الغاشمة التي يتولى كبرها المبشرون معتمدين على حكوماتهم الاستعمارية، وعلى ما تحت أيديهم من إمكانات وأرصدة مالية ضخمة يستعينون بها على تنصير المسلمين. 

وفي هذه الرسالة يقدم المرشد بعض الوسائل الناجعة لإنقاذ الأمة وحمايتها من التبشير والمبشرين، وهي:

  1. فرض الرقابة الشديدة على المدارس التي يملكها ويديرها المبشرون.
  2. سحب الرخص من أي مستشفى أو مدرسة يثبت أنها تشتغل بالتبشير.
  3. إبعاد كل من يثبت للحكومة أنه يعمل على إفساد العقائد وإخفاء البنين والبنات
  4.  الامتناع عن معونة هذه الجمعيات بتاتًا بالأرض أو المال.
  5. الاتصال بحضرات الوزراء المفوضين في مصر والخارج حتى يساعدوا الحكومة في تنفيذ خطة الحزم حفظاً للأمن ومراعاة لحسن العلائق.

إلى توفيق نسيم من أجل مسجد البرلمان ([7]):

وبعد أن تولى محمد نسيم باشا رئاسة الحكومة للمرة الثالثة سنة ١٩٣٤م كتب إليه المرشد العام وإلى وزير الأشغال العمومية بحكومته رسالة، ربما كانت أول رسالة من الإخوان إلى رئيس أو وزير، وقد جاء فيها بعد الاستهلال بالسلام والتهنئة والترحيب بالوزارة ما يأتي:

 ويؤلمنا-يا صاحب الدولة-إلى جانب ذلك الجهاد الموفق قرار وزارة الأشغال الذي نشرته جريدة السياسة هو انصراف النية عن بناء مسجد البرلمان الذي كان قد تقرر إنشاؤه.

 إن دار البرلمان هي مظهر كرامة الأمة، ورمز أمالها وأمانيها وصورة قوميتها وحياتها، وإن المسجد في البرلمان أمر لا بد منه، فحضرات النواب- إلا عددًا قليلًا- مسلمون، ودين الدولة الرسمي الإسلام، والاجتماعات تعقد في المجلس في أوقات تتخللها، أو تتقدمها أو تليها أوقات صلاة.

فالمسجد في البرلمان مظهر من مظاهر عناية الحكومة بتحقيق دستورها، وعناية الأمة بشعائر دينها، ومعين لحضرات النواب على أداء واجبهم الإلهي إلى جانب واجبهم الوطني، وما أوثق ارتباط كل منهما بالآخر.

إن حرصنا على أن يكون عهدكم الزاهر ناصع البياض مشرق الصفحات لا يبدو على وجهه كلف، ولا يحجب جماله حجاب-دعا إلى أن نتقدم إليكم. ملحين في الرجاء أن تؤيدوا وزارة الأشغال في قرارها السابق بإنشاء مسجد البرلمان، وتتعجلوا إنفاذه حتى نرى المسجد في القريب مستقر الرحمة في مهبط الحكمة الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته([8]

إلى النحاس باشا المعجب بأتاتورك ([9]):

ويفزع المرشد العام حين يقرأ في «الأهرام» الصادرة يوم 5 من يونيو ١٩٣٦م نقلًا عن وكالة أنباء الأناضول تصريحًا لرئيس الحكومة المصرية مصطفى باشا النحاس يعلن فيه إعجابه المطلق بمصطفى كمال أتاتورك الذي صاغ بعبقريته- كما ينسب إلى النحاس-دولة تركيا الجديدة التي يلذ للعالم أن يسميها «تركية أتاتورك»، فلقد أوجد دولة شابة ذات حيوية فائقة، غدت عاملاً يحسب حسابه في الشؤون الأوروبية.

 ويلح النحاس على إبداء إعجابه بعبقرية أتاتورك بمفهومها الشامل «وتفهمه المعنى الدولة الحديثة التي تستطيع وحدها في الحالة العالمية الحاضرة أن أعيش وأن تنمو». كما يقول:

 وفي رسالته يستهل الإمام البنا بإنصاف النحاس وذلك ببيان مكانته فهو «أكبر زعيم شرقي عرف الجميع فيه سلامة الدين، وصدق اليقين».

