; الرسول القدوة | مجلة المجتمع

العنوان الرسول القدوة

الكاتب علاء سعد حسن

تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002

مشاهدات 68

نشر في العدد 1517

نشر في الصفحة 56

السبت 07-سبتمبر-2002

  • الاقتداء بمحمد ﷺ فريضة شرعية وضرورة حياتية لتحقيق النجاح والسعادة في الدنيا والآخرة

يحتاج الناس دائمًا في حياتهم الاجتماعية إلى القدوة التي تعني المثل العليا التي يتطلع إليها أفراد المجتمع، وترتبط القدوة بالهدف الذي يسعى الإنسان لتحقيقه في الحياة، فهو يضع نصب عينيه مثالاً، أو قدوة، أو أسوة استطاع تحقيق الهدف ذاته من قبل، أو نبغ في تحقيقه، ويرى علماء النفس أن حاجة الإنسان إلى القدوة تبدأ معه منذ الطفولة، وتشتد حاجته إليها في مرحلتي الطفولة المتأخرة والمراهقة. 

یری هاريغارست «Harighrst» أن من مطالب فترة المراهقة إكساب الفرد أنماط السلوك الاجتماعي، التي تمكنه من تحمل المسؤولية بتدريبه على هذه الأنماط بالتثقيف وتقديم القدوة، وإشراكه في المواقف الاجتماعية، ويرتبط المراهق بحب الأبطال أو القدوة التي يتمثلها ويعشقها، وتبدأ عملية الاقتداء أو التوحد مع الشخصيات المؤثرة في حياة الإنسان منذ طفولته المبكرة، حيث يقتدي الطفل عادة بوالده والمراهق يتعلق بفرد تتمثل فيه صفات الزعامة والمثل العليا يدين بمبادئه ويتمثل آراءه، ويستمر هذا الاقتداء أو التقمص إلى مرحلة الشباب، حيث يكتسب الشاب من القدوة بعض الخصائص والصفات لتصبح مكونًا من مكونات شخصيته المستقلة، وعلى المربين الاهتمام بتقديم قادة الفكر وأبطال التاريخ إلى الشباب مع التركيز على المثل والمبادئ التي نادى بها هؤلاء والتزموا بتطبيقها، لتصبح هذه المثل جزءًا من التكوين النفسي للشباب ولا تتوقف وظيفة القدوة عند مرحلة المراهقة والشباب، ولكنها تستمر مع الإنسان طيلة حياته، فهو في حاجة دائمة إلى المثل الأعلى، الذي يمثل الطموح المستمر لتحقيق الأهداف.

من هم القدوات؟

القدوات في حياة الناس هم أصحاب الصدارة والشهرة الذين ترنو تجاههم العيون وتهفو إليهم القلوب؛ فالقدوة في المجتمع هو الإنسان الذي حقق من النجاح أعلى درجاته، أو هو الذي فرض نفسه بسلوكه وتميزه على الناس، فشعروا بأستاذيته وشعروا أن عنده شيئًا أكبر مما عندهم يلتمسونه منه، ولذلك قال صاحبا السجن ليوسف لما رأيا تميزه ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 36)، فلولا تميز يوسف - عليه السلام- بالإحسان ما شعرا بحاجتهما إليه، ولا بقدرته على حل مشكلاتهما.

كيف يصبح الإنسان قدوة؟

أولاً: عوامل خاصة بشخص القدوة:

1- التميز والمثالية في الأمر مناط الاقتداء ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

2- النجاح في تحقيق الأهداف وارتقاء القمة فيها.

3- استئثاره بحب ومشاعر المقتدين به واستحواذه على عواطفهم لعطفه عليهم، وتميزه بصفات الرحمة والحنان والعدل ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).

ثانيًا: عوامل خاصة بالمقتدي:

  1. اهتمامه بشخص القدوة ومعرفته به وبصفاته الشخصية المتميزة. 

  2. اهتمامه بموضوع القدوة، أو تحديده للهدف الذي يريد تحقيقه في الحياة أو في هذه المرحلة من حياته، وفي ضوء هذا الهدف يقتدي الإنسان بالشخص الذي سبقه في تحقيق الهدف بنجاح تام. 

