; الرفق | مجلة المجتمع

العنوان الرفق

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980

مشاهدات 107

نشر في العدد 488

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 08-يوليو-1980

 

الرفق، هذه الكلمة الجميلة التي رفقت بها كثيرًا قبل إيرادها في هذه الورقات، ووضعتها بيسر على الخطوط كي يتلاءم معناها مع مكانها الذي وضعت فيه، وحتى تصل للأخ المربي لينة سهلة يستطيع بعدها استثمار معانيها وترجمتها إلى واقع حي مع من يدعوهم ويربيهم.

ضرورة الرفق في حياة الدعاة

يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران:159) «۱».

يقول سيد رحمه الله «فالناس في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة وإلى بشاشة سمحة وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمة، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم» «2»

ويضع شيخ الإسلام ابن تيمية الرفق في المرتبة الثانية بعد شرط الفقه، ويليه الحلم في الشروط الأساسية التي يتحلى بها الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر «الداعية» ثم يورد قول أحد علماء السلف إنه «لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به فقيهًا فيما ينهي عنه، رفيقًا فيما يأمر به رفيقًا فيما ينهي عنه، حليمًا فيما يأمر به حليمًا فيما ينهي عنه» «۳».

الرفق بأخذ هذا الدين

إن الرفق في أخذ هذا الدين هو العامل الرئيسي في تكوين صورة متزنة عند الداعية المسلم وإن صورة الاتزان هذه تكمن في التعامل مع الفطرة وعدم معارضتها بما لا تطيق، فهي طبيعية بسبب الأخذ المتزن بهذا الدين، وإن الأيام تخبرنا على مدى التاريخ الإسلامي أنه مأمن مسلم يأخذ هذا الدين بصورة غير طبيعية بها نوع من العنف مع نفسه وفطرته، إلا نتج عن ذلك أحد نتيجتين إما الجنون أو الارتداد، وهناك نتيجة ثالثة نابعة من النتيجة الأولى، وهي التقوقع وعزلة الناس، وهو مرض نفسي ناتج من ذلك الأخذ الغير متزن، لذلك كله حذر الرسول صلى الله عليه وسلم: في ذلك حينما قال «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق» «4».

الرفق في أخذ تعاليمه والرفق في تطبيقها، ولا يظن ظان أن هذا إشارة إلى فعل بعض ما نهى عنه بحجة الرفق بأخذ هذا الدين، إنما لحديث يتعلق بالأوامر دون النواهي «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم» «٥».

 وكذلك لا يظن ظان أن الشدة بأخذ هذا الدين وترك الرفق بالوغول فيه من التقوى، وذلك «إنه جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله لأني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» «6».

وقوله صلى الله عليه وسلم «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» «7».

قال ابن حجر -والمشادة بالتشديد، المغالبة يقال شاده يشاده مشادة إذا قاواه، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب.

وقال ابن المنير -في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وقد رأينا ورأى الناس قبلنا إن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة» «8».

الرفق بالحيوان والنبات والجماد

والرفق بعد ذلك صفة من صفات الدعاة، ومستوى معين لا يبلغه إلا من تجسمت فيه هذه الصفة في جميع حالاته، فإنه لا يتصور أن يمتلك داعيه هذه الصفة مع المدعوين، وهو ما زال عنيفا مع الحيوان والنبات والجماد...

وحتى تتأصل صفة الرفق فيه لا بد أن تزول صفة العنف منه معهم ويستبدلها بالرفق وعندما يجتاز تلك المرحلة -يكون للإنسان عنده الأولوية بالرفق في الحيوان ولعل هذا هو السر في تربيه الله تعالى لرسله على ذلك، فما أرسل رسولا إلا كان داعيًا.

ونلاحظ من خلال أحاديث كثيرة توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة بالرفق بالحيوان كمرحلة ضرورية لا بد للداعية من اجتيازها، فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شأنه» وفي رواية أخرى ركبت عائشة بعيرًا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردده فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «عليك بالرفق» ثم ذكر مثله - «9».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر».

قال ابن حجر «وفيه الحث على الإحسان إلى الناس لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرًا» «۱۱».

 بل إن الأمر ليصل إلى أن يغفر الله لامرأة تزاول أرذل المهن وهي من أرذل الأمم بسبب تمثلها بصفة الرفق للحيوان.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كلب يطيف بركيه «12» قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به فسقته إياه، فغفر لها به» «13».

ويأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بيد الأخ الداعية ليرفعه إلى درجة أخرى من درجات الرفق ليتعلم فيها كيف يرفق وهو يقوم عملية ذبح الحيوان.

 فعن شداد بن أوس قال -سنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا نبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته» «14».

 قال الإمام النووي «وليحد بمعنى وليرح ذبيحته بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وغير ذلك- ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة الذبيحة وأن لا يذبح واحدة بحضرة أخرى ولا يجرها إلى مذبحها وقوله صلى الله عليه وسلم «فأحسنوا القتلة» عام في كل قتيل من الذبائح. «15»

ويرتقي الأخ الداعية إلى مستوى غير الذي كان عليه ليصغي إلى النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم يعلمه فيه صورة أخرى من هذا الخلف الحميد -صورة الرفق في العقاب. 

وهو يقول «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار فأوحى الله إليه، فهلا نملة واحدة» «١٦».

صورة تؤدي بالأخ الداعية أن ينكسر قلبه على نملة غرقت بالماء فيمد أنامله لها فيخرجها ويضعها بعيدًا عن الخطر. هكذا يربي الرسول صلى الله عليه وسلم أتباعه ليبلغوا مستوى الرفق بالإنسان.

البشرية بين التطلع إلى الله والعبودية للشهوات

إذا كان العلم في تقدم مستمر وإذا كان الجانب المادي من حضارة الإنسان صعود دائم فذلك لا يعني أن كل تاريخ البشرية في صعود والجانب الإنساني والبشري هو أكثر الجوانب تذبذبًا بين الارتفاع والارتكاس والسموم والتدني...

«يهتف بالبشرية هاتف بالصعود نبي مرسل أو زعيم مصلح أو قائد فتتجه في مجموعها إلى الصعود فترة من الوقت ويبقى حثالة من الناس في أسفل القاع منومين مدحورين لأن الموجة صاعدة ثم يتعب الناس من الصعود أو من الاستقامة على القمة فيبدأون دورة الهبوط وهنا تنتفش الحثالة الموجودة في أسفل القاع وتحس الضغط عليها قد خف فتأخذ في النشاط ويكون نشاطها في بادئ الأمر محدودًا ومنظورًا إليه باستنكار.

وتهبط الموجة أكثر ويخف الضغط على الحثالة المنتكسة، فتزداد انتفاشًا ونشاطًا وتتسلم هي القيادة وتبقى قلة من الناس مرتفعين ولكن تحت ضغط مرهق عنيف وتشتد في هبوطها حتى تطغى وتصطدم بقرارة الفساد في النفس البشرية حتى تلفظها «الفطرة» حتى الفطرة المريضة فتبدأ تلفظها لأنها تجاوزت آخر مداها وعندئذ تأخذ الموجة في الصعود مرة أخرى على يد نبي مرسل أو زعيم مصلح أو قائد وذلك تاريخ البشرية!

 

الرابط المختصر :