ويكشف الإمام عن حقيقة أتاتورك هذا:

  • فهو الذي ألغي الخلافة الإسلامية.
  •  وهو الذي ألغي القوانين الإسلامية، وحكم بالقانون السويسري.
  • وهو الذي أجاز زواج المسلمة بغير المسلم.
  •  وهو الذي جعل ميراث المرأة كميراث الرجل.
  • وهو الذي تبرأ من نسبة تركيا إلى الشرق، واستبدل بالحروف العربية حروفًا لاتينية. 

ويختم الإمام رسالته بقوله: «...ولهذا -يا صاحب الدولة- نتوجه إليكم بهذه الكلمة، وهي كلمة الولاء المحض، والنصح الخالص، والإشفاق الكبير، رجاء أن تتفضلوا بإلحاق هذا التصريح بما يطمئن نفوساً قلقة، ويقر أفئدة مضطربة، ويسد الطريق أمام الظنون والأفهام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

من أجل فلسطين: الرسالة الأولى ([10]):

في مساء يوم السبت الموافق ٢٥ من صفر الخير سنة ١٣٥٥هـ كون الإخوان لجنة المساعدة فلسطين برئاسة المرشد العام، وقد وافقت اللجنة على تنفيذ المقترحات الآتية:

  1. نشر تكوين هذه اللجنة في الصحف.
  2. نشر نداء من اللجنة إلى الأمة المصرية والمسلمين عامة.
  3. إرسال برقيات الاحتجاج إلى المندوبين السامين في مصر وفلسطين، ونشر صور منها في الصحف، وإرسال برقية أخرى إلى فضيلة المفتي بصفته رئيسًا للجنة العربية العليا.
  4. إذاعة بيان من اللجنة إلى عموم الإخوان والشعب.

ومن غرائب المفارقات آنذاك أنه كان في مصر لجنة مهمتها جمع الأموال المساعدة الأحباش المنكوبين بالاستعمار الإيطالي، وكان أحد رؤساء هذه اللجنة الأمير عمر طوسون، فوجه إليه الإمام البنا-بصفته مرشد الإخوان، ورئيس لجنة مساعدة فلسطين-رسالة جاء فيها:

«وإن صاحب السمو ليقدر معنا أن فلسطين الجارة العزيزة، وفيها بيت المقدس الذي يجمع المسلمون والمسيحيون على إكباره ومنعه والذود عن كرامته-جديرة بأن يتقدم إليها في طليعتنا سمو الأمير الجليل عمر طوسون بما يستطاع من بر ومساعدة».

وبعد أن يشرح مهام اللجنة الإخوانية التي شكلت لمساعدة فلسطين يوجه الإمام البنا الخطاب إلى الأمير مبيناً عن الغرض الأساسي من الرسالة قائلًا:

الإمام الشهيد يكشف حقيقة مصطفى كمال في رسالته للنحاس باشا

«...وقد توجهنا إلى سموكم بهذا راجين أن تجد فلسطين الجريحة من بركم وعطفكم ما وجدته الحبشة من الأسي الرقيق والبلسم الشافي، ولنا رجاء أخر أن تتفضلوا بصفتكم أحد رئيسي لجنة مساعدة الحبشة بإرسال ما تبقى من الأموال التي جمعت لغرض مساعدة الأحباش إلى اللجنة العربية في فلسطين، وسيجزيكم الله الجزاء الأوفى...».

من أجل فلسطين: الرسالة الثانية ([11])

ولأن المنكوبين الأحباش كانوا-في أغلبهم من المسيحيين الأرثوذكس، وكانت الكنيسة الحبشية تابعة آنذاك للكنيسة المصرية، ولأن الأنبا يونس-بطريرك الأقباط الأرثوذكس في مصر، كان هو الرئيس الأول للجنة مساعدة الأحباش، وحرصًا من الإمام على عدم إثارة حساسية دينية لكل أولئك وجه رسالة، للغرض نفسه-إلى الأنبا يونس يخاطب فيها حسه الديني، ويذكر فيها أن ضحايا اليهود في فلسطين إنما هم المسلمون والمسيحيون على سواء، فعلى أيدي اليهود «خربت ديارهم وعطلت مصالحهم، وقضي على موارد ارزاقهم، وبيت المقدس هو بيت القصيد من هذا العدوان الصارخ، ويحاول اليهود بعملهم هذا أن يستولوا عليه وعلى غيره من الأماكن المقدسة التي أجمع المسلمون والمسيحيون على تقديسها، وإكبارها والذود عنها».