  3.  قدرات الشخص ومستوى طموحه ونوع تخصصه.

ومن هنا تتنوع القدوات وتتعدد أمام الشخص الواحد، وفق تعدد الأدوار والتخصصات التي يشغلها في الحياة؛ فقدوته في العمل تختلف عن قدوته في البيت أو في النادي.

القدوات العامة في الحياة

ومع تعدد أدوار الفرد في الحياة يطرح السؤال نفسه هل يوجد شخص في العالم تتجسد فيه:

صفات القدوة العامة في كل المجالات؟ 

البشر العاديون قد يكون منهم قدوة في مجال، لكنه غير ذلك في مجال آخر، فقد يوجد الإنسان النابغ سياسيًّا، أو عسكريًّا، أو رياضيًّا، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون ناجحًا أسريًّا، أو اجتماعيًّا، أو اقتصاديًّا؛ لأن الكمال البشري المطلق يستحيل تحقيقه في شخص واحد، لكن هناك قدوات عامة عرفها تاريخ البشرية وهم الأنبياء والرسل؛ لأنهم أمثلة الكمال البشري، ولهم العصمة، ولأنهم تربوا وصنعوا على عين الله تبارك وتعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه: 39)، ولأن الله اصطفاهم بمواصفات خاصة، ليكونوا أمثلة الهدى وأعلام الكمال، وأفذاذ البشر، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: 90)، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: 4)، وسيد الأنبياء والرسل هو محمد ، فهو مثال القدوة المطلقة والكمال البشري أرقى صوره وأعظمها ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ( القلم: 4).

لماذا نتخذ محمدًا ﷺ قدوة؟

أولاً: الاقتداء به فريضة شرعية:

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: 132)، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31) ﴿قًلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108)، يقول ابن القيم إن الأمر بطاعة الرسول واتباعه والاستجابة إلى أمره تكرر في القرآن الكريم خمسًا وثلاثين مرة، للدلالة على عظمة هذا الأمر وأهميته وعلو منزلته عند الله، وفي الحديث يقول «خذوا عني مناسككم».. وفي حديث ثوبان يقول: «يحشر المرء مع من أحب» ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69)، ولم يكتف الصحابة - رضوان الله عليهم- باتباع رسول الله اتباع هداية، أي اتباع المنهج الذي جاء به - ولكن اتبعوه اتباع اقتداء في كل صغيرة وكبيرة، اتباعًا ناتجًا عن الحب والتعلق حتى في السنن الجبلية.

ثانيًا: الاقتداء به ضرورة حياتية فمن أراد الاقتراب من الكمال البشري المطلق فعليه اتباع محمدﷺ، وهذا أمر أقر به كبار كتاب ومفكري الغرب، فضلاً عن علماء الإسلام، يقول برنارد شو لو أن محمدًا موجود لحل مشكلات العالم كله، ريثما يحتسي فنجانًا من القهوة، ويرى مؤلف كتاب عظماء العالم مائة وعلى رأسهم محمد أنه ﷺ كان:

- قدوة في الزعامة السياسية والقيادة الشعبية فلقد كان أتباعه يفتدونه بالأرواح والأنفس.

- العسكرية الفذة والشجاعة المطلقة. 

- اقتصاديًّا ناجحًا.

 - زوجًا مثاليًّا. 

- خطيباً مؤثراً ومحدثاً بليغاً.

- في الأخلاق الحميدة الجامعة.

-صديقًا محبوبًا وصاحبًا مألوفًا.

- رياضيًّا بارعًا.

خلاصة القول: إن الناس جميعًا اليوم في حاجة ماسة إلى الاقتداء بمحمد لتحقيق النجاح المطلق في الحياة والسعادة في الدنيا والآخرة.

معوقات الاقتداء

1- الجهل بحقيقة عظمة الرسول.

2- طفو أنواع أخرى من القدوات على السطح.