وبعد هذا التمهيد الذي يهيئ النفس، ويثير فيها مشاعر الرحمة والشهامة والغيرة في نفس رجل له مكانة الرياسة على النصارى يخلص الإمام إلى الغرض الأساسي من الرسالة فيقول، ونحن في مصر-مع الأسف الشديد. لا نملك إلا أن نقدم ما تسخو به الأكف من مال المساعدة هؤلاء الأبطال الذين ألمت بهم الفاقة، حتى إن لجنة التموين للإغاثة بالقدس تصرف يومياً مائة وأربعين قنطاراً من الدقيق الإطعام الجائعين.

ومن أجل ذلك توجهنا إلى غبطتكم راجين أن تشملوا هؤلاء المجاهدين الأبطال بعطفكم الأبوي فتأمروا بإمداد أبناء فلسطين بإرسال ما تبقى من أموال لجنة مساعدة الأحباش إلى اللجنة العربية العليا بالقدس، ونعتقد أن حضرات أعضاء اللجنة الكرام يسرهم أن يحققوا هذا الرجاء، فيكونوا بذلك قد قاموا بخدمة الجارتين العزيزتين في وقت واحد، في محنة متشابهة.

وإن رأيتم فضلًا عن ذلك أن تتكرموا بدعوة المحسنين من المصريين بالتبرع لهذا الغرض النبيل فهو العهد بكم، والمأمول فيكم، وكان لكم الشكر مضاعفًا.

من أجل فلسطين: الرسالة الثالثة ([12]):

ومن أجل فلسطين وجه الإمام الشهيد «في ۲۸من شعبان ١٣٥٦هـ- ٢من نوفمبر ۱۹۳۷م» رسالة إلى السفير البريطاني في القاهرة، وطلب منه أن يرفعها إلى حكومته، وذلك بمناسبة ذكرى وعد بلفور، وهي أول مكاتبة رسمية بين مكتب الإرشاد والسفارة البريطانية.

ويستهل الإمام الرسالة بتذكير السفير بوقوف العرب بجانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى «اعتمادًا على شرف بريطانيا الدولي، ورغبة في تحقيق استقلال العرب وحريتهم التي هي حق طبيعي».

ونقضت إنجلترا وعودها للشريف حسين. وكان وعد بلفور المشؤوم في ٢ من نوفمبر ۱۹۱۷م، كما تبنت إنجلترا مشروع التقسيم الغاشم. واتجهت إلى مصادرة حريات العرب في فلسطين، ونقي الزعماء، وإرهاب الأمنين والإساءة إلى رجال الدين، والتعرض بالإهدار والنهب الأوقاف المسلمين.

ويحدد الإمام الشهيد موقف الإخوان من هذه السياسة بأنهم مضطرون إلى أن يسجلوا احتجاجهم الصارخ على هذه السياسة الجائرة راجين أن تعدل عنها الحكومة البريطانية، فتطلق سراح المسجونين، وتعيد الزعماء المنفيين، وتؤمن الأبرياء المشردين، وترجع إلى المجلس الإسلامي حقوقه وسلطته معلنين تضامنهم التام مع إخوانهم عرب فلسطين وجيران بيت المقدس في مطالبهم العادلة الحقة، وهي وقف الهجرة والاستقلال التام على أساس اتفاق شريف يضمن حقوق العرب ويعامل فيه اليهود معاملة الأقليات في جميع البلدان».

ويأتي ختام الرسالة قوياً صاخًا صريحًا في التهديد إذا استمرت إنجلترا على هذه السياسة ففي هذه الحال «لا بد من الانفجار يومًا للشعور المكبوت فتخسر إنجلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد، نرجو أن تدرك الحكومة البريطانية هذه الحقيقة قبل فوات الوقت بالرغم من كل ما يخدعها به اليهود وتنتهز هذه الفرصة لتحيتكم».

من أجل فلسطين: الرسالة الرابعة ([13]):

ويذهب على ماهر باشا رئيس الحكومة المصرية، ومعه عبد الرحمن عزام باشا إلى مؤتمر فلسطين في لندن فيودعهما الإخوان أخر وداع، وبعد عودتهما استقبلهما وفد كبير من الإخوان استقبالًا طيبًا.

 وقررت الحكومة المصرية تقديم معونات مادية لمنكوبي فلسطين، فبعث الإمام البنا برسالة إلى علي ماهر باشا يشكره فيها على هذا العمل الإنساني النبيل، وينبهه إلى أمرين مهمين جدًا: 

الأول: هو ضرورة الإشراف على توزيع هذه الإعانة توزيعاً يكفل وصولها إلى المستحقين لها من أبناء المجاهدين.

 الثاني: أن المسعى السياسي لحل قضية فلسطين أهم بكثير من هذا المسعى الإنساني على جلاله ورحمته، ومن ثم كان على رئيس الحكومة المصرية أن يكاشف الساسة البريطانيين بوضوح وجلاء بحقيقة الموقف، وأن يكون حل القضية الفلسطينية معتمدًا على القواعد الآتية:

  1. إيقاف الهجرة اليهودية القانونية إيقافًا تامًا، وأخذ المهربين بأقصى الشدة حتى تظل الغالبية في فلسطين عربية.
  2. العفو الشامل عن كل المعتقلين والمبعدين والمجاهدين، والسماح بالعودة للمهاجرين، وفي مقدمتهم المفتي الأكبر محمد أمين الحسيني.
  3. تعويض المهاجرين وأسر الشهداء عمن فقدوا، وعما لحق بهم من خسائر.
  4. اعتراف الحكومة البريطانية باستقلال فلسطين عربية مسلمة، والتعاقد معها تعاقداً شريفًا على نحو ما حصل في مصر والعراق مثلًا. 

إلى على ماهر مع قيام الحرب العالمية الثانية ([14]):

وفي شعبان سنة ١٣٤٨هـ-أكتوبر ۱۹۳۹م بعد إعلان الحرب العالمية الثانية بأيام وجه الإمام البنا رسالة طويلة إلى رئيس الحكومة علي باشا ماهر باسم الإخوان المسلمين «يوضحون رأيهم ويعرضون على الحكومة معاونتهم ومساعدتهم؛ فإن كانت الحكومة جادة حقًا في الإصلاح فنحن معها، وإن سلكت سبل غيرها، ورضيت من الإصلاح بالإعلان عنه، وتنسيق المقترحات والآراء فيه، وتأليف اللجان غير الصالحة، وغير العاملة له. فسنظل نحن نعمل في ميداننا حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين، ونكون قد أعذرنا إلى الله، وإلى الحكام، وإلى الناس وخرجنا من وخز الضمير، وتبعة التقصير».

ويخشى المرشد الإمام أن يتورط علي ماهر في إقحام أبناء مصر في الحرب بجانب بريطانيا اعتمادًا على تفسير غالط أو مشبوه المعاهدة ١٩٣٦م، فيذكره بأن المادة 7 من هذه المعاهدة تنص على أن مساعدات مصر لإنجلترا إنما تكون في داخل البلاد-المصرية، ومحصورة في حدود معينة».

 والإخوان المسلمون-وهم الذين يرون في المعاهدة المصرية الإنجليزية إجحافًا كبيرًا بحقوق مصر واستقلالها الكامل-يريدون من حكومة مصر الا تتجاوز هذه الحدود المرسومة-على ما فيها من إجحاف-بأية حال».

 كيف نالت فلسطين حظها الوافي من رسائل الإمام الشهيد، ومن جهاد الإخوان بالدعاية والمال والدم

وفي هذه الرسالة يحرص الإمام المرشد على تنبيه رئيس الدولة-في إيجاز شديد-إلى عدة أمور هي:

  1.  وجوب انتهاز مصر هذه الظروف الحرجة التي تمر بها إنجلترا للاستفادة، وتكسير القيود، وتحقيق الحرية.
  2. الاستعداد الجاد للدفاع عن الوطن إذا ما اعتدى علينا معتد والإخوان المسلمون حينئذ-على استعداد لأن يذودوا عن حياض هذا الوطن بكل ما يملكون من نفس ومال.
  3. -عدم الارتكان والانخداع بما تقطعه الدول الأوروبية على نفسها من وعود، فهي: «مهما كان لونها لا عهد لها ولا ذمة، ومهما تظاهرت بالحياد والمودة، فإنها تخفي غير ما تظهر، ولا تتردد في تكذيب نفسها إذا وجدت مصلحتها في هذا التكذيب».