3- إعراض الإنسان عن التكاليف الشرعية واعتبار الاقتداء بالرسول واجبًا دينيًّا. 

وسائل تحقيق الاقتداء

1 - نشر العلم بفضائله وأخلاقه، وسمو صفاته.

2- زرع الحب له في نفوس الناس. 

3- الموازنة بين ثقل التكاليف، وعظمة النجاح والتفوق، وتذكير الناس بأن أي اقتداء له تبعات؛ فالذي يقتدي بلاعب كرة، أو يتخذه مثلاً أعلى ليصل إلى مستواه، يتدرب بجدية كما يتدرب القدوة، ويمتنع عن كل ما له تأثير سلبي على صحته العامة ولياقته البدنية من ملذات ومكيفات، ومنبهات وسهر وإفراط في الطعام والشراب، وخلافه.. فلكل اقتداء تكاليفه، ولكن إذا نظرنا إلى عظمة القدوة هانت علينا مشاق التكاليف.

اقتداء الدعاة

ويجدر بنا أن نميز بين مجموعة من الصفات المهمة التي يجب أن يقتدي فيها الدعاة برسول الله ﷺ، عن غيرهم من عامة الناس، أي التمييز بين نوعين من القدوة، قدوة عامة: يجب على الجميع الاقتداء بها دعاة وعامة كبارًا وصغارًا، وقدوة خاصة: يجب على الدعاة عمومًا، وعلى القادة خصوصًا الانتباه إليها، والحرص عليها، وليس معنى هذا أن هذه الصفات لا تنفع عامة الناس، أو أنهم لا يحتاجون إليها ولكنها أوجب في حق الدعاة والقادة؛ لأنها المقومات الأساسية لشخصية الداعية وأعمدة البناء النفسي للقادة الذين ربما يتعرضون لظروف وضغوط قد لا يتعرض لها عامة الناس، ومنها:

1- شدة سماعه ﷺ لأتباعه وأصحابه والإقبال على حديثهم بالاهتمام والتصديق، وإشعار كل فرد منهم بأهميته وأهمية ما أتى به من خبر أو اجتهاد، أو رأي أو مشورة، أو سؤال حتى غاظ ذلك المنافقين: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: 61).

2- الرحمة والشفقة وجميل حسن المصاحبة وإظهار الحب لجميع الأتباع والشعور العاطفي الفياض بهم، كان دائمًا نعم الأب الحاني العطوف لجميع المؤمنين ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128) ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) ينزل من علياء النبوة، ورفعة القيادة إلى بشرية الجنود يأخذ بأيديهم ويتحسس مواطن الضعف عندهم، ويتفقد أحوالهم، ويطمئن بنفسه على ضعيفهم.

في غزوة ذات الرقاع روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: خرجت مع رسول الله إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله فقال مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ، قال : أنخه، فأنخته وأناخ رسول الله ثم قال أعطني هذه العصا من يدك ففعلت، فأخذها فنخسه بها نخسات ثم قال: اركب فركبت فخرج -والذي بعثه بالحق - يواهق ناقته مواهقة، وتحدثت مع رسول الله، فقال لي: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت يا رسول الله، بل أهبه لك، قال: لا ولكن بعنيه، قلت: فثمّنيه يا رسول الله، قال: آخذه بدرهم، قلت: لا إذن تغبني يا رسول الله، قال: فبدرهمين؟ قلت لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله في ثمنه حتى بلغ الأوقية، فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال قد أخذته، ثم قال يا جابر هل تزوجت بعد؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: أثيبًا أم بكرًا، قلت: بل ثيبًا. قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله: إن أبي أصيب يوم أحد وترك لي بنات سبعًا فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن قال: أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صرارًا أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك وسمعت بنا فنفضت نمارقها، فقلت: والله يا رسول الله ما لنا نمارق قال إنها ستكون... الحديث. 