«الطريق الوحيد للإصلاح أن تعود مصر إلى تعاليم الإسلام فتطبقها تطبيقاً سليماً، وأن تقتبس من كل فكرة قديمة أو حديثة، شرقية أو عربية ما لا يتنافى مع هذه التعاليم، ويكون فيه الخير للأمة فالروح التي يجب أن تسود فكرة الإصلاح عندنا هي فكرة الاعتماد على قواعد الإسلام وأصوله وروحه.

أما الرجال الذين يقومون بهذا الإصلاح، ويوكل إليهم أمره فيجب أن يكونوا ممن عرفوا باحترامهم لهذه الفكرة، ولم يجاهروا بما ينافيها على الأقل».

 ويثني المرشد الإمام في رسالته-على رجلين من رجال حكومة على ماهر باشا هما عبد الرحمن عزام الذي اختارته الحكومة لقيادة الجيش المرابط «فهو معروف باحترامه لفكرة العودة إلى تعاليم الإسلام»، وعبد المنعم رياض الذي اختارته الحكومة السكرتارية الشؤون الاجتماعية، فهو كذلك «معجب بتعاليم دينه حريص على ألا يعرف عنه الناس ما يتنافى وهذه التعاليم».

ويتحدث الإمام عن الإخوان واستعدادهم لخدمة الوطن في شتى المجالات.. وهم لا يفعلون ذلك بروح الموظف المكلف، ولكن يروح المصلح المضحي المتفاني في غايته».

وفي ختام الرسالة يقدم توجيهات إلى رئيس. الوزراء، وقد سماها. «ملاحظات: تواضعاً وتأديًا فقد كان رحمه الله، يحرص على مراعاة مقام كل من يتحدث إليه ويتعامل معه.

وخلاصة هذه التوجيهات:

  1. التسامح التام مع خصومكم السياسيين، وتقدير ملاحظاتهم والثناء عليهم في الحسن منها، وتلمس العذر لهم في الحملات الشديدة، والانتقامات الخاصة، وانتهاز كل فرصة للتفاهم معهم.
  2. دوام الاتصال بالشعب بالزيارات من رفعتكم ومن كبار الحكام في بساطة وتواضع وبعد عن كلفة الرسميات، وأبهة المناصب. 
  3. القضاء التام على الرشوة والمحسوبية وداء الوساطة التي تفشت في كل شيء عند كل الطبقات.
  4. الاقتصاد التام في الكماليات، وفي أبهة المناصب وتعديل المرتبات الضخمة، وإلغاء مظاهر الترف الرسمي في دواوين الحكومة ومصالحها وليبدأ بذلك حضرات الوزراء أنفسهم ثم كبار الموظفين من بعدهم.

حسن البنا يرسم الطريق لرئيس الوزراء علي ماهر في السياسة الداخلية والخارجية

٥- العناية بالشؤون الاقتصادية، وتوفير المشروعات الإصلاحية. 

٦- التشدد التام في حقوق الأمة القويمة وعدم اللين فيها، مهما كانت الظروف ضاغطة. 

٧- المحافظة القامة على الشعائر الإسلامية.

٨- الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ودعوة الحليفة «إنجلترا» إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين في فلسطين، والسماح بالعودة للمهاجرين، والاعتراف لهذا الوطن العربي الباسل الكريم بكامل حقوقه غير منقوصة.

رسالة إلى الملك فاروق عن الفساد والسقوط([15]):

ومن أقوى الرسائل وأبرعها تصويرًا للحال الاجتماعية والأخلاقية في مصر تلك الرسالة الغاضبة الثائرة التي كتبها الإمام البنا للملك فاروق بعد توليه الملك بقرابة ثلاث سنوات ونصها:

 يا صاحب الجلالة، حدود الله معطلة لا تقام، وأحكامه مهملة لا يعمل بها في بلد ينص دستوره على أن دينه هو الإسلام، بؤر الخمور، ودور الفجور، وصالات الرقص، ومظاهر المجون تغشي الناس في كل مكان حتى الإذاعة اللاسلكية كثيرًا ما تنقل جراثيم هذا الفساد إلى البيوت أندية السباق والقمار تستنفد الأوقات والأموال، ويعمرها كبار القوم، ويتردد عليها ثراة الأمة، حتى أصبحت أندية الموظفين في العواصم والحواضر عنوان الفساد، ومتلفة الأخلاق في البلاد. 

كبار الموظفين يضربون للناس أسوأ المثل في كل تصرفاتهم الشخصية والرسمية، مما أطلق السنة الناس بالنقد، وأضعف ثقتهم بالحكام. 

الصور السافرة المتبرجة بالزينة التي لا تتفق بحال مع أداب الإسلام، وما فرضه الله على المرأة من التستر والاحتشام تظهر في كبريات الصحف وصغرياتها، وتصبح ملهاة العيون الجائرة والقلوب الفاجرة، وتتناول أعرق الأسر، وأكبر البيوت وأطهر الأعراف. 

الحفلات الساهرة والاجتماعات المتكررة والمقابلات الكثيرة من رسمية وأهلية تختلط فيها الأجناس، وتشرب بنت الكأس، ويقضى الليل في مجون وعبث ولهو ورقص.

يا صاحب الجلالة كل هذا وأمثاله قد حطم عقائد الشعب وأنساه المثل العليا، وصرفه عن طاعة الله وعمل الخير وقضى على العقل والصحة والمال والعاطفة، وهدد الأسرة الآمنة والبيوت المطمئنة بالخراب العاجل، والتحلل السريع الذريع والحوادث التي تنشر تباعًا في الجرائد والمجلات ترعب وتخيف، ولا بد من أن تمتد اليد الآسية الطبيبة حتى يظهر هذا المجتمع من الميوعة والطراوة والخنوثة والمجون. 

قلها كلمة منفذة، وأصدره أمرًا ملكيًا ألا يكون في مصر المسلمة إلا ما يتفق مع الإسلام. 

رسالة ود إلى النحاس باشا.. ([16]):

يعرض المرشد الإمام في رسالته هذه –وقد نشرتها صحيفة المصري الوفدية في ٢٣ من مارس سنة ١٩٤٢م– مضمون حديث وجهه النحاس إلى الأمة المصرية، وكان كما وصفه المرشد «رائعًا جميلًا لأنه تضمن كثيرًا من المبادئ القويمة والمعاني الطيبة».

وأهم مضامين ما تحدث به النحاس:

١- إشادة النحاس بالصراحة والتعاون والإخلاص ودعوته الأمة إلى مصارحته والتقدم إليه بالنصح. 

٢- دعوة النحاس الأمة إلى التعاون مع الحكومة في تنفيذ سياسة خارجية حكيمة وتصميم سياسة داخلية بصيرة.

٣- حرص الحكومة على تنفيذ معاهدة ١٩٣٦م بإخلاص وحسن نية.

٤- حرص الحكومة على اتباع سياسة عمرانية عاجلة لخير الطبقات الفقيرة قبل غيرها. 

٥- ضرورة مسايرة التطور الجديد في حياة العالم والإفادة منه.

٦- ضرورة التعاون الجاد مع الشعوب الشرقية والعربية لتحقيق الحرية والإخاء والعدل، وبعد ذلك يثني الإمام على ما قرأه في الصحف من:

١- دعوة النحاس باشا للمديرين والمحافظين أن يكونوا أداة سلام وصلح وتفاهم بين العائلات . 

٢- دعوته إياهم لتبين مشكلات الأهلين وإنصاف المظلومين. 

3- اتجاه وزير الصحة لإلغاء البغاء بتوجيه من النحاس.

ثم يخلص الإمام البنا بعد كل أولئك إلى القول بأن الإخوان المسلمين أمام هذه الآمال الصالحة، والأعمال الطيبة النافعة يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم، وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونًا لكم وللحكومة المصرية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه مستمسكين دائمًا بآداب الإسلام العالية، وتعاليمه القويمة، وأخلاقه الفاضلة، والله نسأل أن يهيئنا جميعًا لخير هذا الوطن العزيز. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرابط المختصر :