وفي نهايته أن الرسول رد الجمل إلى جابر وأعطاه الأوقية، يقول الدكتور سعيد رمضان البوطي تعقيبًا على الحديث: انظر لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله مع أصحابه، وما انطوى عليه خلقه الكريم، هذا من لطف المعاشرة ورقة في الحديث، وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه، وقد كان من عادته إذا سار مع أصحابه في طريق أن يتفقد أصحابه كلهم، ويطمئن عليهم بين كل فترة وأخرى، ومن عظمة حبه لصحابته، وإظهار ذلك لهم كان كل منهم يرى أنه أحب شخص إليه.

3- تيسيره على أصحابه وأتباعه وأمته، وهذا من باب الحب والشفقة والرحمة، فما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا.

4- مشاركته لأصحابه الجهد والمشقة لا ينزه نفسه ولا ينأى بها عن العمل الشاق المجهد، وعدم رغبته عن أصحابه، أو تميزه عنهم، فقد تقاسم مع أصحابه العمل يومًا فقال: وأنا عليّ جمع الحطب، ويوم الخندق يقول البراء كان ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وتعاقب ﷺ مع أصحابه البعير الواحد، وخرج مودعًا زيد بن حارثة أمير جيش مؤتة إلى ثنية الوداع، ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنهما- في الأحزاب أنهم استعانوا برسول الله لما عرضت لهم كدية شديدة في حفر الخندق، فقال أنا نازل فقام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ ﷺالمعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل... الحديث.

وفي هذا الحديث أيضًا أن جابرًا دعا ﷺ إلى وليمة ورجلاً أو رجلين، ولم يكن ببيته سوى شعير وشاة، فسأله ﷺ عن مقدار الطعام ثم نادى في الجيش إن جابرًا قد صنع لكم صنيعًا فجاء بالجيش معه فأكلوا جميعًا، ثم انصرفوا وإن البرمة (القدر) لتغط كما هي، وإن العجين يخبز كما هو... الحديث.

ولئن توقف أغلب كتاب السيرة عند المعجزة والبركة التي جعلت طعام الخمسة يفيض عن حاجة الألف، فإننا نتوقف أمام معجزة أكبر، وخلق هو أرقى وأعظم من المعجزة المادية نفسها؛ فرسول الله لا يرضى لنفسه طعامًا والجيش جائع، ولا يهنأ بشبع وجنوده من حوله يتضورون جوعًا، إن المعجزة الكبرى هي في فعل النبي وأخلاقه وشفقته بالقوم.

5- حفاظه ﷺ دائمًا على الشورى وحرصه عليها ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159) ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). ومواقفه ﷺ في الشورى كثيرة منها: طلبه مشورة الأنصار يوم بدر - نزوله على رأي الحباب بن المنذر في بدر ويوم خيبر - شاور في أمر أسرى بدر - مشاورته أصحابه يوم أحد - قبوله رأي سلمان بحفر الخندق - عمله بمشورة زوجته أم سلمة يوم الحديبية - سماعه لزيد بن أرقم الغلام الحدث يوم المريسيع - شاور في أمر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك - أخذه برؤيا عبد الله بن زيد في شعيرة الأذان. 

يقول الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله-: وفي قبول الرسول ﷺ إشارة الحباب بن المنذر بالتحول من منزله الذي اختاره للمعركة يوم بدر، وكذلك في قبول استشارته يوم خيبر ما يحطم غرور الدكتاتوريين المتسلطين على الشعوب بغير إرادة منها ولا رضا هؤلاء الذين يزعمون لأنفسهم من الفضل في عقولهم وبُعد النظر في تفكيرهم ما يحملهم على احتقار إرادة الشعب والتعالي على استشارة عقلائه وحكمائه ومفكريه... إن حوادث التاريخ القريب والبعيد دلتنا على أن غرور الدكتاتوريين قضى عليهم وعلى أمتهم وهوى بالأمة إلى منحدر سحيق.. ففيما فعله رسول الله ﷺ من قبول مشورة الحباب في بدر وخيبر قدوة لكل حاكم مخلص، ولكل قائد حكيم، ولكل داعية صادق، وأبرز صفات الحاكم المسلم الخالد في التاريخ هو الذي يستشير ولا يستبد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).

الرابط المختصر :